عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تجديد وتنوير

ابتهال عبد الوهاب: ابن رشد بين احتفاء العالم وعداء الداخل

بينما يحتفل العالم بمرور تسعمائة عام على ميلاد ابن رشد، ويعيد اكتشافه بوصفه أحد أعظم المدافعين عن العقل والحرية والتسامح، نقف نحن على الضفة الأخرى من التاريخ، نغلق أبواب الفلسفة بأيدينا، ونطارد السؤال كما لو كان جريمة، ونعامل التفكير النقدي باعتباره خطرا يهدد سلامة القطيع.

بينما تدرس كتب ابن رشد في جامعات العالم باعتباره الشارح الأكبر لـ أرسطو، وصاحب المشروع الذي أنقذ العقل الأوروبي من ظلمات العصور الوسطى، ما زالت مجتمعاتنا تخشى الفلسفة

فالسلطة التي تخاف من الإنسان الحر، تخاف بالضرورة من كل علم يعلمه كيف يفكر، وكيف يشك، وكيف يقول: لماذا؟

إن المفارقة ليست مؤلمة فحسب، بل تكاد تكون مهينة حضاريا. فالرجل الذي أحرقت كتبه ونفي وعوقب لأنه دافع عن العقل، عاد اليوم ليحتفى به عالميا باعتباره رمزا للحداثة الفكرية، بينما ما زلنا نحن نعيد إنتاج المناخ ذاته الذي حاكمه قبل قرون، ولكن بأسماء وشعارات جديدة.

نحتفل بالماضي ونتغنى بابن رشد في الخطب، ثم نغلق أقسام الفلسفة في الجامعات. نتحدث عن التنوير، ثم نهمش العلوم الإنسانية، ونحول المؤسسات الثقافية إلى منصات لإعادة تدوير الماضي.   

حتى المنابر التي كان يفترض أن تكون حصونا للفكر الحر، أصبحت أحيانا أكثر خوفا من الفلسفة نفسها؛ المؤسسات التي كان يجب أن تدافع عن العقل النقدي، بات بعضها يستضيف خطابا تقليديا يعيد إنتاج الوعي المغلق ذاته الذي حارب ابن رشد قديما.

اعتقد إن الاحتفاء الحقيقي بابن رشد لا يكون بإقامة المؤتمرات ورفع الصور، بل بإعادة الاعتبار للعقل النقدي، وفتح أبواب الفلسفة أمام الأجيال الجديدة، والدفاع عن حق الإنسان في التفكير الحر دون خوف من التكفير أو الإقصاء أو السخرية.

فالذين أحرقوا كتب ابن رشد قديما، كانوا يظنون أنهم يطفئون الفكرة، لكن التاريخ أثبت أن الأفكار لا تموت بالحرق، بل تموت فقط حين يتصالح المجتمع مع جهله.

وهكذا، بعد تسعمائة عام، لا يبدو أن معركة ابن رشد انتهت. لقد تغيرت الملابس، وتبدلت الوجوه، لكن الحرب على العقل ما زالت مستمرة… فقط أصبحت أكثر أناقة، وأكثر قدرة على التنكر باسم الفضيلة والدين.

بعد تسعمائة عام على ميلاد ابن رشد، يبقى السؤال الأكثر إيلاما: هل ما زلنا نخاف من العقل إلى هذا الحد؟.. أم أن المأساة الأعمق هي أننا لم نعد ندرك أصلا معنى أن يكون الإنسان كائنا يفكر؟

ربما في وجهه نظري ان المأساة الأكبر أننا لم نعد نحرق كتب الفلاسفة كما فعل القدماء، لأن الأمر لم يعد ضروريا أصلا؟.

لقد أصبح بالإمكان قتل الفكرة بطريقة أكثر حداثة ووحشية: بتهميشها، والسخرية منها، وتجفيف منابعها داخل الجامعات، والمؤسسات وتحويل المجتمع إلى آلة ضخمة لإنتاج النسخ المتشابهة.

يا ساده لا يمكن لأي أمة أن تدخل المستقبل بعقل يخاف من السؤال ويرتعد من الشك ويرتبك من كلمه تأويل أو تفكيك.  ولتعلموا ان ابن رشد قد انتصر بعد موته أكثر مما انتصر في حياته؛ لأن الأفكار العظيمة لا يهزمها النفي ولا الحرق ولا التكفير.. الذي يهزم حقا هو المجتمع الذي يعلن الحرب على عقله، ويطفئ مصابيح النقد بيديه، ثم يتساءل بعد ذلك لماذا يعيش في العتمة. لهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد تسعمائة عام على ميلاد ابن رشد ليس: هل انتصر العقل؟

بل: كم بقي لدينا من الشجاعة كي نعترف أن خلاصنا لن يأتي من المزيد من الطاعة.. بل من إنسان يجرؤ على التفكير؟

سلاما على ابن رشد وسلاما على كل عقل يدفع ثمن تفكيره وجعا وألما واقصاءً.. وسلاما على الذين يمشون ضد القطيع حاملين مصابيحهم الصغيرة وسط هذا الليل الطويل، وعلى كل فيلسوفٍ اختار أن يرى… رغم أن الرؤية كانت موجعة.

سلاما على الذين لم يبيعوا عقولهم مقابل الطمأنينة، ولم يستبدلوا الحقيقة بالراحة، ولا السؤال بالطاعة.

وسلاما على الفيلسوف.. ذلك الكائن النبيل الذي يطارد في كل عصر، لأنه يذكر الإنسان دوما بأنه خلِق ليفكر.. لا لينحني.

***

ابتهال عبد الوهاب