أقلام حرة
محمد غاني: ديناميكية الخلايا.. الكرم الذي يسكننا
من تأمل في لوح الأزل بعين الروح تجلت لعين قلبه آيات الله منقوشة على كل ذرة، ومزركشة في جوهر كل خلية من كياننا البشري. ان من يقرأ ما يكتب عن علم الخلايا، يجد نفسه مشدوها أمام عظمة الخالق سبحانه وما خطته يد القدرة على لوح أدق تفاصيل الحياة، واي متأمل مشبع بالتأملات العرفانية والعوارف النورانية، لا يمكن الا ان يرى في هذه التفاصيل البيولوجية الصرفة تجليات أسماء الله الحسنى، خاصة اسمي الكريم والوهاب.
إنها رحلة تتجاوز حدود المجهر الطبي لتلامس أبعاد الروح، وتكشف عن حقيقة عميقة تتجسد في قوله تعالى: وما أَنفقتم مِن شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقِين.
إن جسم الإنسان، هذا الكيان الآية، خير مثال، حي ودائم، على مبدأ الإنفاق والخلف. ففي كل لحظة، ينفق الإنسان من ذاته هو نفسه، ليس فقط بالجهد أو العطاء المادي، بل على المستوى البيولوجي العميق.
إن خلايانا، تلك الوحدات الحيوية التي تشكل نسيج وجودنا، هي دوما في حالة إنفاق وتجدد مستمر. حيث يقدر أن جسم الإنسان يستبدل حوالي 330 مليار خلية يوميا، وهو ما يعادل تقريبا واحد في المائة من إجمالي خلايا الجسم. هذا يعني أننا، في غضون ثمانين إلى مائة يوم ، نكون قد جددنا ما يقارب ملايير الخلايا.
تختلف معدلات تجدد الخلايا باختلاف أنواعها أماكنها، فخلايا الأمعاء تتجدد كل بضعة أيام، وخلايا الجلد كل بضعة أسابيع، بينما خلايا الدم الحمراء تتجدد خلال أشهر.
هذه العملية المستمرة من موت الخلايا المبرمج يتبعها على الفور انقسام خلوي لإنتاج خلايا جديدة، في دورة حياة وموت لا تتوقف.
هذا الإنفاق الخلوي الدائم، يتبعه خلف إلهي مباشر، يحافظ على حيوية الجسم وسلامته. إنه تشخيص معنوي ملموس لقوله تعالى "فهو يخلفه"، حيث لا يترك الله سبحانه وتعالى هذا الإنفاق الخلوي يذهب سدى، بل يعوضه ويخلفه بما هو خير وأجدى.
إذا كان هذا هو حال الخلايا، فكيف لا يكون هذا هو حال صاحب هذه الخلايا ونقصد به الانسان؟ إن مفهوم الخلف الإلهي يتجاوز الجانب البيولوجي ليشمل كل جزئيات وجود الإنسان.
إن الإنسان ينفق من أفكاره، فيخلفها الله عليه إلهاما وعلما. وينفق من أعماله، فيخلفها الله عليه بركة وتوفيقا. وينفق من وقته وجهده، فيخلفها الله عليه إنجازا ونفعا. حتى في عقبه وذريته، يتجلى الخلف الإلهي في صلاحهم وبرهم. إن كل ما ينفقه الإنسان في حياته، سواء كان ماديا أو معنويا، يجد له خلفا من الله، قد يكون في الدنيا عاجلا، أو في عقبه، أو مدخرا له في الآخرة.
هذا الفهم الشامل للإنفاق والخلف يعلم الإنسان درسا عظيما في العطاء. فالبخل، في جوهره، هو معاكسة للإرادة الإلهية والسنن الكونية.
إن الكون كله قائم على العطاء والتجديد، فالشمس تعطي نورها، والأرض تعطي خيراتها، والأشجار تعطي ثمارها. فمن يبخل، فإنما يبخل عن نفسه، ويحرمها من فيض العطاء الإلهي الذي لا ينقطع.
في تاريخنا الاسلامي، نجد نماذج مضيئة تجسد هذا الفهم العميق للكرم والإنفاق. ومن أبرز هذه النماذج العارف بالله بلعباس السبتي، أحد رجالات مراكش السبعة، الذي اشتهر بمذهبه القائم على أن الوجود ينفعل بالجود. لقد كان السبتي يدعو إلى الإنفاق والعطاء بلا حدود، معتبرا أن الإنفاق هو الدليل الحقيقي على تخلص المنفق من الشرك الخفي المتمثل في حب المال.
لقد أضحت العباسية سنة حميدة في الثقافة المغربية، حيث يحرص أصحاب المشاريع والتجار على تخصيص جزء من أول ربح أو إنتاج للصدقة، تيمنا بمنهج بلعباس السبتي في الكرم.
ان هذا التدريب النفسي على العطاء، الذي يرى فيه السبتي طريقا للتحرر من قيود النفس، هو دعوة للإنسان ليتماهى مع أمواج الكرم الإلهي الذي يغمر الوجود.
إن التأمل العميق في تجدد خلايانا يفتح لنا نافذة على حقيقة كونية وروحية عميقة وهي أن العطاء هو جوهر الحياة، وأن الإنفاق هو مفتاح الخلف والبركة. فكما أن خلايانا تنفق من ذاتها لتتجدد وتستمر، كذلك ينبغي لنا أن ننفق من كل ما وهبنا الله، لنرى خلفه وبركته في كل جوانب حياتنا.
إن الكرم ليس بما فضيلة أخلاقية، فهو ايضا تدريب نفسي عميق، ومحاذاة للفطرة الإلهية التي أودعها الله فينا وفي الكون من حولنا. فلنكن من المنفقين، لنكون من المخلوفين، ولنعيش على إيقاع يسكننا وهو ان الوجود ينفعل بالجود.
***
د. محمد غاني – كاتب / المغرب







