أقلام حرة

رافد القاضي: حقيقتك بين يدي الله.. لا تضرّك الظنون ولا ننفعك المظاهر

في عالمنا المعاصر حيث الضجيج والكلمات المعلّبة يملأ أرجاء حياتنا كثيرًا ما نجد أنفسنا في مواجهة أحكام الآخرين آراء الناس وانطباعاتهم المتفاوتة عنا وقد يظن بعض الناس بك سوءًا يبالغون في تفسير أفعالك ويطلقون الأحكام على ظواهر لم يعلموا منها إلا جزءًا يسيرًا أو قد يظن الآخرون أنك مثال للطهارة والنقاء يبالغون في تمجيدك ويمنحونك صفات قد لا تكون موجودة إلا في نواياك الطيبة وهذه التناقضات في تقدير الناس لك مهما كانت لن تضيف أو تنقص شيئًا من حقيقتك التي يعرفها الله وحده.

الإنسان كثيرًا ما يقف أمام مرايا المجتمع يحاول أن يرضي الجميع يركض وراء آراء الآخرين ويسعى لجمع محبة كل شخص يلتقيه ولكنه في كثير من الأحيان يغفل أن الحقيقة الكبرى ليست في ما يقوله الناس أو يظنونه عنك بل في ما يعلمه الله عنك: عن صدقك عن نواياك عن أفعالك عندما لا يراك أحد، وعن أمانتك عندما تُختبر في الخفاء وفي هذه الحقيقة يكمن جوهر الإنسان وهنا يبدأ التوازن الحقيقي بين الذات والعالم، بين المظاهر والحقائق بين التقدير البشري ورضا الخالق.

قد يحاول البعض تشويه صورتك أو أن يبالغ في وصفك وقد تحاول أنت أحيانًا الاندماج مع توقعات الآخرين لتبدو كما يريدونك أو لتكسب رضاهم ولكن في كل هذه المحاولات تتوه الحقيقة وتبتعد الروح عن السلام الداخلي فالإنسان الذي يعيش حياته ليرضي الناس يكون أسيرًا لمعايير متغيرة ونظرات متقلبة وأحكام قابلة للانقلاب في أي لحظة أما من يعي أن رضى الله هو الهدف ويعلم أن الحقيقة ليست في كلمات الآخرين بل في أفعال النفس وأمانتها فإنه يعيش حياة مستقرة متوازنة حرة من عبء الآراء المتذبذبة.

الحياة مليئة بالمواقف التي تكشف صدق الإنسان أو تزيف صورته أمام الناس ةهناك من يثني عليك بلا سبب وهناك من يعيبك بلا وجه حق وهناك من يبالغ في محبتك أو يبالغ في كراهيتك وكل هذا جزء من لعبة المجتمع والتصورات البشرية لكن قلبك يظل مرآة نواياك وضميرك هو الحكم الحقيقي على أفعالك فالصدق مع الذات ومع الله هو الذي يصنع السلام الداخلي وهو الذي يمنح الإنسان القدرة على مواجهة أي ظلم لفظي أو سوء فهم، دون أن يهتز أو يضطرب.

من هنا تتجلى قيمة الصبر وقوة الثقة بالنفس وعمق الإيمان بالله فالمؤمن الحقيقي لا يضطر للرد على كل سوء ظن ولا يسعى لإقناع كل مَن شكّ فيه لأنه يعلم أن الحقيقة الحقيقية هي في قلبه ونواياه وأعماله وأن الله وحده يعلم كل شيء عنها وإن إدراك ذلك يمنح الإنسان حرية نادرة وطمأنينة لا يستطيع أي مدح مبالغ فيه أو ذم مفرط أن يقوضها.

إن المجتمعات تتغير والناس يتبدلون لكن الحقيقة الثابتة لا تتغير، وهي معرفة الله لكل شيء : ما يخفى وما يُعلن ما يُقصد وما يُخطئ، ما يختبر وما يُكافأ وهذا الوعي يجعلنا أقل انشغالًا بما يظنه الناس عنا وأكثر انشغالًا بتطوير أنفسنا بترقية أخلاقنا، بصدق أفعالنا وبالإخلاص في نوايانا إنه دعوة للنقاء الداخلي للعيش بعزة دون الخوف من الظنون وللثقة في أن أفعالنا الطيبة ستظل محفوظة في سجل الحقائق الإلهية.

في النهاية تذكر أن الحياة قصيرة وأن الوقت الذي نقضيه في محاولة إرضاء الآخرين أو الدفاع عن صورتنا أمامهم هو وقت ضائع من عمرنا ولا تدع الظنون سواء كانت سلبية أو إيجابية تتحكم في مسار حياتك ولا تحاول أن تثبت للناس من أنت ولا تسمح لهم أن يحددوا قيمتك واجعل علاقتك مع نفسك ومع الله أساس كل شيء فالذي يعلم الحقيقة الكاملة عنك هو الله وحده فلا خوف من تقييم البشر ولا حاجة لموافقتهم.

الحقيقة هي من يقودك، والأمانة في أفعالك ونواياك هي التي تمنحك السلام الداخلي وكل من يظن بك سوءًا لن يضرك وكل من يبالغ في تمجيدك لن ينفعك لأن قيمة الإنسان الحقيقية ليست في عيون الآخرين بل في قلبه وأفعاله وفي ما يسجله الله عن أعماله ونواياه واجعل حياتك رحلة نحو الصدق والنقاء والإخلاص واجعل كل خطوة فيها موجهة بما يرضي الله لا بما يظنه الناس.

حينها ستعيش حياة خالية من الأعباء النفسية المرهقة حياة ثابتة لا تهزها الكلمات ولا يزعجها الظنون حياة حرة ومستقلة مليئة بالسلام الداخلي ممتلئة بالقوة وعميقة بمعنى المسؤولية الحقيقية تجاه نفسك وتجاه عالمك وتجاه الله وفي هذا السلام الحقيقي ستجد أن كل ما حاول الآخرون تفسيره عنك كل ما ظنوه عنك يصبح بلا معنى ويذوب أمام نور الحقيقة التي يعرفها الله وحده.

الحقيقة لا تُقاس بالمديح ولا بالذم بل بالنية والعمل وبالوفاء لما في القلب من نقاء وبالإخلاص لما تمليه الضمير فلتكن حياتك شهادة على صدقك ولتكن أفعالك مرآة لنقاء روحك ولتسكن دائمًا في رحمة الله الذي وحده يعلم كل شيء عنك والذي وحده يقيّمك حق التقييم.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

في المثقف اليوم