عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

بهيج حسن مسعود: قراءة نقدية في رواية "صبريانا" (صبري-أنا)

للأستاذة الإعلامية الشاعرة الروائية التونسية فضيلة مسعي

هذه الرواية عمل أدبي جريء يتجاوز السرد التقليدي، لتقديم لوحة فنية معقدة عن مأساة إنسانية ووطنية. تقوم القراءة النقدية على عدة محاور رئيسية:

أولاً: البناء السردي (القصة داخل القصة)

تستخدم الكاتبة تقنية "القصة داخل القصة" ببراعة. البداية تبدأ مع الكاتبة "راوية الخزرجي" التي تحلم بروايتها، ثم ننتقل إلى حياة "صبريانا" التي تعيش تفاصيلها، وأخيراً نكتشف أن كل ما عاشته صبريانا هو مجرد حلم موجود داخل رواية قديمة تقرأها "اللوحة القارئة". هذا التداخل بين عدة مستويات سردية يخلق تشويقاً ويدفع القارئ إلى التساؤل: أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الخيال؟

ثانياً: المزج بين الواقع والخيال (الواقعي العجائبي)

الرواية لا تفرق بين ما هو معيش وممكن وما هو خارق ومستحيل. الأحداث المؤلمة التي يمر بها الشعب العراقي (القصف، القتل، الاحتلال، الفساد، الهجرة) تُقدّم مختلطة بعناصر عجائبية، مثل الحوار مع الموتى (شبح ناظم)، واللوحة التي تنطق وتقرأ، والإنجاب من حيوانات منوية محفوظة بعد وفاة الأب بتسع سنوات. هذا المزج يعكس حالة نفسية وجماعية هشة، حيث يصبح الخيال ملاذاً من واقع دموي لا يُحتمل.

ثالثاً: تقنيات السرد – الحلم والمونولوج الداخلي

تعتمد الرواية بشكل كبير على أحلام اليقظة والمونولوج الداخلي (الحديث مع الذات). صبريانا تجلس وتحادث نفسها، وتحادث شبح حبيبها، وتحادث اللوحة القارئة. هذا الأسلوب يكشف عن أعماق المعاناة النفسية، وعن تفتت الشخصية بين رغباتها وواقعها، وبين ما تخفيه وما تعلنه. الحلم في هذه الرواية ليس هروباً، بل هو أداة معرفية لفهم ما لا تستطيع الكلمات المباشرة التعبير عنه.

رابعاً: الشخصيات – بطلة من لحم ودم وحلم

صبريانا: الشخصية الرئيسية هي أكثر من امرأة عراقية تونسية. إنها رمز للذات العربية الممزقة بين الرغبة في الحياة والواقع القاسي. حبها لناظم الذي مات قبل أن تكبر هي، ثم إنجابها لولده بعد موته، يمثل حالة من التحدي للموت والاستمرار رغم كل شيء.

اللوحة القارئة: هذا الكيان الذي لا ينطق بالكلمات إلا بصوت مسموع هو من أبدع ابتكارات الرواية. هي تمثل الذاكرة الجماعية ورواية الأجداد التي تتوارثها الأجيال. هي التي تروي لصبريانا قصتها لتدرك أنها ليست مجرد فرد، بل هي وارثة لقصة قديمة.

شبح ناظم: ليس ذكرى عابرة، بل شخصية تفاعلية نشطة. هو الذي يكشف لصبريانا حقائق عن مشاعرها ويساعدها على رؤية أبعاد المؤامرات السياسية.

خامساً: اللغة والأسلوب

لغة الرواية شاعرية ومؤثرة، تعتمد على الصور البصرية القوية (وصف شارع المتنبي المدمر، وصف جثث الضحايا، وصف لوحة فراغونار). تتنقل اللغة بين الفصاحة الراقية والمرارة اليومية، وأحياناً بين الكلمات المباشرة القاسية واللغة الحلمية الموشحة بالعذوبة. هذا التباين يزيد من عمق الأثر العاطفي.

سادساً: الرؤيا السياسية والنقد الاجتماعي

الرواية هي ساحة مفتوحة لنقد السياسات الأمريكية في العراق بشكل خاص، ونقد الإمبريالية في العالم العربي بشكل عام. هي تفضح زيف "الديمقراطية المحمولة على دبابة"، وتكشف عن آليات تشكيل الطائفية، وتصور عملية تفريخ الجنود من خلال الاستنساخ كرمز للسيطرة الكاملة على الإنسان والأرض. النقد لا يقتصر على المحتل فقط، بل يمتد إلى طبقات المجتمع والفاسدين.

سابعاً: التقييم النقدي

- مناطق القوة: الرواية ابتكار فني متميز، يجرؤ على كسر الكثير من التابوهات (الاستنساخ، الحب بعد الموت، حوار الأموات). أسلوبها المعقد يضفي عليها عمقاً يستحق التأمل والقراءة المتكررة.

- ملاحظات: قد يشعر بعض القراء بأن الرواية طويلة جداً، وخصوصاً في فصولها الأخيرة، وأحياناً تتكرر بعض الأفكار السياسية. النهاية، التي تكشف أن كل ما عاشته صبريانا كان مجرد حلم يقظة لكاتبة اسمها راوية، قد تكون محبطة للقارئ، ولكنها في الوقت نفسه إضافة فنية تطرح سؤالاً حول طبيعة الإبداع نفسه.

خلاصة:

رواية "صبريانا" هي عمل ناضج وجريء، يربط بين ألم الماضي وأوجاع الحاضر، مازجاً الوثائقي بالخيال، ليعطي تصويراً حياً لمأساة إنسانية ووطنية. هي رواية تستحق القراءة بتمعن، وتترك في نفس القارئ أثراً عميقاً وعلامات استفهام كثيرة لا تزول.

***

بهيج حسن مسعود