عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: غياب القناعة في عصر الاستهلاك

إذا أردت أن تعرف قيمة النعمة، فجرّب فقدها للحظة

تُعَدّ “ألفة النعمة” من أخطر ما قد يواجهه الإنسان في حياته. إنها ذلك الاعتياد الذي يجعل عطايا الله العظيمة تبدو وكأنها استحقاق طبيعي لا يستوجب الشكر. فحين ينشأ الأبناء في ظلال حياة مريحة، حيث تُلبّى رغباتهم قبل أن تنطق بها شفاههم، تبدأ الأشياء تدريجياً بفقدان بريقها. فلا السكن المريح يُعدّ إنجازاً، ولا الملبس الأنيق يثير الامتنان، ولا وفرة الطعام تمنح شعوراً بالرضا. بل قد ينقلب الأمر إلى إحساس دائم بالنقص، وكأن ما يوفّره الأهل من مستلزمات الحياة الكريمة لا يكفي مهما تعاظم، وما يتوافر بين أيديهم لا يرضيهم، رغم ما يفيض حولهم من نِعَم لا تُحصى. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ إذ يُنتج هذا النمط من التربية إنساناً يفتقر إلى القناعة والرضا، فيعيش أسير ما ينقصه لا ما يملكه، فتغدو حياته مثقلة بالتذمّر، قاسية في شعوره وإن كانت ميسّرة في ظاهرها، ويغيب عنه ذلك السلام الداخلي الذي لا يتحقق إلا بالامتنان.

الإنسان الذي لم يختبر “الحرمان” ولو مؤقتاً، لا يدرك قيمة “الامتلاك”. وقد ينشأ وهو يظن أن العالم مُسخّر لخدمته كحق مكتسب، لا كنعمة تستوجب الحمد والثناء. إن النِّعم التي تحيط بنا ولا نراها هي كالهواء: لا نشعر بها إلا حين نفتقدها. فالبيت الدافئ، والفراش الوثير، والملبس الأنيق، والطعام الوفير.. هي في حقيقتها أحلام وكنوز لدى كثيرين أقل حظاً. لكنها، بفعل “الاعتياد القاتل”، تصبح غير ملموسة لدينا. والخطر في ذلك هو نشوء جيل ماديّ النظرة، غير قانع بنعمته، يقيس سعادته بمنطق “المقارنة” لا بمنطق “الكفاية”، فيسجن نفسه داخل دائرة ما ينقصه، غافلاً عمّا يملكه وهو وفير.

هنا يأتي دور الأهل في تربية الأبناء على القناعة والرضا، مع التركيز على غرس وعي عميق بقيمة المال. فالمال ليس غاية للتفاخر أو الإسراف، بل هو ثمرة للجهد والتعب، ووسيلة لتحقيق الاستقرار. ومن المهم أن نُشرك أبناءنا، بقدر من الحكمة، في فهم كيفية إدارة الموارد، وأن نعلّمهم التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين الضروري والكمالي مع ترسيخ سلوك الاعتدال وتجنب التبذير والإسراف غير الضروري. كما أن تعويدهم على الادخار، وربط الإنفاق بالمسؤولية، يمنحهم حصانة أخلاقية واقتصادية في مواجهة مغريات الحياة. فحين يدرك الابن أن كل درهم يُنفق يقابله جهد بُذل ووقت استُثمر، تنمو لديه فضيلة الاعتدال، فيكون إنفاقه واعياً: لا إسراف فيه ولا تقتير، بل حكمة تعبّر عن نضج ومسؤولية. ومن أنجع الوسائل لترسيخ هذا الفهم تشجيع الأبناء — بما يناسب أعمارهم — على خوض تجارب عمل بسيطة، ليختبروا بأنفسهم قيمة الوقت والجهد للحصول على المال.

ولا يقتصر ترسيخ هذا الوعي على دور الأسرة فحسب، بل تتكامل معه مسؤولية المدرسة والجامعة بوصفهما بيئتين تربويتين وتعليميتين مؤثرتين. فمن خلال المناهج والأنشطة، يمكن غرس مفاهيم الثقافة المالية، وتعليم الطلبة أسس التخطيط والادخار والاستثمار الرشيد، وربط المعرفة النظرية بالواقع العملي. كما أن تشجيع المبادرات الطلابية، والمشاريع الصغيرة، وبرامج التدريب العملي، يسهم في بناء شخصية متوازنة تدرك قيمة العمل والإنتاج. وعندما تتبنى المؤسسات التعليمية هذا الدور بجدية، فإنها تُخرّج جيلاً أكثر وعياً وقدرة على اتخاذ قرارات مالية مسؤولة، بعيداً عن الاندفاع أو التقليد، وقريباً من التفكير الرشيد والاستقلالية.

كما تُظهر تجارب العديد من الدول الأوروبية أهمية الدمج بين التعليم والعمل، حيث يحرص عدد كبير من طلبة الجامعات على العمل الجزئي خلال فترة الدراسة، أو استثمار العطل في برامج التدريب العملي (Internship). وهذه التجارب لا تهدف فقط إلى تحسين الدخل، بل تُعد جزءاً أساسياً من بناء الشخصية المهنية، إذ تُمكّن الطالب من اكتساب مهارات حقيقية، وفهم بيئة العمل، وربط ما يتعلمه نظرياً بالتطبيق العملي. كما تُعزّز لديه قيمة الوقت والانضباط، وتُنمّي حس المسؤولية والاستقلالية. وعند تخرّجه يكون قد امتلك خبرة أولية تؤهله للاندماج السريع في سوق العمل، واتخاذ قرارات أكثر نضجاً ووعياً في مسيرته المهنية والمالية.

كما تُسهم هذه التجارب بعمق في تنمية وعي الطلبة بقيمة المال ذاته؛ فعندما يعمل الطالب خلال دراسته أو يشارك في برامج التدريب العملي، يبدأ بإدراك العلاقة المباشرة بين الجهد المبذول والعائد المادي. وهذا الإدراك العملي يُرسّخ في نفسه أن المال هو نتاج مشقة وجهد. ومن هنا تتكوّن لديه نظرة أكثر توازناً في الإنفاق، فيُصبح أكثر ميلاً إلى التقدير والاعتدال، وأبعد عن الإسراف أو الاستهلاك غير الواعي.

ومن المؤسف أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دوراً متزايداً في تعزيز النزعة الاستهلاكية لدى الشباب، من خلال ما تعرضه من صور نمطية لحياة الرفاهية والنجاح المادي. فالإعلانات الموجّهة، والمؤثرون على هذه المنصات، يقدّمون باستمرار أنماطاً حياتية مثالية ترتبط بالشراء والاقتناء كعلامة على الوجاهة الاجتماعية. ومع التعرّض اليومي المكثف لهذا المحتوى، تتشكل لدى كثير من الشباب رغبة متنامية في المحاكاة والاستهلاك، حتى لو تجاوزت إمكاناتهم الحقيقية، مما ينعكس على أولوياتهم ويؤثر أحياناً في سلوكهم الاقتصادي وقيمهم الاجتماعية. في خضم هذا التأثير، يزداد انجذاب الأبناء إلى الكماليات التي تتضاعف يوماً بعد يوم، خاصة مع ما تروّجه تلك المنصات من أنماط استهلاكية جذابة تصل إليهم بسهولة، دون وعي حقيقي بكلفتها. في المقابل، يستنزف الأهل طاقتهم ومواردهم لتأمين أساسيات الحياة الكريمة، بينما تُعامل هذه الأساسيات وكأنها أمر مفروغ منه لا يستحق الالتفات. وهنا تبرز مسؤولية الوالدين في ترسيخ قيمة الامتنان وبناء وعي متوازن، من خلال تعريف الأبناء بواقع الحياة، وتعويدهم على أن بعض الأمور تحتاج إلى صبر وجهد وانتظار. كما يمكن إشراكهم في أعمال الخير، لفتح أعينهم على أثر النعمة في حياة الآخرين، فيتعلّمون الشكر من خلال العطاء.

ومن العادات الخاطئة التي يقع فيها بعض الأهل، بدافع العاطفة غير المنضبطة، الإفراط في توفير كل ما يطلبه الأبناء، حتى لو كان ذلك فوق قدرتهم المادية، وبخاصة لدى العائلات ذات الدخل المحدود. هذا السلوك، رغم حسن النية، يتحول إلى سبب غير مباشر في إضعاف تقدير الأبناء لما يُقدَّم لهم، مما يفقد الأشياء قيمتها. حتى وصل الامر الى ان بعض الأبناء يطرحون أسئلة تحمل في طياتها قدراً من الجحود: “ماذا قدّمتم لنا؟ ولماذا أنجبتمونا؟” وكأن توفير حياة كريمة لم يعد كافياً، بل أصبح المطلوب تلبية كل الرغبات وفق أعلى المستويات، لا وفق ما تسمح به الإمكانات. وتُطرح هذه الأسئلة أحياناً دون إدراك لحجم التضحيات التي يبذلها الأهل، أو للحدود الواقعية لقدرتهم على العطاء.

في النهاية، حين يفقد الإنسان قدرته على الامتنان، يفقد معها إحساسه الحقيقي بطعم الحياة. وما نخشاه اليوم أن يكبر أبناؤنا بلا تقدير لقيمة ما يملكون، وأن ينظروا فقط إلى ما يفتقدون، دون شعور بأن ما بين أيديهم من نِعَم يستحق الشكر والثناء للخالق سبحانه وتعالى. فالتربية الحقيقية تُقاس بما نزرعه في نفوسهم من قيم. وبذلك فقط نُنشئ جيلاً يرى الحياة بعين الرضا، لا أسيراً لما ينقصه، ولو ملك كل شيء.

اللهم ارزق أبناءنا قلوباً شاكرة، ونفوساً قانعة، وعيوناً ترى النعمة قبل أن تفقدها

***

سعد عبد المجيد ابراهيم