أقلام حرة
وليد الزيدي: بين "خطّية" علي الوردي و"ميخالف" الحاضر
قراءة في آليات التساهل الاجتماعي في العراق
يُعدّ علي الوردي من أبرز من اشتغلوا على تفكيك البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع العراقي، وقد وجّه نقدًا لاذعًا لما يمكن تسميته بالتفكير التبسيطي أو “الخطّي”، أي ذلك النمط الذي يختزل الظواهر المعقّدة في تفسيرات مباشرة وحلول أحادية، متجاهلًا تشابك العوامل النفسية والثقافية والاقتصادية. هذا النقد لا يقف عند حدود التنظير، بل يجد امتداده في الممارسات اليومية للمجتمع، والتي تعبّر عنها اليوم مفردات دارجة مثل “ميخالف” و“غَلِّس”.
فالخطّية عند الوردي لا تعني مجرد التسامح، بل تعني الاعتقاد بأن الحل البسيط كافٍ لمعالجة مشكلة معقّدة؛ كأن يُظنّ أن العفو وحده كفيل بإصلاح المخطئ، دون الحاجة إلى تنبيه أو تقويم أو فهم للأسباب العميقة التي أدّت إلى الخطأ. وهنا تتجلّى إحدى إشكاليات المجتمع، حيث يُستبدل الفعل الإصلاحي الحقيقي بردود أفعال عاطفية سريعة.
في هذا السياق، تبرز عبارة “ميخالف” بوصفها تجسيدًا معاصرًا لهذا النمط من التفكير. فهي، في ظاهرها، تعبير عن التسامح وتخفيف التوتر، لكنها في باطنها قد تتحوّل إلى آلية لتجاوز الخطأ دون معالجته. إن تكرار “ميخالف” في المواقف التي تستدعي التنبيه أو المساءلة، يفضي إلى ترسيخ سلوكيات خاطئة، إذ يُفهم منها ضمنًا أن الخطأ يمكن أن يمرّ بلا تبعات، وأن العلاقات الاجتماعية أهم من تقويم السلوك.
غير أن التطور الأخطر يتمثل في شيوع مفردة “غَلِّس”، التي لا تكتفي بتجاوز الخطأ، بل تشير إلى تجاهل متعمّد ومقصود، بل وربما إلى دعوة ضمنية لإخفاء الخلل وعدم الخوض فيه. وإذا كانت “ميخالف” تعبيرًا عن تسامح قد يكون ساذجًا، فإن “غَلِّس” تمثّل انتقالًا إلى مستوى أكثر خطورة، حيث يصبح التجاهل سياسة، ويغدو السكوت عن الخطأ خيارًا واعيًا، بما يفتح المجال أمام تكرار الانحرافات وتطبيعها. ولعلها ابرز ممارسات تفشي الفساد في مجتمعنا العراقي اليوم.
إن الجمع بين هذه المستويات الثلاثة – الخطّية كإطار فكري، و“ميخالف” كسلوك اجتماعي، و“غَلِّس” كآلية واعية للتجاهل – يكشف عن منظومة متكاملة من التساهل غير المنتج، الذي لا يفضي إلى إصلاح بقدر ما يساهم في إعادة إنتاج المشكلات. فالمجتمع الذي يعالج أخطاءه بالعفو المجرد، أو يتجاوزها بدافع المجاملة، أو يتعمّد إخفاءها، إنما يؤجل أزماته ولا يحلّها.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة الاعتبار لقيم النقد البنّاء والمساءلة الواعية، بوصفهما شرطين أساسيين لأي إصلاح اجتماعي حقيقي. فالتسامح، وإن كان قيمة إنسانية نبيلة، يفقد معناه إذا لم يُقترن بالتوجيه، كما أن الحفاظ على العلاقات لا ينبغي أن يكون على حساب ترسيخ الخطأ. ولعل في استعادة نقد الوردي للتفكير الخطّي مدخلًا مهمًا لفهم هذه الظواهر، والعمل على تجاوزها نحو وعي اجتماعي أكثر نضجًا وتعقيدًا.
***
د. وليد الزيدي







