أقلام حرة
ابتهال عبد الوهاب: وداعا هاني شاكر.. نسيانك صعب اكيد
نقف أمام الغياب، فلا نجد كلمات تكفي، لأن ما يفقد هنا ليس صوتا بل زمن كامل كان يمر عبره… وكان يجعلنا أكثر احتمالا للحياة.
كيف نرثي من علمنا أن نقول: “يا حبيبي وحشتني” قبل أن نعرف معنى الفقد؟. وكيف نودع من جعل “نسيانك صعب أكيد” ليست مجرد جملة، بل قدرا إنسانيا لا يقاوم؟
لقد كان يغني، فنحب… ويغيب، فنشتاق…ويعود، فنؤمن أن القلب مهما تهشم قادر أن ينهض من رماده.
في صوته، لم تكن حكاية كل عاشق مجرد أغنية، بل سيرة خفية لكل واحد منا. كنا نكتشف أنفسنا فيها، كأننا لم نكن استثناء، بل امتدادا لحكاية كونية تتكرر بأسماء مختلفة وقلوب واحدة
وحين كان يغني “كده برضه يا قمر” كنا نفهم أن العتاب ليس انكسارا، بل بقايا حب يرفض أن يموت. وحين همس “يا ريتك معايا” لم يكن الغياب فراغا، بل حضورا موجعا يملأ الروح حتى حافتها..
حين أعلن “مشتريكي متبعيش” فقد رفع الحب من نزوة عاطفية إلى موقف وجودي، إلى وعد لا يقال فقط، بل يعاش… حتى النهاية.
أما “وعد مني” فتصبح الآن وصية عكسية؛ نحن من نعدك أن تبقى، لا في الذاكرة فقط، بل في الطريقة التي نشعر بها
واليوم… نقف اليوم أمام الرحيل، فنسمع صداه القديم يسألنا: أصاحب مين؟.. لا كأغنية بل كسؤال وجودي يواجهنا حين يرحل من كان يملأ فينا هذا الفراغ.
يا من قلت يومًا “بكل العمر حبيته”… ها نحن نردها إليك، لا ككلمات، بل كحقيقة:
لقد أحببناك بعمر كامل.. فمعك اكتشفنا أن الكلمات، مهما بدت عادية، يمكن أن تصبح أوطانا نسكنها حين تضيق بنا الحياة..
فكيف نرثيك الآن؟
هل نقول إنك غبت… أم نعترف أننا نحن من أصبح أكثر غيابًا بعدك؟
أيها الراحل الحاضر… لم تمت، لأن الأصوات التي تعيد تشكيل أرواحنا لا تعرف الفناء.
ولأن ما زرعته فينا من مشاعر وأحاسيس وحنين، سيظل ينمو، حتى ونحن نحاول أن نبدو أقوياء. سنمشي في الحياة، وحين يخذلنا العالم، سنهمس دون أن نشعر بشيءٍ منك…
ستغيب الأغنية عن مسرحها، لكنها لن تغيب عن قلوب تعلمت أن تحفظك لا كصوت بل كجزء من تكوينها.
سلام على صوتك، حين كان يربّت على أرواحنا دون أن نراه.
وسلام على حزنك النبيل، الذي جعلنا نؤمن أن الألم يمكن أن يكون شكلا من أشكال الجمال.
وسلام على ذلك الوفاء الخفي، الذي زرعته فينا دون أن تدري… فصرنا أوفياء لكل ما شعرنا به معك.
سلام عليك…
يوم غنيت،
ويوم أحببنا على وقع كلماتك
ويوم بكينا أيضا عليها دون أن نخجل،
ويوم رحلت…
تاركا لنا ما لا يرثى،
لأنه ببساطة… لا يموت
وداعا هاني شاكر
***
ابتهال عبد الوهاب







