عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

العيد معروفي: فرانس كافكا.. متاهات الوجود واغتراب الذوات

مقاربة تأويلية للأُفق الفلسفي للكتابة الكافكوية

مدخـــل استشكالي: لا يُعدّ فرانس كافكا* مجرد روائي استثنائي منشغل بتصوير الأزمات الوجودية، ولا كاتبًا بنى عوالمه على مفارقات الغريب والعبثي. بل هو يجسّد تجربة فكرية وأدبية تكشف عن إحدى أعمق معضلات الحداثة: وضع الفرد الذي يجد نفسه في عالم لا يملك مفاتيحه، محكومًا بأنظمة لا يفهم شرعيتها، ومُجبرًا على إثبات وجوده أمام سلطات تنكر عليه حق التساؤل عن طبيعته. لا يكتب كافكا عن الاغتراب الإنساني كحالة نفسية عابرة، بل يكشف عن تحوّله إلى بنية وجودية تُحكم علاقة الذات بالعالم، وبالآخرين، وبالمؤسسات. وهكذا، لا تكمن فلسفة كتاباته في إنتاج مفاهيم مجردة، بل في تحويل التجربة السردية إلى مختبر لتفكيك الوجود الإنساني حين يفقد بديهيته ويصبح موضوعًا للمعاناة والتأويل.

إن العالم الكافكوي عالم تتعطل فيه العلاقة المألوفة بين السبب والنتيجة، وبين الفعل والجزاء، وبين الذات والاعتراف. فالإنسان لا يعرف على وجه الدقة لماذا يُلاحق، ولا يستطيع تحديد الجهة التي تحاكمه، ولا يمتلك الوسائل التي تمكّنه من الوصول إلى الحقيقة التي يبحث عنها. وفي رواية «المحاكمة» يجد جوزيف ك. نفسه متهماً دون أن يعرف طبيعة الجريمة التي ارتكبها، وكأن الاتهام أصبح سابقاً على الفعل، والحكم سابقاً على المحاكمة، والسلطة مستقلة عن كل ضرورة لتبرير مشروعيتها. إن المفارقة هنا ليست قانونية فحسب، بل وجودية أيضاً؛ فالذات تجد نفسها مطالبة بالدفاع عن وجودها أمام نظام لا يسمح لها بمعرفة التهمة التي تجعلها موضع مساءلة. وهكذا تتحول المحاكمة إلى استعارة للإنسان الحديث الذي يعيش تحت وطأة مؤسسات تتدخل في مصيره، دون أن تمنحه بالضرورة إمكانية فهم منطقها.¹

ولعل العمق الفلسفي لهذه الرواية يتجلى في انتقال السلطة من مجالها الخارجي إلى المجال الداخلي للذات؛ فجوزيف ك. لا يظل مجرد ضحية لإجراء قضائي غامض، بل يبدأ تدريجياً في استبطان منطق الاتهام، وكأن المؤسسة نجحت في جعل الإنسان شريكاً في محاكمته الخاصة. وهنا تتجاوز الكتابة الكافكوية تصوير القهر إلى الكشف عن آليات تشكّل الخضوع داخل الوعي الإنساني. فالسلطة الأكثر نفاذاً ليست دائماً تلك التي تفرض نفسها بالعنف المباشر، بل تلك التي تجعل الفرد ينظر إلى نفسه بعينها، ويعيد إنتاج أحكامها داخل علاقته بذاته. ومن هذه الزاوية يمكن إقامة حوار تأويلي بين كافكا وبعض تحليلات ميشال فوكو حول السلطة والانضباط والمراقبة، دون اختزال التجربة الأدبية في المفاهيم الفلسفية التي ظهرت لاحقاً.²

أما في «المسخ» ³ فإن الاغتراب ينتقل من المؤسسة إلى الجسد، ومن المحاكمة الخارجية إلى مأساة الهوية والاعتراف. يستيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه قد تحول إلى كائن حشري، غير أن المفارقة الأكثر إيلاماً ليست في غرابة التحول الجسدي، بل في استمرار وعيه الإنساني وسط عالم بدأ يتعامل معه باعتباره شيئاً غريباً لا يستحق الاعتراف. إن غريغور لم يفقد ذاكرته ولا إحساسه بالمسؤولية ولا تعلقه بأسرته، لكنه يفقد تدريجياً مكانته داخلها عندما يصبح عاجزاً عن أداء وظيفته الاقتصادية. وهنا يكشف كافكا عن عنف اجتماعي صامت، يتمثل في اختزال الإنسان إلى ما ينتجه، وربط قيمته بقدرته على أداء دور محدد داخل شبكة المصالح والعلاقات. فالمسخ الحقيقي لا يكمن بالضرورة في التحول الذي أصاب الجسد، بل في النظرة التي جرّدت الإنسان من إنسانيته بمجرد أن أصبح مختلفاً وعاجزاً عن تلبية انتظارات الآخرين.

وفيما يتعلق الإشكالية المركزية التي نُحاول إثارتها ههنا هي كالتالي:

إذا كان فرانس كافكا قد جعل من الكتابة فضاءً لاستكشاف التصدعات العميقة التي تطاول الوجود الإنساني، فإلى أي حدّ يمكن النظر إلى عوالمه السردية بوصفها تفكيراً فلسفياً في مأزق الذات الحديثة، وهي تواجه وجوداً ملتبساً، وسلطة عصيّة على الفهم، وواقعاً تتآكل داخله إمكانات الحرية والاعتراف؟ وهل يتأسس الاغتراب في المتن الكافكوي بوصفه أثراً لاختلال علاقة الإنسان بالعالم، أم بوصفه شرطاً أنطولوجياً يكشف عن انكسار المعنى واستحالة امتلاك الذات لحقيقة وجودها؟ ثم كيف تتحول المتاهة السردية، بما تنطوي عليه من عبث ومساءلة وانتظار، إلى أفق تأويلي تتكشف من خلاله مفارقة الإنسان الحديث: كائن يبحث عن معنى وجوده، لكنه يجد نفسه محاصراً داخل عالم لا يمنحه سوى أسئلة وجودية مفتوحة؟

1-1 قراءة تفسيرية في روايــة المســخ

إن غريغور يضعنا أمام سؤال الاعتراف: ما الذي يجعل الإنسان إنساناً في نظر الآخرين؟ وهل تكفي الذاتية والذاكرة والوعي لضمان الانتماء إلى الجماعة، أم أن الاعتراف الاجتماعي قد يتحول إلى امتياز مشروط بالمنفعة والامتثال؟ إن كافكا لا يقدم جواباً نظرياً عن هذه الأسئلة، لكنه يجعلها تتجسد في مصير شخصية تُقصى تدريجياً من عالمها الحميم. وبذلك تصبح «المسخ» نقداً لأنماط العلاقات التي لا ترى في الإنسان إلا وظيفته، وللمجتمع الذي يتسامح مع الفرد ما دام قادراً على الإنتاج، ثم يتخلى عنه عندما يصبح عبئاً. إنها مأساة الذات حين تكتشف أن قربها من الآخرين لم يكن دائماً ضمانة للاعتراف بها.

ليست رواية «المسخ» لفرانس كافكا مجرد حكاية غرائبية عن إنسان استيقظ ذات صباح ليجد جسده قد تحول إلى كائن حشري، بل هي نصّ أدبي مشحون بأسئلة فلسفية تتصل بمصير الذات الإنسانية، وهشاشة الهوية، وعنف العلاقات الاجتماعية، وانكسار الاعتراف. إن كافكا لا يجعل من التحول الجسدي غاية سردية في ذاته، وإنما يتخذه مدخلاً لتعرية عالم فقد قدرته على رؤية الإنسان خارج وظائفه ومنافعه. ولذلك فإن غرابة الرواية لا تكمن في تحوّل غريغور سامسا إلى حشرة بقدر ما تكمن في اكتشافه التدريجي أن إنسانيته لم تكن، في نظر محيطه، مستقلة تماماً عن قدرته على العمل والإنتاج وإعالة الأسرة.

تبدأ الرواية بمشهد صادم، لكنه يخلو من التفسير: يستيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه قد تحول إلى كائن غريب، دون أن يعرف القارئ الأسباب التي قادته إلى هذا المصير. إن كافكا يتعمد إقصاء التفسير، وكأن الحدث لا يحتاج إلى تبرير لكي يصبح واقعاً يفرض نفسه على الشخصية. وهنا تتجلى إحدى الخصائص الأساسية للكتابة الكافكوية: وقوع اللامألوف داخل اليومي، وتحول المستحيل إلى واقعة عادية يتعين على الإنسان أن يتدبر أمرها. فبدلاً من أن ينشغل غريغور بالسؤال عن طبيعة التحول الذي أصابه، يستغرق في التفكير في تأخره عن العمل، وفي رد فعل رئيسه، وفي الالتزامات المالية التي تثقل كاهله. وكأن المأساة الحقيقية ليست في أن الجسد قد تغير، بل في أن الذات لا تزال أسيرة الواجبات التي كانت تحكم حياتها قبل التحول.

إن هذه المُفارقة تفتح الرواية على نقد عميق للإنسان الذي استُنزفت حياته داخل منطق العمل، حتى أصبح عاجزاً عن إدراك مأساته خارج حسابات الوظيفة والالتزام. فغريغور لا يبدأ من سؤال: ماذا حدث لي؟ وإنما من سؤال: كيف سأذهب إلى العمل؟ وهنا يبدو الجسد الجديد كأنه يكشف حقيقة الجسد القديم؛ جسد كان يعيش تحت ضغط الإنتاج، ويؤجل رغباته، ويضحّي بحريته من أجل إعالة أسرته. لقد كان غريغور مغترباً قبل أن يتحول إلى حشرة، وكان المسخ الجسدي مجرد إعلان عن مسخ اجتماعي ونفسي سبق حدوثه.

إن المسألة الأكثر عمقاً في الرواية تتعلق بالهوية. فهل تظل الذات هي ذاتها عندما يتغير جسدها؟ وهل تتحدد إنسانية الفرد بما يحمله من وعي وذاكرة ومشاعر، أم بالصورة التي يعترف بها الآخرون له؟ يحتفظ غريغور بذاكرته ووعيه وعاطفته، ويظل منشغلاً بأحوال أسرته، لكن أفرادها يتعاملون معه تدريجياً بوصفه كائناً غريباً ينبغي إبعاده. وهكذا ينشأ التناقض بين استمرارية الذات من الداخل وانهيار هويتها من الخارج. إن غريغور يعرف نفسه، لكنه لا يستطيع أن يجعل الآخرين يعترفون به؛ يحتفظ بإنسانيته، لكنه يفقد الشروط الاجتماعية التي تجعل هذه الإنسانية مرئية.

ومن هنا يمكن قراءة «المسخ» باعتبارها رواية عن انهيار الاعتراف. فالإنسان لا يعيش داخل ذاته وحدها، وإنما يتشكل أيضاً من خلال علاقته بالآخرين، ومن خلال قدرتهم على الاعتراف بوجوده وخصوصيته. لكن هذا الاعتراف، في عالم كافكا، يبدو مشروطاً بالمنفعة والقدرة على أداء الوظائف الاجتماعية. وما إن يفقد غريغور قدرته على العمل حتى تبدأ علاقته بأسرته في التحول؛ فالشخص الذي كان مصدر إعالتها يصبح عبئاً عليها، والذي كان يتحمل مسؤولياتها يصبح موضوعاً للخوف والنفور. إن الأسرة التي كان يعتقد أنه يعمل من أجلها تكشف عن هشاشة الروابط التي تجمع أفرادها، وعن قابلية التضامن للتحول إلى علاقة نفعية عندما تتغير شروط المصلحة.

ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في هذه الرواية؛ فغريغور لم يكن يعيش استقلاله بوصفه ذاتاً حرة، بل كان أسير التزامات مالية وأسرية جعلته يتحمل مسؤولية ديون والده وإعالة أفراد عائلته. ومن ثم فإن تحوله الجسدي يكشف عن اختلال سابق في بنية حياته: لقد كان يُقاس بما يقدمه، لا بما هو عليه. وهنا تتجاوز الرواية حدود المأساة الفردية لتلامس نقداً اجتماعياً للإنسان الذي تختزل قيمته في إنتاجيته. إن المسخ ليس مجرد كائن حشري، بل هو صورة الإنسان حين يُجرّد من قيمته بمجرد أن يفقد قدرته على أداء الدور الذي ينتظره المجتمع منه.

وتبلغ هذه المأساة ذروتها في علاقة غريغور بأخته غريته. ففي البداية تبدو الأخت الشخصية الأكثر استعداداً لرعايته، وتحاول توفير الطعام وتنظيف الغرفة ومراعاة احتياجاته. غير أن هذا التعاطف يتآكل تدريجياً تحت ضغط الخوف والإرهاق والتحولات التي طرأت على الأسرة. وفي النهاية تصبح غريته صاحبة الموقف الحاسم في ضرورة التخلص منه. إن هذا التحول لا يكشف عن قسوة فردية فحسب، بل عن هشاشة التعاطف عندما يصبح الآخر عبئاً يتجاوز قدرة الجماعة على احتماله. فالإنسان الذي كان جزءاً من الأسرة يُعاد تعريفه باعتباره تهديداً لوحدتها، وتتحول الرعاية من فعل اعتراف إلى ممارسة إقصاء.

أما الجسد في الرواية، فلا يظهر باعتباره وعاءً محايداً للهوية، بل يصبح موضعاً للصراع بين الذات ونظرة الآخرين. لقد ظل غريغور واعياً بذاته، لكن جسده الجديد فرض عليه عزلة متزايدة، وحرمه من التواصل الطبيعي مع محيطه. إنه يسمع الآخرين ويفهم كلامهم، لكنه لا يستطيع أن يجعلهم يفهمونه. وهنا تتحول اللغة إلى حدّ فاصل بين عالمين: عالم الذات التي لا تزال تحتفظ بذاكرتها الإنسانية، وعالم الآخرين الذين لم يعودوا يرون فيها سوى جسد منفّر. إن العجز عن التواصل لا ينتج عن غياب الكلام وحده، بل عن انهيار الاستعداد للاعتراف بالآخر بوصفه ذاتاً لها تجربة داخلية لا يمكن اختزالها في مظهرها الخارجي.

ومن منظور تأويلي، يمكن القول إن كافكا يضع القارئ أمام مفارقة أخلاقية: من هو المسخ الحقيقي في هذه الرواية؟ أهو غريغور الذي تغير جسده، أم المجتمع الذي فقد القدرة على الاعتراف بإنسانيته؟ إن السؤال لا يهدف إلى استبدال رمز بآخر، بل إلى زحزحة مركز الدلالة من التحول البيولوجي إلى التحول الأخلاقي والاجتماعي. فالكائن الذي يبدو غريباً يحتفظ بمشاعر إنسانية عميقة، بينما الشخصيات التي تحتفظ بهيئتها البشرية تصبح عاجزة عن ممارسة الحد الأدنى من التعاطف. وهكذا يقلب كافكا العلاقة المألوفة بين الظاهر والباطن، ويجعل الجسد البشري غير كافٍ وحده لضمان الإنسانية.

إن قُوة الرواية تكمن أيضاً في رفضها تقديم تفسير نهائي للتحول. فلا نعرف لماذا أصبح غريغور حشرة، ولا يمنحنا الكاتب مفتاحاً رمزياً واحداً يمكنه إغلاق النص. ويمكن تأويل التحول بوصفه صورة للاغتراب، أو للمرض الاجتماعي، أو لانهيار الهوية، أو للعجز عن التكيف مع عالم لا يعترف إلا بالفاعلية والإنتاج. غير أن اختزال الرواية في أحد هذه المعاني يضيّق أفقها؛ فالنص الكافكوي يحتفظ بفائض دلالي يجعل كل قراءة مدخلاً إلى قراءة أخرى. ومن هنا يمكن الاستفادة من أفق التأويل عند بول ريكور، حيث لا يستنفد الرمز معناه في دلالته المباشرة، بل يفتح أمام الفكر إمكانات متعددة للفهم.

لم يمت غريغو لمجرد تحوّل جسده إلى حشرة، بل لأن صلته بالعالم انقطعت تمامًا. أصبح وجوده لا يُطاق بالنسبة للآخرين، وانحدرت حياته إلى عزلة متزايدة مع تضاؤل فرص الاعتراف به. في موته، لا نجد انتصارًا للعدالة ولا استعادةً للتوازن الإنساني، بل نجد كشفًا مؤلمًا لعالمٍ يستطيع استعادة نظامه بمجرد القضاء على الكائن الذي أصبح عاجزًا عن المشاركة في بنائه.

وهنا تتجلى المفارقة الختامية للرواية: الأسرة التي عاشت على تضحيات غريغور تستعيد حيويتها بعد موته، وكأن غيابه أصبح شرطاً لاستئناف الحياة. إن هذا الختام لا يترك القارئ أمام مأساة فردية فقط، بل أمام سؤال أخلاقي يتعلق بطبيعة الروابط الإنسانية: هل نحب الآخر لذاته، أم لما يقدمه لنا؟ وهل تظل إنسانية الإنسان موضع اعتراف عندما يفقد قدرته على العطاء؟

إن «المسخ» ليست رواية عن رجل تحول إلى حشرة، وإنما عن عالم يمكن أن يتحول فيه الإنسان إلى غريب بمجرد أن يفقد وظيفته ومكانته وقدرته على الاستجابة لانتظارات الآخرين. لقد جعل كافكا من الجسد المتحول مرآة لجسد اجتماعي كان يعيش الاغتراب منذ البداية، وكشف أن أقسى أشكال المسخ ليست تلك التي تصيب المظهر الخارجي، بل تلك التي تصيب علاقتنا بالآخر، حين نعجز عن رؤيته خارج حدود المنفعة والمصلحة.

ولعل القيمة الفلسفية الأعمق لهذه الرواية أنها تضع إنسانية الإنسان أمام امتحان الاعتراف: ليس السؤال ماذا يحدث للإنسان عندما يتحول جسده، بل ماذا يحدث للإنسان عندما يتوقف الآخرون عن رؤيته إنساناً؟ عند هذه النقطة يغادر كافكا حدود الحكاية الغرائبية، ليدخل بنا إلى صميم المأزق الإنساني الحديث؛ حيث يصبح الاختلاف سبباً للإقصاء، والعجز مبرراً للتخلي، والإنسان مهدداً بأن يفقد مكانه في العالم كلما فقد قدرته على أن يكون نافعاً للآخرين.

2-2 قراءة تفسيريــة في رواية القلعــة

وفي رواية «القلعة»⁴ تتخذ هذه الأزمة شكلاً آخر، حيث يتحول البحث عن الاعتراف إلى رحلة لا تنتهي داخل متاهة إدارية ورمزية. فالمسّاح جوزيف ك. يصل إلى القرية راغباً في تثبيت موقعه والحصول على اعتراف بمهمته، لكنه يصطدم بسلطة غامضة لا تتجلى إلا عبر الموظفين والرسائل والوساطات والإجراءات. إن القلعة ليست مجرد مؤسسة إدارية، بل صورة لمركز تتوزع سلطته عبر مسافات لا تسمح بالوصول إليه. وكلما حاولت الذات الاقتراب من هذا المركز، اكتشفت أن الطريق إليه يفضي إلى طرق أخرى، وأن الاعتراف يظل وعداً مؤجلاً. وهنا يتجلى أحد أكثر أبعاد الكتابة الكافكوية كثافة: الإنسان لا يعاني فقط من غياب المعنى، بل من استحالة امتلاكه بصورة نهائية؛ إنه يعيش داخل عالم يفيض بالإشارات والتفسيرات، لكنه لا يمنحه حقيقة مستقرة يستطيع أن ينهي بها قلقه.

إن الصراع بين تقرير المصير الحر وقوى الحياة والوعي للمنظمة العائلية الأرضية يتخذ في رواية «القلعة» نبرة جديدة: في حين كانت التبعية المطلقة تقف في المركز في رواية «المحاكمة»، وأدت من ثم إلى القضاء تدريجياً على جميع الأسس الواقعية للحياة والعمل إلى درجة تنفيذ حكم المحكمة الذاتية، فإن الموضوع في رواية «القلعة» إنما يدور، على العكس من ذلك، حول مشكلة في ما إذا وكيف يكون ممكناً أن يوجد المرء ويعيش واقعياً وحراً في الوقت نفسه ضمن قوى الوجود المعطاة.

طبقاً لذلك جرى تشكيل نقطتي انطلاق بطلي الروايتين على نحو مضاد. جوزيف ك. في «المحاكمة» يوجد في بداية الرواية في وضع مهني مدني مضمون ذي وجاهة، من ثم يجري تقويضه بالتدريج. أما ك. في رواية «القلعة»، فإنه غريب لا يملك تصريح إقامة وبلا حق محدد مصاغ بشكل واضح لممارسة مهنته كمهندس مساحة. لقد هجر الزوجة والولد وقام بتضحية كبيرة كي يغادر داره، وعمد إلى القيام بسفرة طويلة شاقة، ويفتقر للمال افتقاراً كاملاً، ولا يجد إمكانية أن يجد مرة أخرى عملاً مناسباً في بلدته. إنه يعيش إذاً منذ البداية في وجود لا مقر له اجتماعياً. من ذلك ينشأ كفاح مضاعف متناقض ظاهرياً وحسب.

كفاح جوزيف ك. بين الحرية والارتباط:

ينشد جوزيف ك. أن يظفر بموطئ قدم ومسكن، الأمر غير الممكن إلا عبر ارتباطات، ومن طرف آخر يعني أن يحافظ على حريته في تقرير مصيره: كما أني أخشى أن الحياة فوق في القلعة ليست خليقة أن تطيب لي. إنه يكافح باستمرار للوصول إلى القلعة، وفي الوقت نفسه يكافح في سبيل استقلاليته عن القلعة، لا بل ضد القلعة.5

إن قراره بالتخلي عن ضماناته الاجتماعية السابقة والسفر إلى القلعة كي يعمل مسَّاح أراضي له معنى مزدوج. رسالة كلمّ لم تخف أيضاً بأنه إذا ما وصل الأمر إلى كفاح، فإن جوزيف ك. كان قد ملك الجرأة على أن يبدأ بذلك، كان هذا قد قيل بنعومة وفقط ضمير قلق – قلق وليس معذباً – يمكنه أن يلاحظ الأمر، كانت الكلمتان «كما تعلم» بخصوص قبوله في الخدمة. كان جوزيف ك. قد تقدم للعمل ومُذ ذاك بات يعلم، كما عبّرت الرسالة، أنه قد تمّ قبوله. إن تقدمه للعمل وقبوله – طبعاً الظاهريّ أيضاً وحسب – في خدمة القلعة الأرستقراطية، يوصفا هنا بصفة الوقاحة من قبله، أن يبدأ كفاحاً ضد القلعة بقرار اتخذه من تلقاء نفسه. لقد اختار بنفسه عدم الارتباط الاجتماعي، وذلك كي يُقاوم وهـــو مستقل شمولية كل مناحي الحياة، ويتمكن من إثارتها للكفاح. بوضوح جاء: كان يكافــح...بإرادته، إذْ أنه كان هـــو المُهاجـِـم.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي اختزال القلعة في رمز ديني أو سياسي أو إداري واحد، لأن قوتها التأويلية تكمن في تعدد مستوياتها. إنها فضاء للسلطة، وصورة للمرجعية الغائبة، واستعارة للمطلق الذي يبحث الإنسان عن الوصول إليه دون أن يضمن بلوغه. فالقلعة حاضرة بقدر ما هي متعذرة، ومؤثرة بقدر ما تظل بعيدة عن الإدراك المباشر. إنها حضور يتغذى من الغياب، وسلطة تستمد قوتها من المسافة بينها وبين من يخضعون لها. ولذلك لا تبدو مأساة ك. مجرد فشل في الحصول على وظيفة أو اعتراف إداري، بل تعبيراً عن مأزق الذات التي تبحث عن موقع لها في عالم لا يمنحها يقيناً بشأن مكانتها أو شرعية وجودها.

وإذا كان كافكا يُدرج كثيراً ضمن الأدب العبثي، فإن هذه النسبة تحتاج إلى تمييز فلسفي. فالعبث عند ألبير كامو يتأسس على التوتر بين توق الإنسان إلى المعنى وصمت العالم، بينما يبدو العالم الكافكوي أكثر التباساً؛ فهو لا يصمت بقدر ما يتكلم بإفراط، ولا يخلو من الأنظمة بقدر ما يفيض بها. هناك قوانين وإجراءات وتعليمات ومؤسسات، لكن كثافة هذه الوسائط لا تنتج وضوحاً، بل تعمّق الغموض. ومن ثم فإن العبث الكافكوي لا ينبع من انعدام النظام، وإنما من وجود نظام يستعصي على الفهم، ومن سلطة تطالب الإنسان بالامتثال دون أن تمنحه حق إدراك القواعد التي تحكم مصيره. إن كامو يجعل الوعي بالعبث مدخلاً إلى التمرد، أما كافكا فيترك شخصياته داخل توتر لا يجد مخرجاً نهائياً منه.6

وتتصل هذه المعضلات باللغة أيضاً؛ فاللغة في المتون الكافكوية لا تؤدي دائماً وظيفة التواصل والكشف، بل تصبح أحياناً جزءاً من أزمة الفهم. الشخصيات تتحدث وتتراسل وتشرح وتبرر، لكن الكلام لا يبدد الغموض، والرسائل لا تضمن بلوغ المقصود، والتفسيرات لا تنهي الالتباس. وفي «رسالة إلى الأب» تتخذ هذه الأزمة بعداً شخصياً عميقاً، إذ تتحول الكتابة إلى محاولة لاستعادة صوت الذات أمام سلطة أبوية ظل حضورها مثقلاً بالخوف والرهبة. إن الابن يكتب ما يعجز عن قوله في المواجهة المباشرة، وكأن الكتابة تصبح ملاذاً للذات، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن عجزها عن إقامة حوار متكافئ مع الآخر. وهكذا لا تعود اللغة مجرد وسيلة للتعبير عن الاغتراب، بل تصبح أحد الأمكنة التي يتشكل فيها هذا الاغتراب.

إن المقاربة التأويلية لكافكا تقتضي، تبعاً لذلك، الابتعاد عن البحث عن معنى نهائي يحسم دلالة نصوصه. فالنص الكافكوي لا يضع أمامنا رموزاً مغلقة تنتظر من يفك شفراتها، بل يبني عالماً تتعدد فيه إمكانات الفهم، وتتداخل فيه الدلالات الوجودية والسياسية والاجتماعية والدينية. ويمكن هنا استحضار غادامير الذي يجعل الفهم حدثاً يتشكل في اللقاء بين أفق النص وأفق القارئ، كما يمكن استحضار ريكور في تحليله لفائض المعنى الذي يفتحه الرمز أمام التأويل. غير أن خصوصية كافكا تتمثل في أن فعل التأويل نفسه يصبح شبيهاً بتجربة شخصياته: كلما اقترب القارئ من معنى، انفتح أمامه سؤال جديد. إننا لا نقف خارج المتاهة لنصفها، بل ندخلها عبر القراءة، ونكتشف أن الغموض ليس عارضاً يمكن إزالته بالكامل، وإنما هو جزء من بنية العالم الذي شيده الكاتب.7

إن راهنية كافكا لا تعود إلى غرابة عوالمه أو قدرته على صناعة المشاهد الكابوسية، بل إلى نفاذ بصيرته في كشف هشاشة الإنسان أمام المؤسسات والأنظمة والعلاقات التي تختزل وجوده. لقد أدرك، بحدس أدبي وفلسفي نافذ، أن الإنسان الحديث قد لا يكون محاصراً بالسجون والجدران وحدها، بل بشبكات غير مرئية من الإجراءات والتصنيفات والأحكام، وأنه قد يفقد حريته دون أن يستطيع تحديد اللحظة التي بدأ فيها فقدانها. كما أدرك أن الاغتراب لا يحدث دائماً عندما ينفصل الإنسان عن العالم، بل قد يحدث عندما يكون حاضراً فيه دون أن يجد مكاناً يعترف به، وعندما يعيش بين الآخرين دون أن يضمن أن يروه بوصفه إنساناً.

إن فرانس كافكا، في المحصلة، ليس فيلسوفاً نسقياً بالمعنى الاصطلاحي، لكنه كاتب جعل الأدب قادراً على التفكير في المعضلات التي ستصبح من صميم الفلسفة المعاصرة: السلطة، والهوية، والاعتراف، والاغتراب، والعبث، وحدود اللغة، واستحالة امتلاك الحقيقة امتلاكاً نهائياً. لقد حوّل الرواية إلى أنطولوجيا للقلق الإنساني، وجعل من الشخصيات والأمكنة والأحداث أشكالاً لتجسيد سؤال الوجود حين يفقد طمأنينته. ولعل المفارقة الأعمق في عالمه أن الإنسان لا يُحرم من المعنى فحسب، بل يظل مطالباً بالبحث عنه داخل نظام لا يكف عن تأجيل ظهوره. فكافكا لا يصور الإنسان الذي ضلّ طريقه إلى العالم فقط، بل الإنسان الذي لم يعد متأكداً من أن العالم قد ترك له طريقاً إليه.

***

بقلم: الدكتور معروفي العيد

.......................

الهوامش والمراجع:

* فرانس كافكا (الألمانية: Franz Kafka) (3 يوليو 1883 – 3 يونيو 1924) وتشير له بعض المصادر باسم فرانز كافكا هو كاتب تشيكي يهودي كتب بالألمانية، رائد الكتابة الكابوسية. يُعدّ أحد أفضل أدباء الألمان في فن الرواية والقصة القصيرة تُصنّف أعماله بكونها واقعيّة عجائبية. عادةً ما تتضمّن قصصه أبطالاً غريبي الأطوار يجدونَ أنفسهم وسطَ مأزِقٍ ما في مشهدٍ سرياليّ، يُعزى ذلك للمواضيع النفسية التي يتناولها في أعمالِه مثل الاغتراب الاجتماعي والقلق والذعر والشعور بالذنب والعبثيّة. أكثر أعماله شُهرةً هي رواية المسخ، والمحاكمة، والقلعة. وقد ظهر في الأدب مصطلح الكافكاوية رمزاً إلى الكتابة الحداثية الممتلئة بالسوداوية والعبثية.

1- Franz Kafka, Le Procès, traduction d'Alexandre Vialatte, Gallimard, Paris, 1943.  راجع الطبعة العربية (فرانس كافكا، المحاكمــة، ترجمه عن الألمانيــة، إبراهيم وطفي، دار الحصاد للنشر والتوزيــع: (سوريا)، ط2 2004) ولا سيما مشاهد التحقيق والمحاكمة والنهاية.

2- Michel Foucault, Surveiller et punir, Gallimard, Paris, 1975.

3-Franz Kafka, La Métamorphose, traduction d'Alexandre Vialatte, Gallimard, Paris, 1938

4-Franz Kafka, Le Château, traduction d'Alexandre Vialatte, Gallimard, Paris

5-فراس كافكا، القلعة، ترجمه عن الألمانيــة، إبراهيم وطفي، دار الحصاد للنشر والتوزيــع: (سوريا) ط1 2014، ص ص، 257-258.

6-ألبير كامو، أسطورة سيزيف، ترجمة أنيس زكي حسَن، دار مكتبة الحياة، بيروت (لبنان)، ط1 1983.

7-هانس-غيورغ غادامير، الحقيقة والمنهج، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، 2007.

في المثقف اليوم