عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

عبد الجبار الرفاعي: اللغة ولغة الدين.. رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية

تتعدّد اللغات بتعدّد المجتمعات والثقافات والأديان والقوميات الناطقة بها، كما تتأثر ببنية السلطة، وأنماط العيش، وتكوين الطبقات، واختلاف مجالات التداول وسياقات الاستعمال. حتى اللغة الواحدة لا تبقى كيانًا ساكنًا، إذ تتلّون بلهجاتها، وتتحوّل دلالاتها بتغير الاستعمال، وتتعدّد وظائفها تبعًا للحقول التي تتحرك فيها. ففي كل علم ومعرفة وتكنولوجيا ودين وثقافة وفن وأدب تنشأ شبكة لغوية خاصة، تُنحت فيها مصطلحات، وتتكوّن فيها علاقات دلالية تعكس متطلبات الاستعمال ورؤية ذلك الحقل للعالم. لذلك لا تكون اللغة أداة محايدة لنقل المعنى، لأن الكلمة لا تحمل الدلالة ذاتها في مختلف السياقات، فما تعنيه في المجال العلمي يختلف عما تشير إليه في المجال الديني أو الفلسفي أو الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. من هنا نرى بعض المصطلحات، حين تنتقل من حقل إلى آخر، تتبدّل دلالاتها وتكتسب معاني جديدة تبعًا للسياق الذي تُستعمل فيه.

في ضوء طرائق التداول وكيفياته تتنوع مجالات اللغة وسياقات استعمالها في: الفلسفة، والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والعلم، والدين، والأخلاق، والأسطورة، والأدب، والفن، وغيرها. كما تتنوع داخل كل مجال وسياق، فمثلًا تتنوّع لغة العلم بعدد العلوم المعروفة وتطورها وامتدادها أفقيًا وعموديًا، وما يمكن أن يولد من العلوم مستقبلًا. لغة الرياضيات مثلًا تتميز بمصطلحاتها ومعادلاتها ورموزها واستعمالاتها المتنوعة على وفق كل نوع من أنواع الرياضيات، فسياقات الاستعمال في الحساب ومصطلحاته ومعادلاته ورموزه مثلًا غيرها في الجبر وغيرها في الهندسة، وهكذا في الأنواع الأخرى. الأمر كذلك في: الفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا، والأحياء، وعلم الأعصاب، والطب، وغيرها من العلوم الطبيعية والبحتة والتطبيقية. كذلك الحال في التكنولوجيا، إذ تتنوع اللغات وسياقات الاستعمال بعدد التكنولوجيات الجديدة، وتنشأ لغة مع كل ولادة لتكنولوجيا جديدة. في العصر الرقمي اليوم ولدت لغات وسياقات استعمال في الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، وتتوالد لغات وسياقات استعمال مع تطور مجالات هذا الذكاء وتقدمه الفائق السرعة.

يمتد تنوّع اللغات إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون والدين. لغة الفلسفة تنشغل بتجريد المفاهيم الكلية، ولغة العلوم الإنسانية مرآة لفهم الإنسان لذاته وأنماط عيشه وعلاقاته، أما لغة الآداب والفنون فهي أفق تتجلى فيه خبرة الإنسان وقدرة متخيّله على إبداع الصور بالكلمات والألوان، والتعبير عما تختزنه أعماقه، وفي الدين يعثر الإنسان على معنى فيما يبدو بلا معنى. هكذا تتحول اللغة إلى فضاء للإيحاء وبناء المعنى، وتغدو أفقًا تتشكل في ضوئه المعرفة، وتنكشف فيه رؤية الإنسان للعالم.

 في هذا السياق يشير مصطلح "لغة الدين" إلى الكيفية التي يتحدث بها الإنسان عن الله والغيب، وكيف تُستخدم اللغة للتعبير عن المفاهيم الدينية وما يتصل بها من ظواهر وتجارب روحية. مصطلح لغة الدين غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية وغيرها في الأديان المتنوعة من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من زاوية علوم الدين التراثية، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، بمقاربة مفاهيم هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعكس معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.

 ينبغي التمييز بين "لغة الدين" و"اللغة الدينية" بوصفهما نمطين من التعبير عن الدين؛ أحدهما يتصل بالمطلق، والآخر يتشكّل في الزمان وأنماط التدين وظروف العيش وتغير الواقع. "لغة الدين" هي اللغة التي نصغي فيها للصوت الإلهي في أصل حضوره الأول، وهي لغة رمزية جمالية تستجيب لظمأ الإنسان إلى المعنى، وتخاطب القلب والروح والشعور، وتعيد بناء صلة حيّة بالله عبر التجربة الروحية للإنسان. في الدين تتخذ اللغة أفقًا أعمق، فهي تؤسس صلة الإنسان بالغيب، وتعكس تجليات الحضور الإلهي في القلب والروح، لذلك تنفتح على المجاز والكناية والاستعارة والرمز والإشارة، لأن ما تشير إليه يتجاوز الحس المباشر وحدود التعبير الحرفي.

"لغة الدين الحاكية عن الغيب": هي لغة الكتب المقدسة، كالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل وغيرها، حين تتحدث عن الله والغيب والوحي والنبوة والحياة الآخرة. تتخذ هذه اللغة طابعًا رمزيًا ومجازيًا وإيحائيًا؛ لأن حقائق الغيب تتجاوز حدود اللغة البشرية، ولا تستوعبها الألفاظ المتداولة في الحديث عن عالم الشهادة. تستعير لغة الغيب مفرداتها وصورها من عالم الإنسان، ثم تنقلها إلى أفق دلالي يتجاوز معانيها الحسية والمباشرة. لا يطابق اللفظ فيها الحقيقة الغيبية، ولا يحيط بها، لكنه يومئ إليها ويقربها إلى وعي الإنسان بما تسمح به قدراته اللغوية وحدود إدراكه. يظل المعنى فيها أوسع من العبارة، وتظل الحقيقة أغنى من الصورة التي تتمثل فيها. الرمز هنا ليس حجابًا يحجب المعنى، ولا زخرفة لغوية، فهو جسر يصل عالم الشهادة بعالم الغيب، ويفتح أمام الإنسان آفاقًا متعددة للفهم والتأويل. تتجدد دلالات هذه اللغة بتجدد وعي الإنسان ومعارفه وأسئلته وتجاربه الروحية، من دون أن يستنفد أي تفسير ما تختزنه من معانٍ، أو يدعي الإحاطة النهائية بحقائق الغيب.

الآيات الحاكية عن الله منبع لتنوع صوره في وعي الإنسان؛ لأنها تتحدث عنه بأسماء وصفات واستعارات وصور متعددة، فتظهر صورة الإله الخالق والرازق والرحمن والغفور والحكيم والعادل والقريب والمجيب، وتظهر بموازاتها صور الجبار والقهار والمنتقم وشديد العقاب. لا تمثل أي صورة منها الله في ذاته، لكنها تكشف وجهًا من وجوه حضوره في وعي المؤمن، وفقًا لما تمنحه اللغة وما يستقبله الإنسان في ضوء تكوينه النفسي وثقافته وتجربته وزمانه التاريخي. كل صورة تكشف معنى وتحجب معاني أخرى، وتضيء وجهًا وتترك وجوهًا خارج أفق الرؤية. حين تنتقل هذه الصور من النص إلى الوعي يعاد تأويلها وتركيبها، فيغلب لدى بعض المؤمنين إله الرحمة والحب، ويغلب لدى آخرين إله الغضب والعقاب، وتتكون بينهما صور لا حصر لها.

من هنا تغدو الآيات الحاكية عن الله منجمًا لـ "التعددية الدينية"؛ إذ لا تنشأ التعددية من اختلاف الكتب المقدسة والأديان فقط، بل تنشأ أيضًا داخل الدين الواحد، من تعدد طرائق تلقي النص، وتنوع التجارب الروحية، واختلاف صور الله في ضمائر المؤمنين. لا يعني ذلك تعدد الله في ذاته، فهذا تعدد لصوره وتجلياته في الوعي البشري؛ الحقيقة الإلهية واحدة، غير أن مرايا الإنسان متعددة، وكل مرآة تعكس من النور بمقدار صفائها واتساعها ومقام شهودها. يمنح ذلك التعددية الدينية أساسًا معرفيًا وروحيًا، ويحرر المؤمن من توهم أن صورته عن الله تطابق الله، أو أن فهمه يستنفد الحقيقة الإلهية، ويدعوه إلى التواضع في الاعتقاد، والاعتراف بحق الآخر في أن يرى من وجوه الحقيقة ما لم يره هو.

لغة الدين الحاكية عن الغيب يتجاوز المعنى فيها اللغةَ فلا تتسع له، وتضيق عن استيعابه، وتعجز عن الإحاطة بما ينطوي عليه من عمق وثراء. يكون المعنى أكبر من العبارة، ويظلّ القول قاصرًا عن احتواء ما يتكشف في الذات من دلالات. لغة الغيب، حين تفيض بالمعنى، لا تجد وعاءً يتسع لها في الكلمات، فتضيق العبارة عن استيعابها، ويتردد التعبير أمام غزارة الدلالة وثرائها، فيبقى المعنى أوسع من اللفظ، وأغنى من أن تُحيط به الكلمات.

يتكوّن المعنى في لغة الدين الحاكية عن الغيب كتجربة حيّة لا صيغة منجزة، تجربة تتجاوز الألفاظ لحظة تتسامى الروح. حين يكون المعنى أوسع من اللغة يعيش الإنسان قلق البحث عن كلمة لم تولد بعد، وحين تكون اللغةُ أوسع تفتح للمعنى أفقًا جديدًا للرؤية، فلا تقوم العلاقة بين المعنى واللغة على تماثل ولا غلبة، وإنما على معادلة دقيقة يتقدّم فيها أحدهما ويتأخر الآخر. عندما يبلغ هذا التوتر أقصاه، تتراجع اللغة أمام فيض المعنى وتضيق عن حمله، فينفتح مقام الغيب، كمقام لا تحدّه عبارة ولا تحتويه فكرة، فيه يصير الصمت لغة الذات، والكلام إشارة، ويطلّ المعنى من وراء الحروف كما يطلّ النور من وراء الحجب. هناك يشهد القلب ما لا تحتمله العبارة، ويقف الإنسان بين حدّ اللغة وحدّ الفكر، ثم يتجاوزهما إلى أفق أعمق، حيث يغدو شاهدًا على غيب يتجلّى ولا يُحاط به، ويمنح المعنى من دون أن ينحصر في قول أو فكرة.

من الضروري تحرير لغة الدين الحاكية عن الغيب من أسر المعجم التراثي، وتخليصها من القوالب التي عطلت رؤيا الغيب، وتعطلت معها منابع الذوق والحدس وشهود الأنوار. لغة الغيب ليست مجرد ناقلة للحقيقة، بل ترى فيها أفقًا يتشكل فيه المعنى، ومسارًا تتجلى فيه تجارب الروح وإشراقات القلب، وتشفّ من خلالها تجليات الحضور الإلهي. في ضوء هذه الرؤية، فإن لغة الدين التي تتحدث عن الغيب تبعث الحياة الروحية، بوصفها حقلًا من الرموز، ومجالًا للتعبير عن مكاشفات الروح، وتذوق نكهة المحبة في مقام الحضرة الإلهية، وتجليات الجمال الإلهي في الوجود.

لا تعود اللغة سلطة تُلقِّن، وإنما تتحول إلى رؤية تُلهِم، وتحيي القلب، وتفتح بصيرة المتلقي على عوالم تتجاوز حدود العبارة، وتتسع لما لا يُقال، وما لا يُختصر في المنطق الجدلي، وبذلك تخرج اللغة من ضيق المعنى الحرفي إلى سعة التأويل، ومن التصور المغلق إلى الانفتاح على التجربة الروحية الحية، فتصير اللغة أفقًا يتخلق فيه المعنى، لا حجابًا يحجبه، وتغدو علاقة الإنسان بالله علاقة إشراق نورانية، لا إملاءً وتلقينًا، ومجالًا لتذوق المحبة والرحمة والسلام والجمال.

 أما "اللغة الدينية" فهي نتاج تراكم التاريخ المؤسسي للفقه وعلم الكلام، حيث يتحول الدين إلى منظومة مغلقة من الأحكام والمقولات العقائدية، تتمحور حول ضبط السلوك ومراقبة الاعتقاد، وتحجب البعد الوجودي والجمالي للغيب حين تفرغه من رموزه، وتحيله إلى مسلّمات ذهنية كأنها مومياءات محنطة. اللغة الدينية تصوغها الجماعة الدينية عبر الزمان لتشرح، وتفسّر، وتعلّم، وتقنّن؛ هي لغة المؤسسات الدينية، والمدارس، ومعاهد التعليم الديني، والمنابر، والكتب الدينية. حين تُختزل اللغة في قوالب كلامية وفقهية مغلقة تنكمش دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المعنى وإثراء الحياة الروحية. أما حين تتحرر وتستعيد طابعها الرمزي والروحي والجمالي، فإنها تستعيد طاقتها في الكشف عن آفاق الغيب، وتغدو ممرًا يعبر به الإنسان من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، فيعيش الإيمان حضورًا حيًا يتجدد بتجدد تجربته واتساع قلبه وانفتاحه على المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

"اللغة الدينية" صناعة بشرية، يعبّر بها الإنسان عن تفسيره للكتاب المؤسس، وفهمه للدين، وإيمانه به، وتمثله لقيمه، وممارسته لطقوسه وشعائره. تشمل هذه اللغة في الإسلام لغة علم الكلام والفقه والتفسير والوعظ والخطابة والتعليم الديني، ولغة الدعاء والمناجاة والذكر والابتهال، وما يعبّر به الإنسان عن تجاربه الروحية والشعورية. تنشأ هذه اللغة من قراءة النصوص الدينية وتفسيرها وتأويلها، ومن تفاعل الإنسان مع الدين في حياته الفردية والمجتمعية، فهي ثمرة فهم بشري، لا انعكاس مباشر للخطاب الإلهي في تعاليه ونقائه الأول، ولا تطابق لغة الكتاب المؤسس أو تمتلك مكانته.

 تتشكل اللغة الدينية في أفق ثقافة الإنسان ومعارفه وتجاربه وبيئته وعصره، وتتأثر بالسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والمؤسسات الدينية، وتتعدد دلالاتها بتعدد المفسرين والمتكلمين والفقهاء والمذاهب والقراء والأزمنة والمجتمعات. لا تعبّر هذه اللغة عن المعنى الديني إلا في حدود ما ينكشف للقارئ وما يتيحه وعيه وأفقه الثقافي، فتظل نسبية متغيرة، قابلة للنقد والمراجعة والتصويب وإعادة البناء، تبعًا لتطور الوعي واتساع الخبرة. وقد تتحول، حين تحتكرها المؤسسة الدينية وتوظفها في صراعات الاستحواذ على المعنى والسلطة والثروة، إلى أداة لحماية الدين المؤسسي وتكريس نفوذه، فتختزل الدين في القوانين، وتهدر فاعلية في إرواء ظمأ الروح وإيقاظ الأخلاق، وتخبو بذلك جذوة الإيمان وطاقته الملهمة، ويغدو الدين منظومة اعتقادية مغلقة. وحين يخلط الإنسان بين اللغة الدينية ولغة الكتاب المؤسس، يضفي على فهمه البشري مكانة نصوص هذا الكتاب، ويرفع تفسيره النسبي إلى مرتبة الحقيقة النهائية، مع أن نصوص الكتاب أوسع من فهم المتدين، وأثرى من تفسيره.

أما "لغة الإيمان": فهي نمط تعبيري من أنماط اللغة الدينية، يولد من تجربة المؤمن الروحية الحية وشعوره بصلته بالله، ويكشف عما يفيض في باطنه من رجاء وخوف وحب وطمأنينة وشوق وامتنان. تظهر هذه اللغة في الدعاء والمناجاة والابتهال والذكر والترانيم والشهادات الإيمانية، وفي التعبير عن التجارب الروحية. لا تتمثل وظيفة لغة الإيمان في إقامة البراهين المنطقية أو صياغة الأحكام التشريعية أو نقل المعارف الدينية؛ لأنها لغة اعتراف وبوح ونداء، تتكلم في فضاء الإيمان لا عنه، وتعبر عن حضور الله وأثره في وجدان الإنسان وحياته. لا تصف هذه اللغة التجربة الروحية من خارجها، وإنما تنطق بما يعيشه المؤمن في أعماقه، وتمنح خبرته الروحية صورة يمكن التعبير بها والتواصل من خلالها. تتسع في لغة الإيمان دلالات الرمز والاستعارة والصورة والإيحاء؛ لأن التجربة الإيمانية أعمق من أن تستوعبها العبارات التقريرية المباشرة، ويظل ما يعيشه القلب ويروي الروح فيها أغنى مما تستطيع الكلمات الإفصاح عنه.

الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، إذ تبقى في كثير من موضوعاتها قريبة من اللغة العرفية المباشرة الواضحة، غير أن الرمزية تتكثّف حين تلامس هذه الكتب حقائق الغيب، فتغدو لغتها مشحونة بالإشارة أكثر من التصريح، وتلجأ إلى المجاز بدل البيان الحرفي، لأن الغيب لا يُقال بعبارة تقريرية، ولا يحاط به بحدود الألفاظ، وإنما يشار إليه بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات، وتفتح أفقًا يتسع لتجلياته في وعي الإنسان وتجربته.

 أمّا حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس جغرافية، وجبال، وبحار، وأنهار، ومناخ، شمس وقمر وكواكب، وليل ونهار، وأمثالها، أو تتحدث عن النباتات، والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن النفس البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، والقيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد وأمثالها في الكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظلّ ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.

 باستثناء الآيات الحاكية عن الغيب يمكن تفسير ما تتحدث عنه آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السماوية في الموضوعات المشار إليها في ضوء الفهم العرفي للغة. ودراسة ما تتحدث عنه الآيات، في ضوء المناهج العلمية التي تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظورها النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته ونصوص الكتب السماوية، والشخصيات التاريخية، والأقوام.

لغة الدين أحد الأركان الأساسية في فلسفة الدين الحديثة. ومن أبرز مآزق الأديان إصرار أتباعها على أحادية قراءة نصوصها، واحتكار تفسيرها في معنى واحد أبدي، يُفرض على كل من يؤمن بها. دراسة لغة الدين تحررنا من وهم المعنى الواحد، وتكشف تعدد دلالات النص الديني وتنوع تفسيراته، تبعًا لاختلاف الأزمنة والثقافات وآفاق الانتظار والتلقي. فالنص الديني لا يتكلم خارج التاريخ، ولا يتلقى في فراغ، إذ يتشكل فهمه في فضاء لغة القارئ ومعارفه وأفق انتظاره وأسئلته وتجربته ورؤيته للعالم. وكل قراءة تستضيء بالنص، مثلما تحمل إليه شيئًا من عالم قارئها وأسئلة عصره. لهذا لا تنتهي دلالات النص الديني بقراءة واحدة، ولا تستنفدها معرفة مفسّر مهما اتسعت.

في هذا الكتاب حاولت أن أتناول لغة الدين في سياق فلسفة الدين الحديثة، بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه عن أسئلتي أولًا، كما هي عادتي في كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة ما زالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدّعِ أن ما أقدمه أجوبة نهائية، سعيت إلى فتح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عما تختزنه من طبقات دلالية، وما تتيحه من إمكانات للتأويل وتنوع الفهم. لذلك حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت باللغة والتأويل، وأعدت التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف من خلاله وجود الإنسان في العالم. رأيت أن عرض هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضروري لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان تنوع المواقف في تفسيرها وتأويلها. حاولت في فصول الكتاب توضيح أن تفسير لغة الدين الحاكية عن الغيب لا يتحقق بالقراءة الحرفية، ولا بإهدار دلالتها، بل يتطلب اكتشاف منطقها الداخلي، والتمييز بين مستويات خطابها، والانتباه إلى صلة معانيها بأفق القارئ وسياقه التاريخي والثقافي وتجربته الروحية. أردت للكتاب أن يكون مدخلًا للتفكير في لغة الدين واكتشاف ثرائها الدلالي، وبيان أن تعدد تأويلاتها ينشأ من غنى بنيتها، وتنوع آفاق قرائها وعصورهم وتجاربهم وصورهم عن الله والإنسان والعالم.

درستُ النحو وبعض علوم العربية سنوات طويلة في الحوزة، وتتلمذت فيه على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب "الآجرومية" لابن آجروم، إلى "قطر الندى وبل الصدى" لابن هشام، ثم "شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك"، و"شرح ابن الناظم"، كما درستُ كما درستُ كتاب "مختصر المعاني" للتفتازاني في البلاغة. وتوليت تدريس أغلب هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. واهتممت مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلّم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها.

ويعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرنا في عامي 2017 و2018 عددين من مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" خصصناهما لهذا الموضوع، كما خصصتُ الجزء السادس من: "موسوعة فلسفة الدين" للغة الدين. حررتُ الموسوعة، وصدرت سنة 2025 في ثمانية أجزاء عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وتتولى توزيعها دار الرافدين في بيروت. وما يزال هذا الحقل ينتظر حضورًا يتناسب وأهميته في الدراسات الدينية العربية. وكان سؤال لغة الدين، وما زال، يتجدد في ذهني ويعاود حضوره في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني، وكيفية تعبيره عن الله والغيب، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. لا يصل المعنى الديني إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل الغيب فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته تبعًا لتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة، واختلاف الأزمنة وآفاق الانتظار والتلقي.

 المكتبة العربية فقيرة في موضوع لغة الدين؛ إذ لا نكاد نقرأ فيها مؤلفات تعرّف بلغة الدين بأسلوب تعليمي، كما أن الكتابات المترجمة في هذا الموضوع لا تزال شحيحة جدًا، وما اطلعت عليه منها مكتوب بلغة لا تخلو من إبهام والتباس، تطغى فيها فقرات من آراء فلاسفة الدين واللسانيين الغربيين مبتورة من سياقها أحيانًا، مع شيءٍ من التعليقات التي تزيد من غموضها، ولم أعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين ضمن هذه المؤلفات. وما تزال دراسة لغة الدين منسية في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، مع أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم النصوص الدينية وتعدد وتنوع قراءاتها.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

........................

مقدمة كتاب: "اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية"، د. عبد الجبار الرفاعي، صدر الكتاب عن مركز دراسات فلسفة الدين، ودار نابو ببغداد. 

في المثقف اليوم