قراءات نقدية

هناء عصام: قراءة نص "سِفرُ السَّالكينَ في لَيلِ الكَشْف" للدكتور عصام البرّام

النص الابداعي للشاعر الدكتور عصام البرّام ذا التاثير الزماني او المكاني، حيث لا نعرف ظروف ولادة النص ولا الكيفية، حتما يكون خزين الشاعر وثروته اللغوية هو ما يضيف الجمالية للنص. كتبتُ مقدمة عند شروعي بالكتابة وجدت الاستاذ نايف عبوش كتب تحت عنوان: (النص الإبداعي.. بين عفوية الانثيال وطقسية الإنشاء) في خيمة المثقف الغراء كتب ماجال بخاطر قلمي، فأكتفيتُ بما قرأت وحذفت نصي المقارب له، سلم نابل قلمك استاذ نايف. وانا اتجول مستمتعة بالنصوص وجدت اكثر من نوع بين نصوص الشاعر الدكتور البرّام

النص الوصفي

النص الاخباري

والنص الحواري

العنوان (سِّفر السالكين في ليل الكشف) له عمق واسع (سفر السالكين) فيه من المعنى طبقات بدايةً صوفي عرفاني وهي الرحلة الروحية ومعراج النفس.

يا صاحبي…

‏أن يبدأ الشاعر بالنداء

(يا صاحبي) بين القرب والصدق،

يقول: جلال الدين الرومي الروح التي فيها شيء من روحك تعرف كيف تخاطبك بلا كلمات وقيل عن السالكين أيضا (أبناء الوقت) سماهم ابن عربي (وهو شاعر صوفيّ وفيلسوف اندلسي مسلم) .

النص الحواري

أتعرفُ ما قالهُ لي الظِّلُّ حينَ انفصلَ عنّي؟

قال: “لم أعد أطيقُ أن أسيرَ خلفَك…

إنّ نورَكَ أوسعُ من ظنوني.”

فعلمتُ حينها

أنّ الطريقَ الذي أبحثُ عنه

كانَ يمشي في داخلي

ولم أكن أُصغي*.

الظل هنا ليس صورة صمّاء على الارض بلا ملامح، قرأته تعب السنين، ربما الأنا، بين حروف الشاعر غصة انه لم يتّبع النداء الداخلي، واخره اعتراف لم يصغِ،هنا تمام العودة.

وحدَهم الذينَ احترقتْ

أصابعُهم بشهوةِ المعرفة

شهوة المعرفة: اروع تعبير،تعبير يصف الشغف العميق والفضول المعرفي الذي يحرك الإنسان نحو الاكتشاف وليس اي اكتشاف بل الولّاد المُنتج، وبالتالي يوسع المدارك ويثري العقل، وما القلم ببعيد عن المعرفة.

يدركونَ أنّ النارَ ليستْ عدوًّا

بل كلمةٌ حارّة

تقولُ للإنسان: اقتربْ…

ولكن لتتطهّر،

لا لتهلك.

النار أُ م ّخبزتنا وعشق التنور و بركة طعامنا فعلا لاعداء منها تطهّر كل سوء ؛إلا في الاخرة (نار الله الموقدة) الهمزة(٦) هذه تُـهلِك،لامجال لها ان تطهر فقط.

* النص الاخباري

يا هذا…

في كلّ جرحٍ ممرٌّ سرّيّ يُفضي إلى الله

وفي كلّ خسارةٍ

ولادةٌ لا يراها إلّا من فتحَ نافذةَ قلبِهِ

على ليلٍ تسبحُ فيهِ أسماءٌ

لا تتجلّى

إلّا لمن عرفوا

أنّ الأرواحَ

أوسعُ من الخرائط.

نداء للنفس ..

كل نفوسنا تعاني تلك الممرات غالبا مانصل اليها بعد نصف قرن؛ نفتح النوافذ للصلح مع النفس والذات وترميم مافات نسبّح الله باسمائـِه وصفاته ولاخسارة مادام أدرك،

الفقد لا يُـفقده شيء، تبقى الارواح واسعة والنقية منها لاتحدها حدود ولاتحتويها حدود خرائط.

* قلتُ للغيم:

لماذا تمطرُ على الأرض

ولا تمطرُ على القلوب؟

فقال: “لأنّ القلوبَ

لا تزالُ تخافُ من الطوفان

الذي يحملُها إلى ذاتِها

وعندها فهمتُ

أنّ الفيضَ ليس ماءً،

بل معنى ينزلُ

حينَ يتهيّأ الوعي للاستقبال.

حوار شاعرنا مع الغيم ليس سؤالا عن المطر

بل عن الاستعداد، الغيوم عنوانها المطر دائما، ولا يبتّل الا من خرج بلا مظلة او فتح للمطر النوافذ، الارض لاتعترض تستعد تتعطش فتستقبل بنهم لتخضرّ وتكون نوروزا، اما القلوب كرَد فعل تبني اسوارا وسدودا من خوفٍ تأهبًا للقادم.

وقول الغيم:

لأن القلوب

لاتزال تخاف من الطوفان

الذي يحملها الى ذاتها)

هذا عمق بالفكر؛ ذاته عمق الفكر، لا نخاف الغرق المعتاد في الخارج فالحماية منه بالحسبان يخيفنا الغوص في اغوار الداخل ودهاليزه وعوالم الغرق غير الماء كثيرة ان تغرق بـ همّ وبالشوق أو الاشتياق وان كان تعبيرًا مجازيًا.

والطوفان الذي هو انكشاف، وجهًا لوجه الحقيقة بلا قناع، الفيض ليس سيل ماء بل هو معنى يصاغ ويقطر قطرة قطرةقطرة

حتى يتهيأ الوعي لإستقبال الطوفان

ومن هنا يكون:

الفيض وعيٌّ ينضج ولن يكون منحة .

النص الاخباري

إنّ الذينَ يهاجرون في الأرض كثيرون،

لكنّ الذين يهاجرون في أرواحِهم قليلون…

وقليلون جدًا من يعودونَ منها سالمين.

الهجرة في الارض انتقال جسد، وهجرة الروح انتقال هوية وقيم، ان تترك ماألِِفْـتَ نفسك فيه وان تنتزع منك يقينا متجذرا لتواجه اسئلة لاجواب لها عندك هذا سفر بحد ذاته ولاخراىط له.

(وقليلون جدا من يعودون منها سالمين)

من يعود لايعود كما كان غضا ترفا لينًا مطواعًا اما ان يعود مكسورا،

او ان يعود صلدًا.

التنقل بين النصوص بدأ ياشاعرنا من ظل وتمشيت نحو نور واقتربت من نار وعبرت جرحا وفتحت ابوابًا وسألت غيمة وتسير عند هجرة الروح. أنه صوت روح تعرف السفر والترحال جيدا.

يا انت

يامن اسمع في انفاسك

وقع اسئلة لم تولد بعد

تخاطب الساعي لك بسؤال قبل ان يدخل صومعة السؤال، والمتردد قبل ان يعترف بِـلَوعة الحيرة، هو نداء الى الوعي والادراك وهو في طور التكوّن.

(الحقيقة لاتعطىٰ)

صدقت

الحقيقة لاتعطى بل يؤَهَل القلب لإستقبالِها بتوّد.

الحقيقة هجرة شخصية لاجزء من كعكة او سهم بميراث.

الطريق لاينتهي عند باب

بل يبدأ من ورائه

كم وكم من باب اوصدناه خلفنا ظنا منّـا انها الخاتمة،وكان التجرد.. لنفتح قصة من باب جديد.

النص الاخباري

كما يبدأ النهار

من قلب الظلمة

لامن حافة الشرق

تقف كلماتي عند الشرق والتحوّل والعتمة والحيرة. اراها سيرة تحوّل وبدء مسير جديد.

رأيتُ في المنام

ملَكًا

يكتب على جبين طفل نازح:

لن يضيع هذا الضوء

ولو ضاعت منازله

قدرة تصويرية عااالية من الشاعر الطفل رمز النقاء والاستمرار، الطفولة براءة تدان بها قسوة العالم.

رغم النزوح؛ رغم الضياع وإن إنهار العالم الخارجي يبقى الضوء حيا متسربلا الى النفوس ليبعث الامل.

وأمًّا تنفض الغبار عن صدرها

صورة مؤلمة تجسد صبر الكون كله كله

ولإنها الأُم فهي تعيد ترتيب ما افسده الطوفان حبةً حبة.

السلام ليس اتفاقٌ دوليًا،

السلام انسجام بين الارادات، السلام سكون الداخل قبل هدوء الخارج

بل نفَسُ امّ

اختصر الشاعر اللغة بواسعِها.

*

وأنّ الحبَّ ليس رغبةً

بل طريقُ الخلاص.

*

الحب ليس رغبة او نزوة، الحب ليس شعور متجول بين جنبات النفس الحب سر الوجود وفيض امتلاء.

يا ساكني الجهاتِ الأربع…

اعلموا أنّ الفتنَ

لا تُطفِئها الكتبُ

ولا الجيوشُ

ولا الخطب،

بل يُطفئها

قلبٌ واحدٌ

حين يُقرّر أن يتّسعَ للعالم

* كما يتّسعُ البحرُ

لملايين الدموع

دونَ أن يغرق

ماؤه والدمع سيّان البحر .

الفتن تتفشى كالنار في الهشيم وواقعنا اليوم من دوي  القصف والعمائم هانئة في نوم عميييق. عساه يلم الكون قلب واحد.

في النهاية…

ما السَّيرُ إلّا

أن تخلعَ ظلَّك الأخير

وتقفَ عاريًا

أمام الحقيقة

وما الحقيقة

إلّا أن تُدركَ

أنّك أنتَ

والآخر

والسماء

والماء

والجرح

والندى…

وجهٌ واحدٌ يتجلّى بلا أسماء

***

اقول: التجلي أراقِـبُ الصمت، أستجدي الحقيقة.

***

هناء عصام - بغداد

 

في المثقف اليوم