عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سعيف علي: من وهج التفاصيل إلى اتساع الكون

عتبات «أنفاس الحي العجوز» وبناء الصورة

مدخل: يضم ديوان «أنفاس الحي العجوز» لفاطمة كرومة، الصادر عن دار ميارة، ثماني وثلاثين قصيدة تتوزع بين البيت والحرب والقمر والصلاة والفصول. يسأل هذا المقال كيف تبني الشاعرة صورها، ويقترح جواباً. تبدأ القصيدة من شيء مألوف في متناول اليد، وتُخرجه من وظيفته المعتادة إلى علاقة لم تخطر على بال، فيصير قادراً على حمل العالم. ثم ينقلب الاتجاه في قصيدة الحرب، فيضيق العالم حتى تحمله فوهة بندقية. وعلى هذين الاتجاهين المتعاكسين يقوم المقال.

يبدأ بالعتبات ليرى ما تعد به، ثم يتتبع الآلية في ثلاث حركات، ثم يتوقف عند الوعاء الذي يضم الصور ثم يتبع ما يجاوز البيت من فصول وصلاة وحرب، ويختبر الفرضية أخيراً في قصيدة العنوان.

أولاً: العتبات

يُفتح الغلاف الخلفي على صورة كتاب: «السماء والأرض ورقتان من كتاب... قبل أن يُنشر قريباً على الملأ.. تُقلب صفحاته على شاشة» (الغلاف الخلفي، س1–6). وتذكر الأسطر التالية زمناً كان الخبر يصل فيه متأخراً على ظهر حمار وفي أرجل حمائم. فالكون يُقرأ منذ العتبة الأولى صفحاتٍ تُقلَّب، وتقف وسيلتان لحمل الخبر وجهاً لوجه: الحمار والحمائم من جهة، والشاشة من أخرى.

تتباين في الفهرس صياغات العناوين: اسم نكرة مفرد («حيرة»، «ارتياب»)، وجملة فعلية («أقرأ الطريق»)، وجملة منفية («لا أحد يفتح الكتب»)، وصلة بلا موصوف («هذا الذي يتغيّر»). وهذا التباين لا يكفي وحده دليلاًعلى تعدد المداخل الفنية، لكنه يهيّئ لما سنراه في المتون من بدايات مختلفة. ويضع الفهرس اسمين بين مزدوجين، «غوغل» و«قطة على سطح من صفيح ساخن» (ص75)، فيعلن عمّا استُعير من خارج الديوان.

أما العناوين التي تقرن الصغير بالكبير فتكشف الاتجاه الذي سيسلكه الديوان. يفتتح الديوان «قصائد قصيرة من أجل غابات كثيرة» (ص5). يجمع القصر والكثرة في اسم واحد، وتعيد الشاعرة العنوان داخل نصها حين تذكر أنها نشرت قصائد بهذا الاسم: «نشرت قصائدَ قصيرةً من أجل غاباتٍ كثيرةٍ» (ص6، س4). وتجاور رائحةُ غرف الأمهات (ص41) والخطوات الصغيرة (ص60) ورحيقُ ألف زهرة (ص45) عناوينَ تزوّج الصغير بالكبير: طفولة الأرض (ص38)، وردة للنجمة التي قد أصير (ص69). ويعود القمر والنجوم والسماء في خمسة عناوين على الأقل. هذا ما تعد به العتبات، وتبيّن المتون كيف يتم الانتقال.

ثانياً: الآلية في ثلاث حركات

الحركة الأولى: ما في متناول اليد

تبدأ الآلية من الأشياء القريبة. تؤجل الشاعرة الصلوات وتؤدي أشياء تشبهها بخشوع: «أؤجل الصلواتِ منذ أيام / أفعل أشياءَ كثيرةً تشبهها خاشعةً في أدائها / نظّفت البيت / طبخت للعائلة / طلبت العلم لغيري قبل نفسي» (ص5، س1–5). وحين تكتب تستعمل ما تقع عليه يداها: «استعملت كلّ ما تقع عليه يداي: / سكّينا، كروتَ الشّحن، أوراقَ أشجار جافةً» (ص6، س8–9). ولأنها لم تشترِ ثقالة ورق (س5)، تصدّ ريح النافذة بحجارة لفظها البحر: «في وجه الريح النافذة استعملت أحجارا لفظها البحر» (ص6، س6). تتغير هنا  وظيفة الحجارة، فتصير ثقالةً للورق بعد أن كانت بقايا للموج. وتحمي الكتابةَ هنا مادةٌ جاءت من البحر، فتجتمع الطبيعة والبيت والكتابة في صورة واحدة.

وتعرض في «أحاديث لم تقل» ما في بيتها على مخاطَبها: «عندي عسل ونبيذ / وأسماك فقدت حياتها عندي في المجلى... / تعالَ أعرّفك على نوافذي وشرفاتي» (ص10، س2–8). ثم يأتي بعد هذا كله «وأحاديث لم تُقل» (ص11، س5)، فتبدو المائدة العامرة مقدمةً لكلام يُترك دون قول. وتسمّي الشاعرة مادتها بنفسها حين تعد بقصائد عن وهج التفاصيل: «سأكتب أكثر قصائدي نضارة / عن وهج التفاصيل» (ص58، س3).

الحركة الثانية: توزيع جديد للعلاقات

تعيد الشاعرة بعد أن تجمع الأشياء القريبة، توزيع الأعضاء بينها. للسماء فم تُلقى فيه قطعة بيتزا، ويُطبق هذا الفم على أسرار ورغبات تائهة: «قطعة بيتزا ملتقطة في فم السّماء / المطبق على أسرار ورغبات تائهة» (ص56، س5–6). وللسماء نصف وجه بعين واحدة: «السّماء نصف وجه ذو عين واحدة» (ص56، س8). ويطلّ منها الهلال عيناً ناعسة: «الهلال من النافذة عين ناعسة» (ص56، س7)، وتسقي الأرض زرعها بعيونها: «أرض تسقي زرعها بعيونها الثّانية» (ص56، س11). وللطريق جلد يبدّله كما تبدّل الأفعى جلدها: «هذا الذي يتغيّر مثلما تغيّر أفعى جلودها لتنمو» (ص36، س2)، وله حلق تسقط فيه دمعة (س6).

ما يلفت النظر في ص56 أن العين نفسها تنتقل في ثلاثة أسطر من السماء إلى الهلال إلى الأرض. لا تكفي الصورةبإعارة الإنسان صفاته للأشياء، كما يفعل التشخيص المألوف. هي تجعل الأشياء تتبادل أعضاءها ووظائفها: ينظر الهلال بعين السماء، وتسقي الأرض بعيونها، ويأخذ الطريق جلد الأفعى وحلق الإنسان. وفي هذا التبادل ما يميّز طريقة الشاعرة، فالعضو الواحد يمر بين كائنات متباعدة دون أن يستقر في أحدها.

تتجاور في ص56 صورتان متتاليتان: قطعة البيتزا الطريفة، ثم الفم المطبق على الأسرار. ينتقل المعنى بين السطرين من المائدة إلى المكتوم، ولا أحمّل البيتزا نفسها أكثر مما يقوله النص.

الحركة الثالثة: اتساع الصورة

تبلغ الآلية أوضح صورها في قصيدة «حيرة». يحتضن الفضاء القمر مثل بويضة داخل رحم دافئ: «القمر لؤلؤة تحمل الضّياء والحياة إلى الأرض / يحتضنها الفضاء مثل بويضة داخل رحم دافئ» (ص37، س2)، ويحتضن حوض إسمنتي زهرة عطرشاء: «الحوض الإسمنتي يحتضن زهرة عطرشاء» (ص37، س5). فيتكرر الفعل مع حاضنين متباعدين في الحجم. ثم يلفّ ضوء أرجواني الزهرة: «يلقّها ضياء أرجواني» (ص37، س6)، ويخترق ضوء نبتة السكون في الليل: «ضوء نبتة في اللّيل يخترق السّكون» (ص37، س7)، ويتكامل الكون (س8). وبعد ذلك يزهر القمر بلون الدم: «يزهر القمر بلون الدّم» (ص37، س9). فيبلغ الكون تمامه بعد ضوء نبتة صغيرة، ويعبر فعل النبات «يزهر» إلى القمر، فتتبادل الأشياء وظائفها.

يتسع الأمر في ص64 بفعل واحد: «بجنون تراقص الرّياح الأشجار / الأمواج تلاطم الشّاطئ / يرقص قلبي على الموسيقى» (س1–3)، ثم تدور الأرض وتتبادل الشمس والقمر الخطوات (س4–5). يعبر الرقص المقاييس كلها وهو على حاله. وتجتمع ثلاثة مقاييس في سطر من ص9: «ومفاتيحُ مدينة مسروقةٌ من السّماء» (س2). أما مرور الماء على الصخور فيتحول في ص65 إلى ما تطلبه المتكلمة من الموسيقى: «مرّي بي مثلما يمر الماء بالصخور فينعّمها» (س2).

ثالثاً: الوعاء

تُظهر الأمثلة أن الصورة تحتاج إلى مكان يضمها، وهو معنى يتكرر في الديوان. رحم يضم قمراً (ص37، س2)، وبحر تنجو منه الطفلة (ص65، س8): «داخل بحرها المتلاطم / الفتاة التي هامت في كرنفال». وبيت وثوب وإله تتخفى المتكلمة داخلها: «تذكّرت التخفّي داخل البيت / داخل ثوب / داخل الله» (ص7، س1–3).  يكبرالوعاء  درجةً بعد درجة، من البيت إلى الثوب إلى الله، وكل واحد منها يتسع لما يفوق طاقته الظاهرة. وتقود هذه الحركة إلى سؤال لا مفر منه: ماذا يحدث حين يضيق الوعاء بدل أن يتسع؟ سيأتي جوابه في قصيدة الحرب. وقبل ذلك ننظر في الجدار الذي يصل هذه الأوعية بما حولها.

رابعاً: النافذة والهواء

تصل النافذة البيتَ بما حوله، وفيها تنتقل الصور من الداخل إلى الخارج. تدخل منها ريح في ص6 (س6)، ويطلّ منها الهلال في ص56 (س7)، وتنتهي ص57 بفكرة نافذة من زجاج معشّق (س9): «مثل نوافذ زجاج معشّق / شكّلت فكرتي المرة نافذة بزجاج معشّق». وقد سبق ذلك قولها إنها وصفت مدناً لم تزرها (س2).

أما الهواء فيتكرر في الديوان، وتختلف وظيفته من موضع إلى آخر:

- العبور: تصل الشاعرة بين نسمة وأخرى: «يمكننا عبورها ووصل نسمة بأخرى» (ص9، س5).

- البداية: تبدأ الحياة بالهبوب في قصيدة العنوان (ص78، س2).

- المفارقة: «تغرق سفينة في الهواء» (ص58، س6)، فيحمل الهواء ما يحمله الماء عادة.

- الانكماش: يُحشر العالم في ذرة هواء (ص53، س7)..

خامساً: ما يجاوز البيت

يتجاوز الديوانُ البيتَ إلى مواد أخرى لا تعبر النافذة بالضرورة، ويمكن أن نتتبع منها ثلاثاً: الفصول، والصلاة، والحرب.

الفصول

تمر الفصول الأربعة في قصائد متفرقة. يأتي الربيع والثلج في ص53 (س8–10): «كنت أظنّه سيزهر قريبا مع الرّبيع / وأنّه ربيع حقيقي / وتحت الثّلج عشب أخضر». وتحضر ليلة الصيف في عنوان ص56، ويحضر الخريف في ص68 (س6–7). ويأتي الشتاء مؤجلاً: «عندي مطرّيات ومعاطفُ صوفيّةٌ / للشّتاء القادم» (ص11، س3).

الصلاة

الصلاة المؤجلة هي أول ما يلقانا في الديوان (ص5، س1–2). وحين تصلّي الشاعرة تتذكر أنها تتخفى داخل البيت وداخل ثوب وداخل الله (ص7، س1–3). ثم تواجه الله بكل ما في العري من إطلاق: «أنا التي أواجهه بكلّ ما في العري من إطلاقٍ / بكلّ ما فيه من تخفّفٍ» (س4–5)، وتريد لروحها أن يتقبلها الله كما يتقبل الشاعر قصيدته: «تروم روحي التّعرّي / وأن يتقبّلها الله / مثلما يتقبّل شاعر قصيدته» (س8–9). في هذين السطرين يقترن العري بالقبول، ويقترن القبول بالكتابة، فتصير الروح قصيدة تُعرض بلا حجاب.

تنقلب العلاقة بين الروح والله في ص64. ففي ص7 تتخفى المتكلمة داخل الله، وفي ص64 يعمل الله في روحها: «ينحت الله روحي / حبيبي يصقلها» (س8–9). ويشترك في السطرين فاعلان على الروح نفسها، ويختلف فعلاهما: النحت يعطي الشكل، والصقل يُنعم السطح. فمن الحبيب؟ وهل هو آخر غير الله يتدخل في تشكيل الروح بعد أن يبدأ الله النحت؟ يترك النص السؤالين مفتوحين، ولا أحسم هوية الحبيب بأكثر مما يقوله السطر. لكن ما يثبته النص أن الروح لا تتشكل بيد واحدة: يد تنحت، ويد تصقل، وروح تطلب أن تُقبل عارية كما تُقبل القصيدة.

ولا يستقر الملاذ بعد ذلك. تنجو الطفلة في ص65 من بحر قد يكون بحر الموسيقى نفسها (س6–8)، ويعود الخريف ويخاف الأهل في ص68 (س6–9).

الحرب

آخر ما يجاوز البيت هو الحرب، وفيها تُختبر الآلية. تصل الحرب إلى البيت صغيرةَ الحجم: تسمع المتكلمة «وجبلة بدايات حروب / تمتمة ضوضاء في الخارج» (ص65، س3–4)، وتتحدث الأجيال بعدنا عن نزاعات الشاشات: «ستتحدّث الأجيال بعدنا عن النّزاعات في الشّاشات» (ص52، س7–8). وتخوض هي حروباً صغيرة ضد نفسها لتنتصر على حروب كبيرة: «تقودني حروب صغيرة / أقودها ضدّ نفسي / لانتضار على حروب كبيرة» (ص53، س1–3).

يعكس مقطح  «العالم محشور في فوهة بندقيّة / في نتوءات دبّابة / في عين كاميرا / في ذرّة هواء» (ص53، س4–7). ما رأيناه في ص37. هناك اتسع التفصيل حتى حمل الكون، وهنا ضاق العالم حتى حملته فوهة وعين كاميرا وذرة هواء. فالاتساع والانحشار لا يتعارضان، وإنما هما وجهان لطريقة واحدة في بناء الصورة: الطريقة التي تفتح الكون في «حيرة» تضيّقه في قصيدة الحرب. وتعود ذرة الهواء في آخر المقطع، فتكون هي وعاء العالم المحشور بعد أن كان الهواء عبوراً وبداية ومفارقة.

سادساً: قصيدة العنوان

تتألف القصيدة التي أعطت قصيدة الديوان ص78 اسمه من ثمانية أسطر. تفتتحها بالمكان (س1)، ثم تنتقل أفعالها المضارعة بين الهواء والضوء والمنزل والزمن. تبدأ الحياة في الهبوب مع نسمات سبتمبر الرطبة (س2–3)، وتبدو الشمس أنعم (س4)، ويتغير مذاق القهوة (س5)، ويبدأ عدّاد الزمن في النزول (س6)، ثم يغادر الصيف مهرولاً نحو مكان تختفي فيه الفصول (س7–8). ولا ترد كلمة «أنفاس» في النص، وتحل محلها الريح والنسمات.تنتقل القصيدة في ثمانية أسطر من مذاق فنجان إلى اختفاء الفصول، وهذه هي الحركة التي تتبعناها في الديوان كله.

تسبقها بعشرين صفحة قصيدة تفتتح بالعبارة نفسها تقريباً، وفيها وعد. تكتب الشاعرة في هذا الحي العجوز أكثر قصائدها نضارة عن وهج التفاصيل: «في هذا الحي العجوز / سأكتب أكثر قصائدي نضارة / عن وهج التفاصيل» (ص58، س1–3). ثم تمتد جذور رقيقة إلى أقصى الأفق فوق سكة قطار مهجورة: «يمدّ جذوره الرقيقة أقصى الأفق / فوق سكّة القطار المهجورة» (س4–5)، وتغرق سفينة في الهواء (س6). ويبدو النص الأخير وفاءً بهذا الوعد.

خاتمة

تتبعت القراءة في المواضع التي شملتها حركةً تتكرر. حجارة لفظها البحر (ص6) تصير ثقالة لورق، وضوء نبتة (ص37) يُدخل الكون إلى تمامه، وفنجان قهوة (ص78) يتحول إلى اختفاء الفصول. في الاتجاه المعاكس يحشر العالم في فوهة بندقية (ص53). فالتفصيل الصغير يحمل العالم كله في موضع، والعالم كله ينحشر في تفصيل صغير في موضع آخر. وتظهر النافذة والهواء في كثير من هذه المواضع، دون أن أدّعي أنهما الرابط الوحيد بينها.

***

سعيف علي - تونس

في المثقف اليوم