أقلام حرة
فاطمة الدفعي: نداء من شاطئ الوادي المقدس
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [سورة القصص: 30]
لا إله إلا الله... كيف تحمل نبي الله موسى -عليه السلام- ذلك؟ بل كيف كان إحساسه في تلك اللحظة؟ إنها لحظة موت وحياة بالنسبة لنبي الله؛ موتٌ من الخوف، وحياة جديدة وسعادة كاملة لا توصف. إنها لحظة اكتمال المشاعر؛ اكتمالٌ للخوف والرهبة والخضوع، وللسعادة والرضا، وهذه اللحظات لا يصل إليها إلا الأنبياء -عليهم السلام-.
عندما يتوقف الكلام إجلالاً
[إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ].. هذه اللحظة تفوق الخيال، وتعجز أمامها المشاعر، ويتوقف الكلام لحظة إجلالٍ لنداءٍ من السماء؛ نداء رب العالمين بعظمته وجلاله ينادي نبيه ليعرّفه عليه سبحانه، ما أعظمه وما أرحمه، إنه الله رب العالمين.
لا أعلم هل أغبط نبي الله موسى -عليه السلام- على ذاك الشرف العظيم، وأن رب العالمين ناداه وسمعه وكلمه -فما أعظمها من سعادة وما أعظمه من تكريم- أم هل أُشفق على قلبه الذي سمع نداء ربه وخالقه العظيم؟
الهروب من الذنب إلى الغفران
ذاك القوي خاف وارتجف وولى مدبراً عندما رأى عصاه تهتز، الرهبة والخوف لم يكونا من العصا بل من رب العالمين؛ من الذي لو أراد لجعل العصا عقاباً وعذاباً، لكنه جعلها آية لعلهم يتذكرون. ونبي الله موسى خاف أن يعاقبه ربه على ذنوبه لذلك ولى مدبراً، ولم يرجع إلى عصاه حتى أمنه الله عز وجل:
{يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11)} [سورة النمل].
"يا موسى أقبل ولا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون".. وحدهم المرسلون الذين أعطاهم الله الأمان.
{يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} [سورة القصص: 31]. ليس فقط من الحية، بل هو من الآمنين من كل شيء؛ من أعدائه، ومن خوف نفسه، ومن ذنوبه.
نعم، هو تذكر أنه قتل منهم نفساً وهذا ذنب عظيم، وهو نبي عظيم لم يقل "ربي هل غفرت لي؟"، لم يسأله لأنه يعلم أن الله يغفر الذنوب جميعاً، ولكن ليطمئن قلبه قال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}.
هذا هو يقين الأنبياء وأدبهم مع خالقهم العظيم. لقد قال له الله تعالى: "إنك من الآمنين"، لذلك هو لم يخف أن يقتله بنو إسرائيل لذات القتل، ولكن خشي أن يكون القتل جزاءً لذنبه؛ كان خائفاً من الذنب وليس من الموت، كان خائفاً أن ينال جزاء ما اقترفت يداه، فاعترف لربه بكل أدب؛ اعتراف التائبين الواثقين بربهم، المؤمنين به إيماناً لا يخالطه تشكيك.
فأين نحن من ذنوبنا؟
{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}.. فما بالنا بذنوبنا التي لا تُعد ولا تُحصى ونحن مسلمون؟ هذا نبي معصوم ونحن لسنا أنبياء ولسنا من "الآمنين" صكّاً، هذا وهو قتل كافراً (خطأً)، فما بالنا بذنوبنا التي لا نخاف أن ينالنا العقاب بسببها في الدنيا وفي الآخرة؟
من الذي يؤمننا من أنفسنا سوى خالقنا وعالم سرنا ونجوانا؟ فلماذا لا نهرب من الخوف إلى الله؟ ونهرب من الذنوب إلى الغفور الرحيم؟ ونهرب من الضياع إلى الأمان، ومن القلق إلى السكينة؟ لنهرب ولا نلتفت، ونعود لله بكل ذنوبنا، ندعوه ونسأله الأمان، ونسأله السداد، ونسأله أن يشرح صدورنا لآياته ولكتابه العظيم.
***
بقلم الكاتبة: فاطمة الدفعي







