أقلام حرة
جميل شيخو: "الحق الأول الأعظم".. مصدر الحق والخير والجمال
في البدء كان الحق، وهو الله تعالى، الحق الأول والأعظم. ووصفه بالأعظم إنما هو من باب المقارنة مع غيره، وإلا فهو في ذاته لا يحتاج إلى أن يُسمّى بذلك. كان الله هو (الحقّ الأول)، لا شيء معه، ثم خلق المخلوقات، فصار خالقًا بالفعل، وكان أهلًا (للخالقية) قبل الخلق. ثم أمر المخلوقات أن تؤلهه وتعبده، فصار إلاهًا بالفعل، وكان أهلًا للألوهية قبل ذلك.
والحق تعالى هو (مصدر الحق) و(الحقوق)، ولا يصح نسبة الحق أو الحقوق إلى غيره إلا تَبعًا له تبعيةً مشروعة. وهو تعالى وحده له الحق في أن يحكم بالحق لصاحب الحق. والله تعالى هو أيضًا (مصدر الخير)، والخير هو مظهر تعامله مع المخلوقات.
وقبل خلق المخلوقات لم يكن محتاجًا إلى النفع ولا إلى التعامل بالخير مع أحد، إذ هو (الغني). وإنما يتعامل بالخير مع المخلوقات لما فيه نفعهم هم، لا لنفعٍ يعود إليه، فالغني (الأعظم) لا يحتاج إلى نفعِ نافع.
الحق الأول هو الحق الذي وجوده بذاته، وكل حق سواه قائم به ومستمد منه. والحق تعالى لا ينتفع من خير أو عدل يُقام، بل المخلوقات هي التي تستقيم بهما. فالله هو الخير بالتحقق وبالصفة، بالنسبة إلى المخلوقات.
والخير عند الله مظهر كماله، وتعاملُه بالخير هو مظهر رحمته.
والحق الإلهي سابق على التشريع، والتشريعات إنما تكشف عن الحق ولا تُنشئه.
وكل ما لا يستند إلى الحق الأول، بشكل مباشر أو غير مباشر، فهو باطل وشر.
وغاية هذه المقاربة هي إثبات وتأكيد أن الله تعالى هو (الحق الأول)،
ولكونه الحق الأول فهو وحده يستحق أن يكون خالقًا وإلهًا كما أنه أهل لذلك وجدير به.
وهو وحده مصدر الحق والخير (والجمال) كمعايير وموازين أولية أصلية، والحاكم الذي له سلطان على ما سواه.
ولا يحق لأي موجود أن يكون مصدرًا أصليًا للحق أو الخير (أو الجمال)؛ لأن ذلك يتطلب الحقانية والملك، والقدرة، والأهلية الكاملة، وكل ذلك له وحده تعالى دون غيره.
وجعلُ غيرِ الله مصدرًا للحق أو الخير (أو الجمال) اعتقاد باطل وعمل باطل، واعتداء على حقه في الحقانية (الأولى والعظمى) واعتداء على حقه في الألوهية.
وانتماء الموجودات أو الأشياء إلى الحق والخير و(الجمال)، أو إلى الباطل والشر (والقبح)، إنما يكون بحقانية الحق الأول الأعظم ثم بجعله وحكمه وأمره تعالى.
وحياد الأشياء عموماً، في ذاتها، هو مبدأ عام، وهو مظهر من مظاهر تجلي (الحق الأول) في عالم الوجود، ودليل أساسي على وجود الله تعالى وعلى حقانيته وألوهيته وكما قدرته وهي صفاتٌ متعالقةٌ متلازمةٌ كما هو بديهي وضروري وواضح.
والإنسان كائن خالط كما هو معلوم، يخلط الأمور ويخلط المعايير والموازين. ومن أكبر وأخطر أشكال الخلط خلط القيم الثلاثة المعايير، (الحق والخير والجمال) أثناء الممارسة النظرية والعملية بأضدادها وهي الباطل والشر والقبح، توهّماً، حيث يستعمل الباطل والشر والقبح معايير وموازين وهو يتوهم أنه يستعمل الحق والشر والقبح. خاصة عند غلبة فساد الواقع والنفوس والعقول.
ولا حُجة بعد التناقض، الذي يهدم كل حجة.
ومعلوم كذلك أن الباطل والشر والقبح، الصريحة أهون وأقل شرا وسوءا وضررا من الباطل والشر والقبح المتستر أو المغطى بالحق والخير والجمال. خاصة أن البشر غالبا بارعون في الخداع بارعون الإنخداع معا.
كذلك من الأسباب الأساسية لضياع واختلاط المعيار الأصلي أو المعايير الأصلية هو التفصيل والتفاصيل، حيث يتوهم الإنسان عادة أن التفصيل كل تفصيل يعني المطابقة، مطابقة الحكم الذهني للواقع؛ أو مطابقة التفاصيل للموضوعات، خاصة إذا كانت تفاصيل دقيقة أو غامضة أو معقدة. وهذا وهم أساسي وشائع وخطير. لا يسلم منه إلا من أدرك وفهم وأتقن أن الحق ألأول هو مصدر الحقائق ومصدر المعيار أو الميزان الأصلي الأعلى، معيار أو ميزان الحق والخير والجمال.
***
جميل شيخو
16 / 1 / 2026







