عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

احمد عابر: طريق اسرى الحرب.. ماذا نرى وكيف نقرر؟

(ينبغي أن يكون الكتاب فأسا للبحر المتجمد في داخلنا).. فرانز كافكا في رسالة لصديقه اوسكار بولاك

حين ننقل استعارة كافكا من الكتاب إلى الرسم تبدو لوحة (طريق أسرى الحرب) أقرب إلى ذلك الفأس البارد الذي لا يهاجم المشاهد بالصراخ بل بالصمت. ليست قوة اللوحة في مشهدية الحرب بل ربما في امتناعها عن تقديم الحرب وتبعاتها بواقعية. لا معركة هنا... ولا حماس ولا بطولات. ما نراه هو طريق طويل، جثث متناثرة، وسماء لا تبدي أي اكتراث.

البحر المتجمد في داخلنا حسب ما وصفه كافكا ليس مجرد غياب للعاطفة بل هذا البحر هو تلك القشرة السميكة من الاعتياد التي تجعلنا نمر على الموت الجماعي دون أن نرتطم به. واللوحة تمارس فعلها بهدوء انها تصدّع السطح لا بالسكين بل بالحقيقة العارية.

لكن هذا الطريق ليس منعزلا إنه يقود إلى مكان ما. وإذا كان ثمة من وقف أمام (مرقد السجناء) في آخر مقال لي ورأى المصب حيث تموت القطرات في نهر الثلج فإن هذه اللوحة هي النهر نفسه. هي المسافة التي قطعها اولئك السجناء قبل ان يتحولوا الى كتل بشرية يبتلعها البياض. الطريق والمرقد معا يرسمان خريطة متكاملة للفناء، لوحة ترينا اين ينتهي السير والاخرى ترينا كيف بدأ.

اللوحة التي رسمها فاسيلي فيريشاغين بعد الحرب الروسية العثمانية تنتمي إلى تقاليد الواقعية الروسية وجماعة الهائمين لكنها تتجاوز مجرد التوثيق التاريخي. فهي لا تسجل حدثا بقدر ما تكشف الأثر الإنساني البارد للحرب.2807 ahmad

ما ميز فيريشاغين عن معاصريه أنه لم يرسم من خيمة القائد ولا من مكان دافئ بل تطوع كمراسل ومقاتل ورأى الموت بعينيه. واختار أن يرسم الجنود بعد سقوطهم لا اثتاء القتال وكأنه ينزع عن الحرب آخر أوهامها الجمالية. هذا الاختيار ليس حياديا؛ إنه موقف وجودي وأخلاقي. أن تقف إلى جانب الجثة لا المنتصر وأن تحوّل الفرشاة إلى شاهد لا إلى مبخرة تمجد الأوطان والأفكار والقادة.

على المستوى التشكيلي يعتمد العمل على اقتصاد بصري صارم. الطريق يمتد عميقا داخل اللوحة حتى يتلاشى في الأفق مانحا المشهد شعورا باللانهاية والفراغ.

هذا الامتداد ليس مجرد عنصر منظور بل بنية نفسية أيضا؛ فالعين تجبر على متابعة الطريق كما لو انها تسير داخل مقبرة مفتوحة لا تنتهي. الأعمدة الممتدة على جانبي الطريق تؤدي دورا بالغ الأهمية في التكوين.

 إنها تقسم الفضاء بإيقاع غير مكترث وتمنح المشهد انتظاما قاسيا يتناقض مع الفوضى البشرية الملقاة على الارض. تبدو هذه الأعمدة كأنها استمرار للحرب بوسائل أخرى: حضارة قادرة على تنظيم الاتصال وشق الطرقات لكنها عاجزة عن حماية الإنسان من التحول إلى جثة مجهولة على قارعة الثلج.

اما الغربان المنتشرة فوق الأجساد وعلى الطريق فهي العنصر الحي الوحيد تقريبا في اللوحة. وجودها لا يعمل كرمز تقليدي للموت فقط بل كحركة سوداء صغيرة داخل عالم متجمد. الغربان تمنح المشهد توترا وتؤكد أن الطبيعة تواصل دورتها غير مبالية بالمأساة البشرية. لونيا يهيمن الأبيض والرمادي والأزرق البارد على اللوحة، وهذا التقشف لا يخفف القسوة بل يزيدها. الثلج لا يطهر الموتى ولا يمنحهم سلاما؛ إنه يغطيهم تدريجيا، كما لو ان الطبيعة نفسها تشارك في محوهم. بعض الجثث يكاد يختفي داخل البياض، في إشارة موجعة إلى هشاشة الإنسان امام الزمن والقساوة والنسيان واللامبالاة.

البير كامو في كتابه اسطورة سيزيف يقول:

ينبثق العبث من هذه المواجهة بين حاجة الإنسان والصمت غير المعقول للعالم.

في هذه اللوحة يبلغ الصمت غير المعقول ذروته. كل جندي سقط هنا كان يحمل حاجة إنسانية اصيلة.. حاجة إلى الدفء، إلى العودة إلى معنى يبرر موته الباكر لنفسه واهله واحبته. لكن الطريق لا يرد والسماء لا تقدم عزاء والطبيعة بعناصرها تأكله بلا اكتراث. كثير من هؤلاء الجنود الأسرى لم يموتوا بالرصاص بل ماتوا بالاهمال. هذا موت بلا عدو مباشر، موت اداري بارد.

هنا يصبح الصمت الذي يتحدث عنه كامو اكثر كثافة. ليس غياب الصوت فحسب بل هو حضور ثقيل للامعنى. الطبيعة ليست معادية ولا رحيمة بل حاضرة بعدم اكتراثها للبطولات والتوحش وهذا اقسى ما في العبث. لكن اللوحة في فعل رسمها ذاته تحمل مقاومة ضمنية لهذا الصمت.

ربما مجرد اعادة هؤلاء المضرجين المطروحين والممزقين على قارعة الطريق... إلى مجال الرؤية هو موقف أخلاقي. فيريشاغين لا يمنحهم بطولة لكنه يمنحهم حضورا في وجدان من يشاهد اللوحة، ويجبر المشاهد على التوقف امام ما تحاول الحروب عادة إخفاءه، ذلك الجسد البشري حين يفقد اسمه ووظيفته ويعود مادة هامدة في العراء. الرسم هنا أقرب إلى ما سماه كامو الإنسان المتمرد الذي يرفض المعنى المعلب لكنه لا يستسلم للصمت بل يخلق معنى بفعله الحر، بضربة الفرشاة التي تقول هذا حدث... ولن ننسى.

اللوحة نفسها هاوية... الطريق الذي لا نهاية له والجثث التي تمتد معه، والأعمدة التي تؤطر المشهد كما لو كانت قضبانا تحبس المشاهد... تدعو العيون إلى التحديق طويلا. يقول مظفر النواب في قصيدته عروس السفائن...

من مضغة القلب أبق الجروح

مفتحة في رياح الممالح

لا يحلم الجرح

ما لم يحدق بسكينه عابسا

 وحين نحدق باللوحة فإن الهاوية ليست الجثث وحدها تحت المراقبة بل ضمائرنا نحن المشاهدين. فيريشاغين الذي صارع وحش الحرب بفرشاته، كان يدرك هذا الخطر...

 أن تتحول إلى مجرد عين باردة توثق الفناء دون وجع. لكنه حول الخطر إلى أخلاقية بصرية... جعل من الرسم مرآة نرى فيها هشاشتنا الأخلاقية. غير ان ثمة ظلا آخر يطيل النظر الينا من خلف اللوحة فيريشاغين نفسه مات لاحقا عام ١٩٠٤، على متن سفينة حربية اثناء الحرب الروسية اليابانية وكأن الذي حدق فيها طويلا ابتلعه جسديا في النهاية. كأنه صار بدوره جثة من جثث طريق آخر في حرب اخرى تحت سماء لا تختلف كثيرا.

نحن الواقفين امام اللوحة نشارك في التحديق. السؤال ليس فقط كيف مات هؤلاء بل كيف ننظر نحن اليهم الآن؟

هل نراهم ارقاما في خبر منسي، ام بشرا يطرحون سؤالا أخلاقيا على بقائنا الهادئ؟

 الهاوية تنظر الينا من خلال كل غراب اسود ومن خلال كل جسد فيها.

لكن اللوحة تفتح ايضا سؤالا يتجاوز الفرد إلى الجماعة البشرية. هذا الطريق لم ينبت من العدم لقد شق بقرارات رجال ومد بأجساد جنود لم يصنعوا الحرب. من الذي حول هؤلاء الرجال إلى جثث على قارعة الثلج؟ من بنى هذه الآلة التي تنتج الموت ثم تغطيه بالصمت؟ المشاهد ليس مجرد متلق سلبي بل هو جزء من حضارة لا تزال تنتج "طرق الموتى" في كل حرب جديدة. السؤال الأخلاقي الأعمق ليس فقط كيف نتعاطف مع الضحايا بل كيف نتحمل مسؤوليتنا عن وجود هذا الطريق اصلا وعن صمتنا ونحن نعرف ان طرقا مشابهة تعبد الآن في مكان ما من العالم.

وهكذا نعود إلى استعارة كافكا التي بدأنا بها. هل احدثت اللوحة فعلها...هل البحر المتجمد في داخلنا تصدع؟

 لكن ماذا بعد أن نرى؟

السؤال الذي يبقى بعد الخروج من قاعة العرض في متحف بروكلين ما هو...

هل نجرؤ على كسر الجليد في قلوبنا تماما ام سنصفق لبطولات ونترك الطريق يمتد بضحايا جدد؟

هل سنظل نمشي على الحافة تاركين الجثث خلفنا إلى ان نصير نحن الجثث التي يراها غيرنا على جانب الطريق؟

***

د. احمد عابر