أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: السلطة والمعرفة
تحليل بنيوي في أطروحة ميشيل فوكو حول إنتاج الحقيقة
الحقيقة لم تكن يوماً عارية تخرج من بئر الزمن لتقف مكشوفة أمام العيون المتعطشة إلى اليقين بل كانت دائماً رداءً تنسجه الآليات الخفية للسلطة على نول الخطاب تخيطه بأيدي لا ترى وخيوط لا تحصى. ميشيل فوكو ذلك المفكر المتمرد على كل تصنيف والذي قضى عمره ينقب في أقبية المعرفة الغربية بحثاً عن لحظات ميلاد المفاهيم الكبرى أتى بنظرية هزت صميم ما ظنه الفلاسفة تحصيناً للحقيقة من ألاعيب القوة. فلطالما اعتادت الفلسفة منذ أفلاطون إلى نظرية المعرفة الكانطية ثم إلى الفينومينولوجيا الهوسرلية أن تنظر إلى الحقيقة كشيء يتحرر من أغلال الجسد والمجتمع والسياسة كجوهر سامق يعلو على صخب الصراعات الدنيوية. لكن فوكو قلب المعادلة رأساً على عقب ولم يعد السؤال الفلسفي "كيف نعرف الحقيقة" بل "كيف ننتج الحقيقة" و"بأي آليات تصبح بعض الأقوال حقيقة وبعضها الآخر هرطقة أو جنوناً أو مجرد خطأ عابر".
الاشتغال الفوكوي على الأرشيف التاريخي لم يكن بحثاً عن أصول براقة أو ماض مجيد بل نبشاً في تفاصيل صغيرة مهملة كوثائق السجون وتقارير الأطباء العقليين وجداول التصنيفات الإدارية وأدلة الاعتراف في المحاكم الكنسية. من هنا انبثق المشروع الجينالوجي الذي لم يهدف إلى تبرير الحاضر بسلاسل الماضي بل إلى تفكيك هذه السلاسل ذاتها ليرى كيف صيغت وكيف حُددت معالمها. الحقيقة عند فوكو ليست ما يطابق الواقع في مرآة عاكسة صافية بل ما تنتجه "إرادة المعرفة" التي هي في جوهرها إرادة سلطة. يذكر فوكو في محاضرته الشهيرة "نظام الخطاب" أن الحقيقة ترتبط بأنظمة مؤسساتية تتحكم في إنتاجها وتداولها وتقييمها فهي ليست خارج السلطة ولا ضدها بل هي إحدى أهم أدواتها وأكثرها خفاء. حين يخبرك الطبيب بأنك مريض نفسي فهو لا يصف واقعاً محايداً بقدر ما يمارس سلطة تصنيف وتهميش وإيداع. وحين يقرر القاضي براءة متهم أو إدانته فهو لا يعبر عن صوت الضمير الكوني بل عن شبكة معقدة من القوانين والإجراءات والخبرات التي صُنعت تاريخياً لتخدم نظماً معينة من الضبط والإقصاء.
لا يمكن فهم أطروحة فوكو دون العودة إلى نيتشه الذي كان أول من فضح الوهم الأفلاطوني المتمادي بحفر هوة سحيقة بين الحقيقة والوهم. نيتشه في "جينالوجيا الأخلاق" تفلسف بالقادوم لا بالمطرقة فقط فكشف أن قيم الحق والخير والجمال ليست سوى انتصارات مؤقتة لإرادات متصارعة فرضت نفسها عبر الزمن. فوكو أخذ درس نيتشه بجدية فائقة لكنه نقله من ميدان الأخلاق إلى ميدان المعرفة ذاته. السؤال الذي رافق فوكو من "تاريخ الجنون" إلى "تاريخ الجنسانية" هو كيف تمكنت بعض الخطابات من احتكار لقب "الحقيقة" بينما أُسكتت خطابات أخرى أو أُقصيت إلى هوامش النسيان. يفكر هنا فوكو في "الإرادة إلى المعرفة" باعتبارها عدم رغبة بريئة في الفهم بل إرادة للسيطرة والترتيب والتصنيف حيث هي إرادة لتحديد من يتكلم ومن يصمت ومن يستحق أن يصدق قوله ومن يستحق السجن أو العزل أو التشهير.
التحليل البنيوي الذي مارسه فوكو - وإن تحفظ هو نفسه على هذا المصطلح - يكمن في كشفه عن القوانين اللاشعورية التي تحكم تشكل الخطابات. فوكو لم يهتم بما يقوله الفلاسفة أو العلماء أو الأطباء بقدر اهتمامه بكيفية قولهم وبالشروط التي جعلت قولهم ممكناً ومقبولاً في زمن معين. هذا يتصل بما أسماه "الأركيولوجيا" البحث في الطبقات العميقة للمعرفة أي في تلك القواعد المجهولة للممارسة الخطابية التي تحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله في لحظة تاريخية محددة. حين قرأ فوكو كتابات أطباء القرن التاسع عشر عن الهستيريا أو عن الانحراف الجنسي لم يجد حقائق علمية تتكشف تدريجياً بل وجد بناءات خطابية تخلق الموضوع الذي تتحدث عنه. الجنون مثلاً لم يكن قبل عصر الكلاسيكية مرادفاً لاعدام العقل بل كان ظاهرة حضارية معقدة. ثم جاءت مؤسسات العزل والحجز مع العصر الكلاسيكي لتخلق كياناً اسمه "المجنون" يخضع للمراقبة والمعرفة الطبية. ويتجسد هنا قانون فوكو الأعمق للمعرفة التي ليست انعكاساً لموضوع سابق عليها بل هي منتجة للموضوع ذاته من خلال شبكات السلطة التي ترعاها.
ولم يغفل فوكو أن هذه الأطروحة قد تتعرض لسهام النقاد خاصة أولئك الذين يتهمونه بالارتيابية المطلقة أو بتحويل كل شيء إلى لعبة قوى بلا معنى أخلاقي أو إبستمولوجي. لكن فوكو كان دقيقاً حين ميز بين الحقيقة كقيمة وحقيقة كحدث تاريخي. هو لم يقل إن مفهوم الجاذبية أو نظرية الخلايا غير صحيحين بالمعنى الطبيعي بل قال إن لحظة ظهورهما وتثبتهما وانتشارهما تخضع لظروف تاريخية تخلط المعرفة بالسلطة بشكل لا يمكن فصله. ويشير فوكو في كتابه "الكلمات والأشياء" إلى أن الكليات الكبرى مثل الإنسان والعقل والتاريخ ليست حقائق أبدية بل اختراعات حديثة ستنتهي كما بدأت "يمحوها البحر من على رمال الشاطئ". هذا القول الشهير يتضمن أكثر من نبوءة أنثروبولوجية إنه يتضمن رؤية بنيوية تقول إن ما نعتبره بديهياً اليوم كان بالأمس هرطقة وسيكون غداً سذاجة.
الصلة بين السلطة والمعرفة عند فوكو ليست صلة خارجية يفرض فيها القوي تصوراته على الضعيف بشكل تعسفي بل صلة داخلية عضوية المعرفة تولد من ضمن أساليب السلطة وممارساتها والسلطة بدورها تستعين بالمعرفة لتبرير نفسها وتجديد أجهزتها. حين يقول فوكو في "المراقبة والمعاقبة- ولادة السجن-" إن السجن الحديث لم يوجد فقط لحبس المجرمين بل لخلق "معرفة بالسجين" من خلال ملفات نفسية واجتماعية وإحصائية فهو يكشف عن آلية مولدة للذات المذنبة. السجين الذي يخضع للاستجواب والمراقبة اليومية يتحول إلى حالة معرفية تُدرس وتُصنف وتُقارن وهذا بدوره يضفي شرعية علمية على مؤسسة السجن. الدائرة منغلقة بإحكام لا سلطة دون معرفة تشكلها وتنظيرها ولا معرفة دون سلطة تطبقها وتمارسها. أكثر من ذلك فوكو يشير إلى أن أشكال المعرفة الحديثة - الطب النفسي علم الجريمة علم الجنس - لم تظهر رغم مقاومة السلطات كما في الأسطورة التنويرية بل ظهرت بفضل هذه السلطات ومن داخلها. المستشفى الحديث لم يكن عائقاً أمام ممارسة السلطة الطبية بل كان رحمها الذي نضجت فيه.
يكتب بول ريكور في أكثر من موضع أن فوكو كان "فيلسوف الريبية المنهجية" لكن هذه الريبية لم تكن يوماً شكاً كارتيزياً يبدأ بامتحان اليقينيات بل كانت حفراً تاريخياً يكشف أن ما يسميه عصرنا بالمعرفة هو في الحقيقة استراتيجية للسيطرة. فوكو يأخذ بيد القارئ إلى حيث تتشكل الحقيقة في أتون الصراعات لا في هدوء التأمل. وربما كان هذا هو الدرس الأصعب الذي تقدمه الفلسفة لا أن نبحث عن حقيقة تنقذنا من التاريخ بل أن نفهم كيف يصنع التاريخ حقائقه ثم يعبدها كأصنام.
نظام الخطاب عند فوكو ليس مجرد كلام مفتوح يتدفق كالنهر دون سدود ولا حواجز، بل هو جهاز معقد من الإجراءات والضوابط التي تقرر بعناية من يحق له أن يتكلم وفي أي موضوع وتحت أي ظروف. حين نقرأ كتابه "نظام الخطاب" نجد فوكو يصدم القارئ منذ الجمل الأولى بفكرة مزعجة لكل من يؤمن بالحرية المطلقة للتفكير، وهي أن إنتاج الخطاب في أي مجتمع يخضع لعملية انتقاء وترشيح وتوزيع تجعل البعض يتكلم والآخر يصمت. هذا ليس مؤامرة يخططها أفراد بعينهم بل منظومة لا شعورية تعمل في صميم المؤسسات التعليمية والدينية والقضائية والطبية. فوكو يقولها صراحة: "في كل مجتمع يكون إنتاج الخطاب في آن واحد مراقباً ومنتقى ومنظماً وموزعاً بواسطة عدد من الإجراءات التي تتمثل مهمتها في ردع قواها وأخطارها والتحكم في أحداثها العشوائية وتجنب ماديتها الثقيلة المخيفة."
هذه الإجراءات تتوزع على مستويات متعددة أولها وأكثرها ظهوراً هو ما يسميه فوكو "إجراءات الإقصاء الخارجية" وتشمل الخطاب المحظور والفصل بين العقل والجنون وإرادة الحقيقة. الخطاب المحظور يتعلق بما لا يجوز قوله لأن قوله يعاقب عليه فمن يتناول موضوع الجنس بطريقة صريحة في عصر الفكتوريين أو يتحدث عن نقد السلطة الحاكمة في أنظمة شمولية أو يسخر من مقدسات دينية في مجتمع متدين فإنه يخسر حقه في الكلام بل قد يخسر رأسه. لكن فوكو أعمق من هذه القراءة السطحية فهو يري أن المحظور لا يتعلق فقط بالموضوع بل بالجهة التي تتحدث وبالسياق. المرأة في مجتمع أبوي يمكنها أن تتحدث عن الجنس لكن بشكل مختلف عن الرجل، والعبد لا يملك نفس حق الحديث الذي يملكه سيده. أما الإجراء الثاني فهو الفصل بين العقل والجنون. فوكو في "تاريخ الجنون" يبين بما لا يدع مجالاً للشك أن الجنون لم يكن دائماً ذلك المفهوم الطبي المحايد الذي نعرفه اليوم بل كان كياناً خطابياً تم إنتاجه ليقابل العقل بنوع من التهميش المؤسساتي. صوت المجنون كان محكوماً بالصمت منذ العصر الكلاسيكي أو إذا سُمح له بالكلام فإن كلامه لا يؤخذ بوصفه حقيقة بل بوصفه عرضاً من أعراض مرضه. المجنون قد يقول جملة صحيحة فلسفياً لكن أحداً لا يصغي إليه لأنه ببساطة مجنون وكلام المجانين لا قيمة معرفية له.
أما ثالث الإجراءات الأكثر تعقيداً والأكثر انتشاراً فهو ما يسميه فوكو "إرادة الحقيقة". هذه الآلية أخطر من سابقاتها لأنها لا تعمل بقمع صريح أو إسكات عنيف بل بتكريس وترقية. المجتمع ينتج خطابات معينة يمنحها صفة الحق ويحوطها بهالة من الاحترام ثم يجعلها هي الأداة التي تقيس بها كل الخطابات الأخرى. التفريق بين العلم والخيال أو بين الحقيقة والإيديولوجيا أو بين المعرفة السليمة والظن الفاسد هو في جوهره عملية سلطة. فوكو هنا لا يقول إن كل الخطابات متساوية ولا يريد أن ينفي إمكان وجود تمييز بين الهندسة والكهانة لكنه يسأل سؤالاً تاريخياً، كيف تمكنت العلوم الإنسانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من فرض نفسها كخطابات حقيقية بينما أُقصيت خطابات أخرى مثل السحر أو التنجيم أو بعض أشكال الطب الشعبي؟ الجواب ليس أن العلوم الإنسانية كانت صحيحة وغيرها خطأ بل إن مؤسسات الجامعة والمختبرات والمستشفى والمجلات العلمية والأكاديميات هي التي منحت هذه الخطابات شرعيتها وحرمتها.
يعود بنا فوكو إلى لحظة تأسيس "الطب العقلي" في نهاية القرن الثامن عشر فيقول بصراحة ساخرة في "تاريخ الجنون" لم يكتشف بينيل فجأة أن المجنون إنسان مريض يستحق العناية الطبية بل هو ابتكر فضاءً جديداً هو المستشفى العقلي حيث يستطيع الطبيب أن يمارس سلطته المعرفية على جسد وروح المريض. الطبيب هنا ليس عالماً محايداً يبحث عن الحقيقة بل قاضي وحارس ومعترف ومحقق في آن واحد. المجنون لا يخرج من المستشفى إلا بعد أن يعترف بجنونه أي بعد أن يقول للطبيب أن تصنيفك لي صحيح وأن كل ما كنت أعتقده وهم ومرض. الاعتراف هنا ليس اعترافاً بدينياً بل اعترافاً طبياً يرسم الحدود بين الصحة والمرض ويخضع ذات المريض لقوانين الخطاب الطبي.
هذا يقودنا إلى النوع الثاني من إجراءات التحكم التي يسميها فوكو "إجراءات الرقابة الداخلية" وتشمل التعليق والتأويل. المبادئ التي يعمل بها العلماء داخل حقل معرفي معين ليست محايدة ولا تعبر عن العقل الخالص بل هي إجراءات تصنف الخطاب وتحدد ما هو هامشي وما هو مركزي. عالم الفيزياء اليوم لا يحتاج إلى أن يعيد اكتشاف قوانين نيوتن كل مرة لأنه يتوارث جهازاً مفاهيمياً يفرز له ترتيباً هرمياً للقضايا والأسئلة. لكن فوكو يذهب أبعد من ذلك كثيراً عندما يقول إن مفهوم "المؤلف" ليس مجرد اسم يوضع على غلاف كتاب بل هو وحدة وظيفية للخطاب تعمل على ربط عدد من النصوص بشخصية معينة ما يمنحها تماسكاً وسلطة. "أفلاطون" ليس فقط إنساناً عاش ومات بل هو جهاز خطابي يصنف وينظم كم هائل من النصوص بعضها ربما لم يكتبه هو شخصياً. وظيفة المؤلف هي أن تمنع التدفق الحر للخطاب وأن تركز المعنى حول مركز ثابت. حين تعرف أن نصا ما من تأليف ابن سينا أنت تقرأه بطريقة مختلفة تماماً عن قراءتك لنص من تأليف مجهول. وهذه الوظيفة تتغير تاريخياً فالعصور الوسطى لم تكن تعرف المؤلف بالمعنى الحديث فالآثار كانت تنسب للقديسين أو للحكمة الجماعية. المؤلف بالمعنى الحديث اختراع حديث يرتبط بالملكية الفكرية وقانون الطباعة والناشر.
أما الإجراء الثالث فهو ما يسميه فوكو "شروط الاستخدام" أو ما يمكن تسميته "الطقوس الخطابية". كل خطاب مهما بدا حرا يخضع لطقوس تحدد من يتكلم وكيف يتكلم وفي أي ظروف. الطالب في قاعة الامتحان لا يتكلم كيفما يشاء بل يخضع لطقوس صارمة من الصمت والانتظار والإجابة عن أسئلة محددة ضمن وقت محدد. العالِم في مؤتمر علمي يخضع لطقوس العرض والمناقشة والنقد. القاضي في المحكمة يلبس ثوباً معيناً ويتحدث بصيغ محددة ويجلس في مكان مرتفع. هذه الطقوس ليست زائدة أو عرضية بل هي جزء من آلية إنتاج الحقيقة ذاتها. أنت لا تصدق القاضي لأنه حكيم أو عادل فقط بل لأنه يجلس على منصة مرتفعة ويرتدي عباءة سوداء ويتحدث بلهجة الأمر والإلزام. الطبيب لا تثق به لأنه ذكي فقط بل لأنه يرتدي المعطف الأبيض ويجلس خلف المكتب الكبير ويصغي إليك بنظرة فاحصة. هذه الطقوس تمنح الخطاب قوة تنفيذية لا تأتي من محتوى الكلمات بل من موقع المتكلم وشكليات الموقف.
لكن فوكو لا يقف عند حدود وصف آليات القمع والرقابة بل يذهب إلى ما هو أعمق حين يتحدث عن المجتمعات الخطابية. المجتمعات الخطابية هي مجموعات تختص بحفظ وإعادة إنتاج خطابات معينة وتعمل في الوقت نفسه على منع غير المؤهلين من الولوج إليها. أشهر مثال هو المجتمع العلمي، فهو ليس أي شخص يستطيع أن يكتب مقالاً في فيزياء الكم أو يناقش نظرية التطور أو يصدر حكماً في تفسير نص فلسفي. أنت تحتاج إلى تدريب طويل يمنحك ترخيصاً بالانتماء إلى هذا المجتمع الخطابي حيث تصبح مؤهلاً لأن يُسمع كلامك ويؤخذ بجدية. هذا التدريب ليس مجرد نقل معلومات إنما هو تشكيل للذات وللطريقة التي ترى بها العالم. العالم الذي يخرج من الجامعة يمتلك عينين مختلفتين عن عينيه عندما دخلها، يرى الأشياء الطبيعية والاجتماعية من خلال نظارات تخصصه. فوكو في "الأركيولوجيا" يعود إلى هذه الفكرة بإلحاح شديد فيقول إن الخطاب لا يعبر عن ذات مفكرة سابقة عليه بل يبنيها بوساطة قواعد تنتج الموضوعات والمفاهيم والخيارات الاستراتيجية.
لنأخذ مثالاً ملموساً يتكرر في كتابات فوكو وهو الطب النفسي كممارسة خطابية. الطبيب النفسي لا يلتقي بمريضه كإنسان عادي بل يحضر إلى العيادة محملاً بجهاز مفاهيمي موروث وتدريب مؤسساتي يجعله يسمع ويبصر أشياء لا يسمعها عامة الناس. المريض الذي يقول إنه يشعر بثعبان يزحف تحت جلده لا يسمع كلامه العادي هذا كشكوى شعرية بل يسمعه كعرض من أعراض الذهان. الطبيب ينقل كلام المريض من فضاء الحياة اليومية إلى فضاء طبي مختلف تماماً حيث تخضع الجملة لعملية ترجمة وتأويل تحولها من مجرد تعبير شخصي إلى علامة سريرية. وغالباً ما يكون المريض نفسه غير مدرك لهذه الترجمة. حين يكتب الطبيب تقريره الطبي فهو لا يصف ما يقوله المريض بل ينتج حقيقة جديدة عن المريض هي حقيقة طبية خطابية لا تمت بصلة إلى التجربة الذاتية للمريض. المريض يجد نفسه فجأة مصنفاً ضمن فئة اسمها "فصامي" أو "هوسي" أو "وسواسي" وهذا التصنيف سيتبعه كظله طول حياته وسيحدد حقوقه وعلاقاته وإمكانياته المهنية والاجتماعية.
هذا العمل الخطابي ليس عملاً فردياً يقوم به طبيب شرير أو مؤسسة طبية متآمرة بل هو عملية بنيوية تشمل كل من يتحدث ويكتب في هذا المجال بمختلف تخصصاتهم واهتماماتهم. فكرة "التشكيل الخطابي" عند فوكو تدور حول هذا المحور بالضبط، فالتشكيل الخطابي هو منظومة من القواعد التي تنتج مجموعة من الأقوال التي تتشارك في نظام واحد من الإمكانيات وفي أفق واحد من الحقيقة. الأقوال التي ينتجها الأطباء النفسيون في القرن التاسع عشر حول الهستيريا تتشارك في مرجعية واحدة هي الجسد العصبي وفي مفاهيم أساسية هي الانعكاس والتهيج والتنويم وفي استراتيجية واحدة هي السيطرة على الأعراض. هذا التشكيل الخطابي يحدد ما يمكن للأطباء قوله وما لا يمكنهم قوله وما يعتبر مقبولاً وما يعتبر متطرفاً. طبيب في ذلك العصر لا يستطيع أن يقول إن الهستيريا مرض خيالي أو أنه نتاج ظلم اجتماعي أو أنه شكل من أشكال الاحتجاج الصامت ضد السلطة الأبوية. لو قال ذلك لما كان طبيباً ولا كان كلامه مقبولاً داخل المجتمع العلمي. وبعد مئة سنة تغير التشكيل الخطابي وأصبح من الممكن قول أشياء كانت مستحيلة من قبل وهذا التغير لا يعود إلى تراكم المعرفة فقط بل إلى تحول في علاقات القوة التي تشكل الحقل الطبي بأسره.
الحرية داخل النظام الخطابي ليست حرية مطلقة بل هي حرية محددة بشروط القبول. أنت حر في أن تقول ما تشاء لكن ضمن حدود ما يعتبر معقولا في عصرك ومجال تخصصك ومحيطك الاجتماعي. فوكو يكتب في مكان ما: "لا تتصوروا أن الخطاب شيء يمكن قوله كيفما اتفق، إنه من أكثر الأشياء تمسكاً بأسراره ومن أكثرها خضوعاً للقوانين والضوابط". هذه العبارة البسيطة تحمل ثورة كاملة في نظرتنا للفكر الإنساني. الفلسفة التقليدية كانت تسأل ما هي شروط الإمكان العقلية لكل معرفة ممكنة؟ فوكو يسأل ما هي شروط الإمكان التاريخية لخطابات معينة في عصور معينة؟ وهو بذلك يقلب كانط رأساً على عقب أو بالأحرى ينقله من السماء النيوتونية الثابتة إلى التاريخ المتغير المضطرب.
هذا يقودنا إلى عتبة سؤال أكبر إذا كانت الخطابات كلها خاضعة لهذه الضوابط والإجراءات فهل هناك أي إمكان لمقاومة هذه الآليات؟ هل يمكن للفرد أن يتكلم خارج هذه النظم أو ضدها؟ هذه هي المفارقة ستقودنا إلى أن نتعامل مع تطبيقات فوكو العملية في ثلاث مناطق حساسة: السجن والجنسانية والجسد. فوكو لا يتركنا في قبضة اليأس أو العدمية بل يفتح نافذة صغيرة نحو إمكانيات جديدة للمقاومة، ليس من خارج الخطاب بل من داخله وليس بتجاوز السلطة بل باستخدام ثغراتها وتناقضاتها.
ومن نظام الخطاب وإجراءاته الإقصائية ننتقل إلى قلب المشروع الفوكوي حيث تلتقي السلطة بالمعرفة في احتضان لا ينفصم ولا يرحم. فوكو لم يكتب عن الجنون أو السجن أو الجنسانية بدافع حب التاريخ أو شغف الأركيولوجيا بل كان كل عمل من أعماله ضربة في جدار المعرفة الغربية ليرى كيف يسيل الهراء من تحت غطاء الحقائق المقدسة. في كتابه "المراقبة والمعاقبة" الصادر عام 90 19 عن مركز الإنماء القومي ببيروت، يقدم فوكو تنظيراً صادماً لما يسميه "التقنيات السياسية للجسد". الليبراليون كانوا يحلمون بأن سجون العصر الحديث أكثر إنسانية من سجون العصور الوسطى لأنها تستبدل الإعدام والتعذيب بالسجن والعمل الإجباري. فوكو يقلب هذا الوهم رأساً على عقب، السجن الحديث ليس أكثر إنسانية بل هو أكثر فعالية وأكثر تآكلاً للروح الإنسانية. التعذيب القديم كان يستهدف الجسد لحظياً وكان يعلن عن سلطة الملك بشكل سافر ووحشي. أما العقاب الحديث فيستهدف الروح ويخترق النفس ويعيد تشكيل مجرى الحياة كلها، السجين اليوم لا يعاقب على ما فعله فقط بل يُعاد تكوينه كشخصية "إجرامية" تخضع للدراسة والتصنيف والتأهيل وهو ما يسميه فوكو "التفريد العقابي".
الهرولة نحو السجن كعقاب وحيد في القرن التاسع عشر لم تكن نتيجة اكتشاف أن السجن أفضل من الجلد أو الإعدام بل كانت نتيجة لظهور تقنية جديدة للسلطة تتوافق مع متطلبات الرأسمالية الناشئة، السجون تحتاج إلى أيدي عاملة رخيصة وإلى أجساد مرنة يسهل تدريبها ومراقبتها وإلى أفراد مستعدين للانضباط داخل المصانع كما داخل الزنازين. فوكو هنا يكتب جملته الشهيرة التي لا تغفر للحداثة: "الروح سجن الجسد" أي أن ما يسميه الإنسان المعاصر بحريته الداخلية ووعيه الفردي وضميره المستقل هو في الحقيقة نتاج تقنيات سلطوية استعمرت جسده من الداخل دون أن يشعر. السجن المبكر كان يحبس الجسد لكنه يترك الروح طليقة، والسجن الحديث يطلق الجسد لكنه يبني سجناً داخل الروح لا تخرج منه أبداً، والسجين الذي يخرج من السجن بعد عشرين سنة يحمل في داخله نظاماً كاملاً من الخوف والترقب والخضوع يجعله أكثر انضباطاً من أي عامل آخر.
لكن فوكو لا يقف عند السجن كحالة خاصة فهو ينظر إلى المجتمع الحديث بأكمله على أنه متحول إلى سجن كبير يعمل بنفس التقنيات التي وصفها جيريمي بنثام في تصميمه الشهير "البانوبتيكون" ذلك السجن الدائري الذي توجد في وسطه برج مراقبة يطل على كل الزنازين دون أن يتمكن السجناء من رؤية الحارس في أي لحظة، والسجين يعرف أنه مراقب في كل الأوقات لكنه لا يعرف متى يراقب فعلياً. هذه الآلية العبقرية تنتج في داخله استبطاناً دائما للسلطة. فوكو يقول بصراحة لا تقبل الالتباس "البانوبتيكون ليس حلماً معمارياً بل هو رسم تخطيطي لآليات السلطة في شكلها المثالي". المدارس الحديثة ومستشفيات الجيش والمصانع والإدارة كلها بنيت على نموذج بانوبتيكوني. التلميذ يشعر بمراقبة المعلم في كل لحظة رغم أن المعلم لا يستطيع مراقبة الجميع دائماً، العامل يخشى مديره حتى في غيابه والمريض في المستشفى الحديث يخضع لسؤال الممرضة والطبيب طوال الوقت، ونحن نعيش في مجتمع المراقبة الذي سماه فوكو بعناوين أخرى "مجتمع الانضباط" حيث لم تعد السلطة تقمع وتكبت فقط بل تخلق وتنتج ذاتيات مطيعة تحتاجها المنظومة الاقتصادية والبيروقراطية.
هذه التقنيات الانضباطية لا تنتج أجساداً فقط بل تنتج "معرفة بالجسد" لم تكن موجودة من قبل. فوكو هنا يصل إلى قمة تنظيره للعلاقة بين السلطة والمعرفة. فالجسد في المجتمعات التقليدية كان مفهوماً من خلال نظرية الأخلاط أو من خلال الفلسفة المدرسية، لكن الجسد الحداثي صار موضوعاً للعلم الحديث من خلال ثلاثة محاور كبرى. أولها الطب الحيوي الذي حول الجسد إلى آلة ميكانيكية قابلة للتفكيك والإصلاح. ثانيها الطب النفسي الذي حول الجسد إلى وعاء للأمراض العقلية والاضطرابات النفسجسدية. ثالثها الإحصاء والديموغرافيا التي حولت الجسد إلى رقم في جدول مواليد ووفيات ومرض. هذه الأنماط المعرفية الثلاثة لم تظهر رغم السلطة بل ظهرت بفضل السلطة. المستشفى الحديث لم يولد من رحم الحب الإنساني للمريض بل من رحم المصالح الصحية للدولة القلقة على صحة جنودها وعمالها وأمهات أطفالها. فوكو يسأل في محاضرته الشهيرة "السلطة النفسياتية" كيف كان ممكناً أن يصبح الجنون موضوعاً للمعرفة العلمية. الجواب أن مؤسسات الحجز والإيداع فرضت ممارسة يومية للسلطة على المجانين لم تكن موجودة من قبل وهذه الممارسة ذاتها ولدت أسئلة معرفية جديدة وطرقاً جديدة للملاحظة مما أفرز خطاباً طبيـاً نفسياً كاملاً كان غائباً تماماً قبل ظهور هذه المؤسسات.
من السجن والمستشفى إلى الجنسانية لا يبعد سوى خطوة واحدة عند فوكو. فثلاثيته "تاريخ الجنسانية" الذي صدر منه فقط المجلد الأول في حياته والفكرة كاملة كانت مشروعاً لتفكيك أغرب مقدسات الحداثة تلك الفكرة التي تقول إن الجنس في العصر الحديث أصبح أكثر قمعاً مما كان في العصور السابقة. وتتضح هذه الآلية بشكل أبلغ حين ننظر إلى ما فعله الخطاب الطبي والقضائي بفكرة "المجرم" ذاتها. فقبل القرن التاسع عشر كان الإنسان يرتكب فعلاً يعاقب عليه القانون فيُجلد أو يُشنق أو يُنفى ثم يعود إلى حياته وكأن شيئاً لم يكن. لكن مع ظهور علم الإجرام والطب النفسي الجنائي تحول من كان يفعل شيئاً ما إلى "مجرم" بجوهره وكينونته. صار الرجل الذي سرق خبزة ليس إنساناً جائعاً قام بفعل سرقة بل صار "لصاً مرضياً" تحدد ميوله منذ طفولته وتقاس جمجمته وتصنف غرائزه. فوكو يري في هذا تحولاً جذرياً كيف صار الفعل الإنساني العابر طبيعة ثابتة تلاحق الإنسان إلى آخر عمره. الملف القضائي لم يعد يسجل فقط الجريمة بل يسجل تاريخ الميلاد والتركيبة النفسية والظروف العائلية كلها تصبح أدلة على أن هذا الإنسان "مجرم بالفطرة". نفس المنطق ينطبق على "المجنون" الذي كان في القرون الوسطى يمر بين الناس ضاحكاً أو هاذيا فيتلقى صدقة أو حجراً ثم يمضي في طريقه. لكن مع الطب النفسي الحديث صار من كان يتصرف تصرفاً غريباً "مريضاً عقلياً" له تاريخ مرضي ومراحل تطور وأعراض ثابتة وحالة مزمنة لا تشفى بل تكتم. الفلاح الذي يسمع أصواتاً في الحقل كان يمكن أن يصير قديساً أو مجنوناً أو ساحراً حسب الظروف لكن بعد القرن التاسع عشر صار "فصامياً" محكوماً بتشخيص يلصق بجلده كما يلصق الوشم. فوكو مفتون جداً بهذا السقوط المعرفي المتكرر للإنسان حين يحول كل ما هو تاريخي إلى طبيعي وكل ما هو خطابي إلى حقيقي. الإنسان ليس لديه جوهر إجرامي ينتظر الكشف ولا جوهر جنوني ينتظر التشخيص بل لديه تاريخ من الممارسات التي اختارها أو فُرضت عليه ثم جاء الخطاب العلمي ليختزل هذا التاريخ المتدفق في قالب جامد اسمه "شخصية" أو "اضطراب" أو "استعداد". هذه الآليات لا تصنع المجرمين والمجانين فقط بل تصنع كذلك "الطفل المتأخر دراسياً" و"الأم القلقة" و"العامل الكسول" و"المسن العاجز" كلها فئات لم تكن موجودة بالمعنى الحديث قبل أن تخلقها المؤسسات والمختبرات والعيادات. المقاومة الحقيقية لهذه الآليات لا تتم بالمطالبة بالاعتراف بهذه الفئات وإضفاء الشرعية عليها بل بمقاومة عملية التصنيف ذاتها والكشف عن كيف أن كل تصنيف يحمل في جيبه سوطاً صغيراً. وهذا الطريق شاق لأنه يطلب من الإنسان أن يتخلى عن فكرة أن له هوية ثابتة تشبه شيئاً ملموساً يمكن وضعه على رف بين رفين. هوية المرء عند فوكو ليست مرساة ولا جوهراً خالداً بل شبكة متغيرة من العلاقات مع السلطة التي تشكله والمعرفة التي تسميه والرغبات التي تمزقه. وكل يوم يمكن للإنسان أن يكون غير ما كان في الأمس بشرط أن يتخلص من هوس العصور الحديثة بتثبيت كل عابر وتحنيط كل حي.
تتضح الآن الصورة الكاملة لأطروحة فوكو التي لا تقبل نصف حل ولا تكتفي بوصف جزئي بل هي في العمق نقد لإمكان المعرفة الإنسانية ذاتها كما هدم هيدجر الميتافيزيقا من جذورها. فوكو يظهر أن كل معرفة تنبثق من أرض سلطوية وأن كل حقيقة نتاج صراع وكل خطاب يحمل بصمات إقصائه لغيره. هذا لا يعني أن الحقيقة غير موجودة أو أن كل الأقوال متساوية في الصدق بل يعني أن ما نسميه حقيقة يحمل دائماً تاريخ ألم ونسيان وخضوع. فحين يقرر طبيب أن مريضاً عقلياً يحتاج إلى علاج صادم فهذا القرار ليس خطأ بالضرورة لكنه يحمل داخله تاريخ عنف المؤسسات الطبية ضد كل من يخرج عن المعيار، وحين يصدر قاضي حكماً بإدانة سارق فالحكم قد يكون صحيحاً قانونياً لكنه يحمل داخله تاريخ قوانين صُممت لحماية طبقات ضد أخرى، وهذا الوعي بالبعد التاريخي للإبستمولوجيا لا يشل الحكم ولا يوقف المعرفة بل يجعلهما أكثر تواضعاً وأقل ادعاءً.
لكن هذا الطرح الموجع لم يسلم من اعتراضات كبيرة منها تلك التي أطلقها يورغن هابرماس الذي اتهم فوكو بالوقوع في "تناقض أدائي" كيف يمكن لفوكو أن ينتقد خطاب الحقيقة بوصفه مجرد سلطة وهو يستخدم هذا النقد نفسه باعتباره حقيقة. فوكو يقول إن كل الحقائق نتاج سلطة فهل هذه الجملة نفسها حقيقة أم سلطة؟ إن كانت حقيقة فهي تنقض نفسها بنفسها وإن كانت سلطة فلا فرق بينها وبين أي خطاب آخر. هابرماس هنا يعيد طرح سؤال نقد العقل التقليدي الذي ظنه فوكو قد تجاوزه نهائياً، وفي المقابل دافع دولوز عن فوكو قائلاً إن فوكو لم يدع قط أنه خارج علاقات القوة وإنما كان يمارس نوعاً من "التحليل المعجمي" الذي يظهر آليات السلطة دون أن يدعي أنه فوقها، وهذا الدفاع مقنع جزئياً لكنه لا يرد على السؤال المحوري الذي يطرح نفسه شبحاً على كل قارئ جدي لفوكو إذا كانت كل المعرفة خاضعة للسلطة فهل هناك معيار للتفريق بين معرفة عادلة وأخرى ظالمة. فوكو نفسه تحاشى الإجابة عن هذا السؤال واكتفى بأن يقول إنه "محلي وتكتيكي وليس كونياً" لكن كثيرين شعروا أن هذه الإجابة تهرب لا تحرر.
رغم هذه الإشكاليات فإن مشروع فوكو يظل من أكثر المغامرات الفلسفية جرأة في القرن العشرين وأكثرها تدميراً للأوهام الذاتية للمثقف الحديث. فوكو لا يقدم لنا حقيقة مطمئنة يقف عندها بل يقدم لنا أداة تساؤل لا تنتهي، كل مرة نعتقد أننا وصلنا إلى معرفة محايدة أو موقف نظيف يهمس فوكو في أذننا انظر خلفك ترى سجون الجنون ومدارس الانضباط ومصانع الجسد ومحاكم الجنس. هذا الهمس المزعج هو بالضبط ما تحتاجه الفلسفة لتظل حية وناقدة لأن الفلسفة إذا لم تكن مزعجة للسلطة القائمة كانت مجرد إيديولوجيا تعزز ما هو قائم بدلاً من كشفه.
إن علاقتنا بالحقيقة لم تعد كما كانت قبل هذا الرجل العنيد، ففوكو لم يترك لنا ملاذاً نظيفاً نهرب إليه من مكائد القوة بل كشف لنا أن كل ملاذ يحمل بصمات السلطة التي بنته، وربما هذا هو إرثه الحقيقي أن نظل نائين بين شك تاريخي وحاجة عملية للمعرفة وأن نتصرف في العالم ونحن نعرف أن كل أفعالنا محكومة بأفق قوة لا يمكن الفكاك منه لكن هذا الأفق نفسه مفتوح على التغيير وعلى أشكال جديدة من المقاومة والاجتراح. فوكو مات عام 1984 وترك باب مكتبته مفتوحاً على سؤال واحد يجترحه كل قارئ بعناده الخاص كيف يمكن لإنسان أن يحيا بشرف في عالم الحقيقة فيه ليس سوى اسم آخر للقهر، الإجابة لا توجد في كتب فوكو لأنها ليست إجابة نظرية بل ممارسة يومية تبدأ بالشك في كل حقيقة ساكنة وتنتهي باكتشاف أن أكثر ما نظنه طبيعياً هو أكثر ما صُنع بأيدٍ بشرية محملة بالرغبة والنسيان والدم.
***
د. حمزة مولخنيف







