تجديد وتنوير
ابتهال عبد الوهاب: جدليه الخوف والنهضة والإبداع في العالم العربي
كيف يمكن لمجتمع يرتجف من ظل الفكرة أن يصنع فجرا جديدا؟.. كيف لمناخ يضيق بلوحة بريئة، ويرتجف من قصيدة تتنفس، ويشك في كتاب يبحث عن قارئ، ويرى في السؤال جريمة كاملة الأركان؟
يخاف لوحة لأنها تبصر أكثر مما يرى، ويشك في قصيدة لأنها تنطق بما يخشاه، ويرتاب في كتاب لأنه يفتح نافذة على عالم أوسع من سجنه، ويرتعب من مقال لأنه يهز ثباته الهش، ويجرم السؤال لأنه يهدد أمانه.
كيف لمثل هذا المجتمع أن يصنع نهضة، أو حتى يحلم بها دون أن يرتعد؟
إن النهضة لا تنبت في أرض خائفة، ولا تزهر في تربة يراقبها الحراس أكثر مما يرعاها الحالمون. النهضة ابنة الحرية، والحرية أم كل جمال؛ ومن يخشى السؤال، يخشى في الحقيقة أن يرى وجهه في مرآة الحقيقة. النهضة ليست مبنى نرفعه، ولا شعارا نردده، ولا تاريخا نقلب صفحاته. النهضة حالة وجودية، تبدأ من قرار شجاع بأن نترك العقل يتنفس، وأن نحرر الروح من قيود الخوف. فكل فكرة عظيمة خرجت إلى العالم كانت أولا شكوكا يتم نفيها، وأحلاما يتم قمعها، وأصواتا يتم إسكاتها.
ما من ابتكار يولد داخل قفص، ولا من خيال يحلق بأجنحة مقصوصة. الفكر لا يتجدد إلا حين نفتح له الأبواب كلها؛ حين نسمح له بأن يخطئ، وأن يجرب، وأن يهدم كي يبني، وأن يشك كي يعرف. أما مجتمع يغلق نوافذه خوفا من هواء مختلف، فمصيره أن يختنق داخل غرفته، مهما زين جدرانها بالشعارات.
ما الذي يمكن أن يبتكره مجتمع يخاف أن يختلف؟.. ماذا يمكن أن يبني مجتمع يظن أن النجاة في التكرار لا في المغامرة، وأن الطاعة فضيلة حتى لو قادت إلى الهاوية، وأن الحقيقة جثة لا يجوز لمسها؟.. مجتمع كهذا لا يخشى الفكرة في حقيقتها، بل يخشى ما ستفضحه فيه من خواء. يخاف أن تذكره اللوحة بأنه أصبح بلا أفق، والقصيدة بأنه بلا روح، والكتاب بأنه بلا خيال، والمقال بأنه بلا شجاعة، والسؤال بأنه بلا يقين.
إن الحرية ليست بابا نطرقه، بل هي الهواء الذي لا ننتبه إليه إلا عندما ينقطع. والوعي لا يولد إلا في بيت مفتوح، وجدار مسموح له أن يتشقق، وعقل قادر على أن يخطئ قبل أن يصيب. أما حين نزرع في الطفل رعب السؤال، وفي الشاب خوف الحلم، وفي الشيخ ضيق المعرفة، فإننا نربي أجيالا كاملة على الانحناء، ثم نتساءل ببراءة: لماذا نحن متخلفون ومتأخرون؟
إن الحضارة تبدأ من تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن السؤال ليس خيانة، وأن المعرفة ليست خطرا، وأن الإبداع ليس رجسا، بل ضرورة وجودية تشبه الحاجة إلى الضوء. وحين نجرؤ على حماية الفنان لا ملاحقته، وعلى سماع الحكيم لا إسكات صوته، وعلى احتضان المختلف لا تجريمه، عندها فقط تبدأ معجزة النهضة.
النهضة لا تعيش في الظلام، ولا في بيئة تفتش ضمائر الناس أكثر مما تفتش مناهجها.
النهضة تحتاج إلى فنان يخطئ، وفيلسوف يجادل، ومثقف يقلق، وشاعر يربك، وصحفي يزعج، وقارئ يرفض أن يكون مجرد صدى.
تحتاج إلى مجتمع يدرك أن الأفكار ليست قنابل، وأن الكلمات لا تقتل، وأن السؤال ضروره وليس خيانة
نحن لا نفتقر إلى العباقرة؛ نحن نفتقر إلى المساحة التي يتنفس فيها العباقرة دون أن يحرقوا، وإلى الشجاعة التي تسمح للجديد أن يولد دون أن يجهض. فالخوف يقتل أول ما يقتل الخيال، والرقابة تقتل أول ما تلمس الوعي، والتعصب يقتل أول ما يصادف الحقيقة.
فالخوف يصنع الظلام، والحرية تصنع الإنسان. ومن لا يحتمل ارتجافة القصيدة، لن يحتمل رعشة التاريخ حين يمر بجانبه ولا يتوقف.
وحين نتوقف عن الخوف من الفن، سنعرف أن اللوحة ليست خصما بل مرآة، وأن القصيدة ليست خطرا بل خلاصا، وأن الكتاب ليس مؤامرة بل نجاة، وأن السؤال ليس ثورة بل بداية الطريق. عندها فقط يمكن أن تشرق النهضة، لا كمعجزة، بل كاستحقاق
***
ابتهال عبد الوهاب






