"قراءة فلسفية في طبيعة الإنسان والعقل والأخلاق وإمكانية السلام الدائم"
تُنسب إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط مقولة شهيرة:
„Der Friede ist das Meisterwerk der Vernunft. “
أي: «السلام هو تحفة العقل».
وأثناء بحثي عن المصدر الأصلي لهذه العبارة، لم أتمكن من العثور عليها في كتاب كانط «نحو السلام الدائم» (Zum ewigen Frieden)، الصادر عام 1795، رغم شيوع نسبتها إليه. كما وجدت صيغة قريبة منها، هي „Der Friede ist das Meisterstück der Vernunft“، منسوبة إلى المؤرخ السويسري يوهانس فون مولر. لذلك أفضّل التعامل مع العبارة باعتبارها مقولة شائعة النسبة إلى كانط، دون الجزم بأنه صاحبها.
لكن البحث في النص الأصلي قادني إلى عبارة أكثر أهمية من الناحية الفلسفية، يقول فيها كانط:
„Der Friedenszustand unter Menschen, die neben einander leben, ist kein Naturstand ... Er muß also gestiftet werden. “
ومعناها: «إن حالة السلام بين البشر الذين يعيشون جنباً إلى جنب ليست حالة طبيعية... ولذلك ينبغي تأسيسها».
تكشف هذه العبارة عن جوهر مشروع كانط: السلام ليس حالة تلقائية، وإنما بناء أخلاقي وقانوني وسياسي يتطلب إرادة واعية ومؤسسات قادرة على حمايته.
لكن هنا يبرز السؤال الذي أريد مناقشته: إذا كان العقل قادراً على إدراك ضرورة السلام، فلماذا لا تزال البشرية عاجزة عن تحقيقه، رغم كل ما بلغته من تقدم علمي وحضاري؟ وهل فشل مشروع السلام عند كانط، أم أن الإنسان لم يرتقِ بعد إلى المستوى الأخلاقي الذي يسمح بتحقيقه؟
لفهم هذا السؤال، أجد من المفيد العودة إلى ثلاث تصورات فلسفية مختلفة لطبيعة الإنسان والعلاقات بين الدول.
ينطلق توماس هوبز، في كتابه «اللفياثان» (Leviathan، 1651)، من تصور يرى أن الإنسان، في غياب سلطة مشتركة، يعيش تحت تأثير الخوف والتنافس والرغبة في القوة. وتؤدي هذه الحالة إلى صراع دائم، يصفه هوبز بحرب الجميع ضد الجميع. ومن هنا يصبح قيام الدولة ضرورة لحماية الأمن وتنظيم العلاقات من خلال سلطة قادرة على فرض القانون.
أما كانط فيذهب أبعد من مسألة الأمن الداخلي. ففي كتابه «نحو السلام الدائم» يقدم مشروعاً لتنظيم العلاقات الدولية على أساس القانون واحترام استقلال الدول والتعاون فيما بينها. ويرى أن السلام الدائم يحتاج إلى دساتير جمهورية واتحاد سلمي بين الدول، وإلى مبادئ قانونية وأخلاقية تجعل الحرب أمراً يمكن تجاوزه تدريجياً.
أما هيغل، في كتابه «أصول فلسفة الحق» (1821)، فينظر إلى الدولة باعتبارها تجسيداً للحياة الأخلاقية والمؤسساتية. لكنه يتخذ موقفاً أكثر تحفظاً تجاه إمكانية السلام الدائم؛ إذ يرى أن الدول ذات السيادة لا تخضع لسلطة دولية عليا تملك القدرة على إلزامها بصورة نهائية. ولذلك تظل النزاعات والحروب احتمالاً قائماً في العلاقات الدولية.
تكشف هذه المقارنة عن اختلاف عميق في المنطلقات: هوبز يبحث عن الأمن من خلال السلطة، وكانط يؤسس السلام على العقل والقانون والأخلاق، وهيغل يربط العلاقات الدولية بطبيعة الدولة والسيادة والتاريخ.
وعندما أنظر إلى عالمنا المعاصر، أجد أن هذه الأسئلة لا تزال حاضرة بقوة. فقد حققت البشرية تقدماً مذهلاً في العلوم والتكنولوجيا والاتصالات، وأصبحت تمتلك قدرات هائلة للتأثير في مصير الكوكب. ومع ذلك، تستمر الحروب والصراعات والتنافس على النفوذ والثروات.
تبدو المفارقة واضحة: تقدم الإنسان في السيطرة على الطبيعة لم يصاحبه بالضرورة تقدم مماثل في السيطرة على نزعات الهيمنة والتعصب والأنانية. فالعقل الذي ينتج المعرفة والتكنولوجيا يمكن أن يتحول أيضاً إلى أداة لخدمة المصالح والقوة، عندما تنفصل الوسائل عن المسؤولية الأخلاقية.
وهنا أجد أن أهمية كانط تتجاوز عصره. فهو يضعنا أمام ضرورة إخضاع السياسة لمبادئ أخلاقية وقانونية، ويذكرنا بأن السلام لا يستقيم دون العدالة واحترام كرامة الإنسان. وقد وجدت بعض أفكاره صدى في تطور القانون الدولي ومؤسسات التعاون الدولي، وصولاً إلى إنشاء منظمة الأمم المتحدة، وإن كانت هذه المؤسسات تختلف في بنيتها وصلاحياتها عن التصور الكانطي.
لكن التجربة المعاصرة تكشف أيضاً عن حدود هذه المنظومة، خصوصاً عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى مع مقتضيات القانون الدولي. فوجود القواعد والمؤسسات لا يضمن وحده احترامها، ما لم تتوافر إرادة سياسية حقيقية للالتزام بها.
فهل فشل مشروع السلام عند كانط؟
أميل إلى أن السؤال يحتاج إلى التمييز بين صلاحية المشروع وإمكانية تطبيقه. فاستمرار الحروب لا يدحض بالضرورة القيمة الفلسفية للمشروع، لكنه يكشف عن صعوبة تحويل المبادئ الأخلاقية إلى واقع سياسي مستقر.
وربما تكمن المشكلة في الفجوة بين العقل الذي يعرف ما ينبغي فعله والإرادة التي تختار فعله. فالإنسان يستطيع أن يدرك قيمة العدالة، لكنه قد يضع مصلحته فوقها؛ ويستطيع أن يفهم ضرورة السلام، لكنه قد يلجأ إلى القوة عندما تتعارض مصالحه مع مصالح الآخرين.
ومن هنا أرى أن بناء السلام يحتاج إلى أمرين متكاملين: مؤسسات وقوانين تحد من العنف وتحمي الحقوق، ووعي أخلاقي يجعل احترام الإنسان قيمة تتجاوز الحسابات السياسية والمصالح المؤقتة.
في النهاية، لم يقدم كانط وصفة سحرية لإنهاء الحروب، وإنما وضع أمام البشرية مشروعاً عقلياً وأخلاقياً يحدد الشروط التي يمكن أن تجعل السلام ممكناً. وربما لم يفشل هذا المشروع بقدر ما كشف التاريخ عن المسافة التي لا تزال تفصل بين طموح الإنسان الأخلاقي وممارساته السياسية.
لقد أصبح الإنسان قادراً على الوصول إلى الفضاء وتطوير تقنيات تغير وجه الحياة، لكنه لا يزال يواجه صعوبة في حل خلافاته دون اللجوء إلى العنف.
وأجد أن أعظم إنجاز للحضارة الإنسانية لن يكون في امتلاك مزيد من القوة والمعرفة، وإنما في امتلاك الحكمة اللازمة لاستخدامهما بصورة مسؤولة.
فالسلام، في جوهره، ليس مجرد غياب الحرب، وإنما قدرة الإنسان على الاعتراف بإنسانية الآخر، وقبول حريته، والاحتكام إلى العدالة عندما تتعارض المصالح. وربما لا يزال مشروع كانط مفتوحاً، لأن البشرية لم تنتهِ بعد من اختبار قدرتها على تحويل العقل إلى أخلاق، والأخلاق إلى سياسة، والسياسة إلى سلام.
***
بولص آدم
...................
مراجع:
Kant, Immanuel (1795): Zum ewigen Frieden. Ein philosophischer Entwurf.
Hobbes, Thomas (1651): Leviathan.
Hegel, Georg Wilhelm Friedrich (1821): Grundlinien der Philosophie des Rechts.








