عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

العيد معروفي: جوديث بتلر.. إزاحات الهوية ومفارقات الحياة القابلة للعيش

فرش تمهيدي: عندما تصبح الهُوية مسألة فلسفية

لا تقتصر مسألة الهوية على تعريف الإنسانية فحسب، بل تتناول أيضًا الظروف التي تسمح للفرد بالظهور في العالم ككيان مفهوم ومعترف به. فالبشر لا يدخلون الحياة الاجتماعية بهوية مكتملة، وذواتهم ليست مستقلة عن اللغة والتاريخ والعلاقات التي تتيح لهم إمكانية التعبير. بل تتشكل هويتهم ضمن عالم قائم، عالمٌ زاخرٌ بالمعايير والتصنيفات الراسخة التي تجعل بعض أشكال الوجود مألوفة ومقبولة، بينما يُنظر إلى أشكال أخرى بعين الريبة أو الاستبعاد. وفي هذا السياق الإشكالي تحديدًا تكمن أهمية مشروع جوديث بتلر* الفلسفي، وهو مشروعٌ يحوّل التأمل في الهوية من البحث عن أصل ثابت إلى دراسة الظروف الاجتماعية والسياسية التي تُنتجها وتُحدد إمكانية الاعتراف بها.

في "القاموس النقدي للنسوية**" الذي نُشر في فرنسا عام 2000، وردت جوديث بتلر في قسم "تشوهات النوع الاجتماعي" ضمن مدخل "الجنس والجندر". وتصف بتلر اضطراب النوع الاجتماعي بأنه "يتجاوز النوع الاجتماعي، مُشوشًا ومُثيرًا للاضطراب" فئتي الجنس والجنسانية، وتُعطي الأولوية "للجوانب الرمزية والخطابية والساخرة للنوع الاجتماعي على حساب الواقع المادي والتاريخي للاضطهاد الذي تُعاني منه النساء" (ص 197-198). في هذا القاموس، يُحصر موضوع العنصرية في سياق "العرق والأمة"، ويُذكر المثلية الجنسية بإيجاز ضمن الحركات النسوية، بينما تُتجاهل التطورات والتصويبات التي أدخلتها بتلر منذ عام 1980 على نظريتها الأدائية للنوع الاجتماعي. وبشكل عام، ظل النقد النسوي الراديكالي الأمريكي والبريطاني، والنقاشات الدائرة حول فئتي "النساء" و"النوع الاجتماعي"، وأهمية الدراسات ما بعد الاستعمارية ودراسات الكوير في هذه النقاشات، مجهولة إلى حد كبير في فرنسا حتى وقت قريب. لذا، فإن جوديث بتلر لم تخرج من "الخزانة" إلا الآن. بعد ما يقرب من عشرين عامًا من اللامبالاة، تُرجمت ستة من أعمالها مؤخرًا إلى الفرنسية. وقد حلّت الحماسة محل اللامبالاة منذ أن جمع كتاب "تفكيك النوع الاجتماعي" مقالات ومؤتمرات امتدت من عام 2000 إلى عام 2005.

لقد شكّل كتابها، المعنون بـــــــ" النسوية وتخريب الهوية (Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity)، الصادر عام ١٩٩٠، نقطة تحوّل حاسمة في الخطاب الفلسفي النسوي. لم تعد الهوية الجندرية تُعتبر حقيقة طبيعية ومطلقة تُعبّر عنها الثقافة فحسب، بل أصبحت موضوعًا للتحليل، يُفهم من خلال بنائها ضمن الخطابات والمعايير والممارسات الاجتماعية المتكررة. لا يعني هذا أن الجسد وهم لغوي أو أن الواقع المادي غير موجود، بل يعني أن فهم الجسد وتصنيفه وإضفاء المعنى الاجتماعي عليه أمر لا ينفصل عن التاريخ وعلاقات القوة.

يقول المترجم في هذا السياق:"ظهر كتاب قلق الجندر في عام 1990 بالإنكليزية، ثم أخذ طريقه إلى اللغات الأخرى، مثل الألمانية ثم الفرنسية والإسبانية، إلخ... مثل كل الكتب الحاسمة في تاريخ الفلسفة. لكن هذا المصير الطريف هو مقترن دوماً بخلفية تتوارى عن المساءلة عادة: إنها مسألة التلقي. لا تتلقى أي ثقافة كتاباً كبيراً إلا عندما تهيئها له من الداخل. ما عدا ذلك يمكن أن يظل ذلك الكتاب المكتوب أو المترجم ضيفاً ثقيلاً. إن تلقي الكتاب في فرنسا، على سبيل المثال، حيث اعتبر أن ترجمته «تأخرت» نسبياً إلى حد عام 2005 تأخراً تم فهمه على أنه -في مصطلح دريدا -نوع من «التأجيل» (différance) المقصود، ورغم الوشائج العديدة التي تربط بتلر بالثقافة الفرنسية، حيث هي تجيد الفرنسية وانشغلت في مبحث الدكتوراه على التلقي الفرنسي لفلسفة هيغل، هو لم يكن تلقياً نسوياً بالدرجة الأولى بل كان تلقياً جامعياً وفلسفياً. وأكثر من ذلك: كان هناك ممانعة أمام هذا التلقي إلى حد وصفه ليس بالمتأخر فحسب، بل بأنه ضربٌ من عدم التلقي أو القلق في التلقي". ¹

ولقــد أصبح اسم بتلر رمزًا استفزازيًا استوعب كل الإحراج المرتبط بذكر الجنس، وبالتالي أصبح شخصية عامة مثيرة للجدل؛ ليس لأنها فيلسوفة "نسوية"، بل لأنها أتت لتغير المشهد "النسوي" بما هو كذلك، وذلك لأنها محل نقــد لانتقادات من قبل "النسويات" أنفسهن.

كانت أول صدمة تجاه الكتاب هي شعور النسويات بأنه جاء كي يضع النزعة النسوية نفسها موضع سؤال. إذ كانت النظرية النسوية قد اعتبرت التمييز الواضح بين «الجنس» (sex) و«الجندر» (gender) هو حجر الزاوية في خطتها، وذلك يعني أن ثمة فرقاً علينا مواصلة التسليم به بين الجسم «الطبيعي» و«الدور» الثقافي. والحال أن بتلر قد استشكلت فكرة جسم «طبيعي» يوجد خارج الواقع الاجتماعي ² إذ بيّنت أن الجسم بشدة ضد أطروحة سيمون دو بوفوار:" أنه إذا قلنا إن الجســم هو موقف، مثلما تدعي، فإنه لا يُوجد ملجأ إلى جســـم لم يكن دوماً مؤولًا من خلال دلالات ثقافية؛ وبالتالي فإن الجنــس لم يكن يمكن أن يُعتبَر واقعة تشريحية سابقة على الخطاب. وبالفعل فإنه سوف يتبين أن الجنس، من حيث التعريف، هو جند منذ البداية. "3

من هنا، لا تنحصر أهمية بتلر في مُساءلة الحدود الفاصلة بين الذكورة والأنوثة، بل تتجاوزها إلى سؤال أكثر جذرية: كيف تتكوّن الذات داخل المعايير التي يمنحها الاعتراف، وكيف يمكنها أن تعيد مساءلة هذه المعايير من دون أن تتوهّم إمكان الانفصال التام عن العالم الذي أسهم في تشكيلها؟ إن المسألة، بهذا المعنى، ليست استبدال هوية بأخرى، بل تفكيك آليات إنتاج الهوية ذاتها، والكشف عن إمكانات التغيير التي تنفتح داخل ما يبدو ثابتًا ومغلقًا.

أولًا: إزاحات الهُوية من الجوهر إلى التشكّل الاجتماعي.

تبدأ الإزاحة البتلرية من نقد التصور الذي يجعل الهوية تعبيرًا عن جوهر سابق على العلاقات الاجتماعية. فحين نتحدث عن هوية أنثوية أو ذكورية باعتبارها حقيقة مكتملة ومستقرة، فإننا نخاطر بتحويل أنماط تاريخية من السلوك والتوقعات الاجتماعية إلى خصائص طبيعية لا تقبل النقاش. وما يبدو بديهيًا في الحياة اليومية قد يكون، في حقيقة الأمر، نتيجة تاريخ طويل من التربية والتكرار والتطبيع؛ إذ تتعلم الذات كيف تتحدث وتتحرك وتلبس وتعبّر عن رغباتها ضمن حدود ترسمها البيئة الاجتماعية، ثم تنسى تدريجيًا الطابع التاريخي لهذه الحدود، فتتعامل معها كما لو كانت امتدادًا مباشرًا للطبيعة.

تستند بتلر، في هذا السياق، إلى حوار نقدي مع الفينومينولوجيا والنسوية الفرنسية وتحليلات ميشال فوكو للسلطة، لتبيّن أن الجندر لا يعمل بوصفه صفة داخلية مستقلة عن العالم، وإنما يتشكل عبر ممارسات متكررة تمنحه مظهر الثبات. فالهوية لا تُنجز مرة واحدة، بل تُعاد صياغتها في الأفعال والإيماءات واللغة والتوقعات الاجتماعية التي تتراكم حتى يبدو الناتج وكأنه أصل سابق على تلك الممارسات.4

لكن هذه الفكرة تتطلب بعض التوضيح: لا تدّعي بتلر أن الأفراد يختارون هويتهم بحرية، كما يختار المرء ملابسه متى شاء. بل تؤكد أن الأفعال التي تُشكّل النوع الاجتماعي متأصلة في ظروف اجتماعية لا يختارها الفرد في البداية. فنحن لا ننتمي إلى العالم الاجتماعي، ولا نمتلك لغتنا الخاصة قبل دخوله؛ بل نتلقى معايير موجودة مسبقًا، لكننا نعيد إنتاجها بطرق لا تتوافق دائمًا مع غايتها الأصلية. وفي هذه الفجوة بين المعيار وتكراره يكمن احتمال التحوّل.

وعليه، فإن تفكيك الهوية لا يعني إلغاء كل أشكال الانتماء أو تحويل الإنسان إلى ذات بلا تاريخ، بل يعني تحرير التفكير من الاعتقاد بأن الانتماءات القائمة تمتلك شرعية طبيعية نهائية. فالهوية، في المنظور البتلري، ليست سجنًا مغلقًا ولا اختيارًا فرديًا مطلقًا؛ إنها مجال متوتر تتقاطع فيه علاقات السلطة مع إمكانات الفعل والمقاومة. ومن ثمّ، فإن السؤال النقدي لا يعود: ما الهوية الحقيقية التي ينبغي أن نكتشفها؟ بل: ما الشروط التي جعلت هوية بعينها تبدو طبيعية، وما الإمكانات التي تستعيدها الذات حين تتوقف عن التعامل مع هذه الشروط بوصفها حقائق أبدية؟

ثانيًا: الأداء الجندري ومُفارقة الحرية داخل المعيار.

يحتل مفهوم الأداء الجندري، أو الأدائية Performativity، مكانة محورية في فلسفة بتلر. ومع ذلك، من الضروري التمييز بين الأداء، بوصفه فعلاً مقصوداً ينبع من ذات مكتملة، وبين الأدائيية، بوصفها العملية التي تُبنى من خلالها هذه الذات نفسها. لا يتعلق الأمر كثيراً بتولي الشخص دوراً اجتماعياً بوعي، بل إن تكرار الأفعال والمعايير يُسهم في تكوين الصورة التي نفهم من خلالها أنفسنا والآخرين.

إن ما نعتبره تعبيرًا طبيعيًا عن الهوية قد يكون أثرًا لتكرار اجتماعي طويل، اكتسب قوته من اعتياده ومن العقوبات الرمزية والمادية التي تحرس حدوده. وهكذا، لا تعمل السلطة فقط عن طريق المنع والقمع، بل تعمل أيضًا عبر إنتاج المعايير التي تحدد ما يبدو معقولًا ومقبولًا وقابلًا للفهم. وفي هذا المستوى، يلتقي مشروع بتلر مع التحليل الفوكوي للسلطة المنتجة، مع احتفاظه باهتمام خاص بكيفية تشكل الذات الجندرية داخل هذه العلاقات.

على الرغـــم من أن النقد الجينالوجي للنزعة التأسيسية الذي قام به فوكو قــد قاد هذه القراءة لليفي ستروس وفرويـــد ومصفوفة الجنسانيــة الغيرية، فإنه ثمة حاجة إلى أن نفهم على نحو أكثر دقة كيف يكون من شأن القانون الحقوقي للتحليل جر المنظرات النسويات إلى التفسير الذي قدمه التحليل النفسي عن الاختلاف الجنسي، وذلك في شطر منه لأنـــه يبدو أن الديناميكا الأودبية وقبل ــــــــ الأودبية تمنح طريقة لارتسام البناء الأولي للجندر.5   نقد على طراز فوكو. إن كونها هي نفسها في وقت لاحق سوف تمتلك طرح فوكو من أجل عملها على نظرية جنسية جذرية هو أمر يثير السؤال بشكل ارتجاعي بأي وجه قد يمكن إعادة كتابة تلك المقالة المتوترة في الإطار الذي وضعه فوكو.

يندرج تحليل فوكو لإمكانات القانون المتشدد والمنتج ضمن إطار نظرية التسامي، التي بدأها فرويد في كتابه "الحضارة وسخطها" وأعاد ماركوز تفسيرها في كتابه "إيروس وتاريخ الحضارة". وقد حدد كل من فرويد وماركوز المحرمات والممارسات الثقافية باعتبارها المحفز المحدد للتسامي -المحفز لإيروس المتسامي. وبينما رأى فرويد أن تسامي الجنسانية نتاجٌ لسخط عام، أخضع ماركوز، على النقيض من ذلك، إيروس للبراغماتية الأفلاطونية، ورأى في فعل التسامي أسمى تعبير عن الروح الإنسانية6.   وفي ابتعاد جذري عن هذه النظريات عن التصعيد، يحاجج فوكو، مع ذلك، باسم قانون تحريري من دون المصادرة على رغبة أصلية، وإن اشتغال هذا القانون هو مبرر ومؤطر عبر بناء تفسير سردي للجينالوجية الخاصة هي بالفعل تحجب انغماسها الخاص في علاقات السلطة. وبذلك فإن حظر سفاح القربى لن يقمع أي استعدادات أولية، بل سوف يخلق التمييز بين استعدادات «أولية» وأخرى «ثانوية» من أجل أن يصف وأن يعيد إنتاج التمييز بين جنسانية غيرية مشروعة وجنسانية مثلية غير مشروعة7.

وبقدر ما يرتبط الشوق بالمعايير الاجتماعية، فإنه يرتبط بمسألة السلطة، وبمسألة من يُمكن الاعتراف به كإنسان. إن "ممارسة" المرء لجنسه قد تنطوي أحيانًا على تفكيك المعايير السائدة للوجود الاجتماعي. إن سياسات التخريب التي طرحتها جوديث بتلر لا تفتح آفاقًا لإلغاء الجنس بقدر ما تفتح آفاقًا لعالم يُعاد فيه "تفكيك" الجنس، حيث تعمل معاييره بطريقة مختلفة تمامًا.

في كتابها "تفكيك النوع الاجتماعي Défaire le genre" "، تتناول جوديث بتلر تفكيك مفهوم النوع الاجتماعي ضمن إطار نظري وعملي شامل. وبالاستناد إلى النظريات النسوية ونظريات الكوير، تسعى إلى تتبع أصول بناء النوع الاجتماعي وتفكيك قبضة التطبيع التي تجعل حياة بعض الناس غير قابلة للعيش، أو بالكاد قابلة للعيش، من خلال استبعادهم من نطاق الممكن والمتصور. ومن خلال هذا النقد لمعايير النوع الاجتماعي، وبدرجات متفاوتة من النجاح، يهدف البحث إلى تحديد شروط استمرار أو إنتاج أشكال حياة أكثر استدامة وجاذبية وأقل عنفًا. 8

تركز جوديث بتلر بشكل خاص على تسليط الضوء على التناقضات التي يواجهها أولئك الذين يسعون إلى التفكير في النوع الاجتماعي وتغييره. ودون أن تدّعي دائمًا التغلب على هذه التناقضات، تقترح إمكانية معالجتها سياسيًا: "يجب أن يُوضع نقد معايير النوع الاجتماعي في سياق الحياة كما تُعاش، وأن يسترشد بسؤال ما الذي يزيد من فرص عيش حياة كريمة ويقلل من احتمالية عيش حياة لا تُطاق أو حتى الموت الاجتماعي أو الجسدي9".

لكن إذا كانت المعايير تسبق الذات وتشارك في بنائها، فهل تصبح الحرية مستحيلة؟ هذه إحدى أهم مفارقات مشروع بتلر: فإمكانية المقاومة لا تنشأ بمعزل تام عن السلطة، بل تنبثق من تكرار المعايير نفسها. لا يُعيد التكرار إنتاج الأصل بدقة ونهائية؛ بل قد ينحرف عن السياق الذي منح المعيار سلطته، ويكشف عن قصور ما يبدو طبيعيًا وثابتًا. ومن هذه الثغرات تنشأ إمكانيات إعادة التفسير والتغيير.

لا ينبغي، مع ذلك، تحويل هذا التصور إلى وعد سهل بالتحرر؛ فليس كل اختلاف مقاومة ناجحة، وليس كل خرق للمعيار قادرًا على تغيير البنية التي أنتجته. فقد تستوعب المؤسسات بعض أشكال الاختلاف وتحوّلها إلى أنماط جديدة من الاستهلاك أو التصنيف، وقد يدفع الخروج عن المعايير صاحبه إلى أشكال من العنف والإقصاء. لذلك تظل المقاومة عند بتلر ممارسة ملتبسة، تتطلب تحليل الشروط التي تجعل بعض الانحرافات ممكنة، فيما تجعل غيرها مكلفًا أو خطيرًا.

من هنا، تكتسب الأدائية قيمتها الفلسفية بوصفها مفهومًا يزعزع الاعتقاد بأن الهوية تمتلك أساسًا مكتملًا لا يتأثر بالتاريخ. فالذات ليست سيدة مطلقة لأفعالها، لكنها ليست أيضًا مجرد أثر سلبي لبنية مغلقة. إنها تتشكل داخل شبكة من العلاقات التي تقيدها وتتيح لها، في الوقت نفسه، إمكانات محدودة ومتفاوتة لإعادة تشكيل نفسها. والحرية، في هذا المنظور، ليست خروجًا سحريًا من الشروط الاجتماعية، بل ممارسة نقدية تستكشف حدودها وتعيد التفاوض بشأنها.

ثالثًا: الاعتراف وحدود الحياة الإنسانية

لا تكتمل قراءة الهوية عند بتلر من دون الانتقال إلى سؤال الاعتراف. فالمشكلة لا تتعلق فقط بكيفية تشكّل الذات، بل أيضًا بقدرتها على الظهور في المجال الاجتماعي بوصفها ذاتًا تستحق الفهم والاحترام والحماية. إذ لا تُمنح جميع أشكال الحياة الشروط نفسها للظهور، ولا تُعامل جميع الذوات باعتبارها متساوية في إمكان التعبير عن رغباتها أو الدفاع عن وجودها أو المطالبة بحقوقها.

إن المعايير الاجتماعية لا تصف الواقع فحسب، بل تشارك في تنظيمه، لأنها ترسم الحدود بين ما يُعترف به بوصفه إنسانيًا ومفهومًا، وما يُدفع إلى منطقة الالتباس أو الرفض. وقد يجد الفرد نفسه مضطرًا إلى تفسير وجوده والدفاع عنه أمام معايير لم يشارك في وضعها، لكنها تمتلك سلطة تقرير مدى شرعية حضوره. عند هذه النقطة، يتحول الاعتراف من مجرد تقدير اجتماعي إلى شرط من شروط إمكان الحياة المشتركة.

في كتابها فكّ الجندر (Undoing Gender)، تعود بتلر إلى هذه الإشكالية من خلال مساءلة المعايير التي تجعل بعض الحيوات صعبة العيش أو مستحيلة اجتماعيًا. ولا تعني هذه الاستحالة أن الحياة تنعدم بيولوجيًا، بل أن شروطها الاجتماعية قد تصبح شديدة القسوة، بحيث يُحرم الفرد من إمكان العيش بأمان وكرامة أو من بناء علاقة مفهومة مع ذاته والآخرين.

إن الاعتراف، بهذا المعنى، ليس دعوة إلى إدراج كل فرد داخل التصنيفات القائمة من دون مساءلتها؛ فقد يكون الاعتراف مشروطًا بأن يتخلى الإنسان عن جوانب أساسية من تجربته كي يصبح مقبولًا. ولذلك لا يكفي أن نطالب المجتمع بقبول المختلف إذا كان القبول لا يتحقق إلا بعد إخضاعه لمعيار واحد يحدد مسبقًا شكل الحياة الجديرة بالاحترام. إن الرهان النقدي يتمثل في إعادة النظر في المعيار نفسه، لا في توسيع حدوده فحسب.

ويكشف هذا التحليل عن مفارقة عميقة: تحتاج الذات إلى الاعتراف الاجتماعي كي تعيش، لكنها قد تضطر إلى مقاومة بعض الشروط التي ينظم المجتمع من خلالها هذا الاعتراف. إنها لا تستطيع أن تستغني تمامًا عن العالم الذي يمنحها اللغة والروابط والانتماء، لكنها لا تستطيع أيضًا أن تجعل كل معاييره مرجعًا نهائيًا للحقيقة والكرامة. ومن هنا، تصبح العدالة مسألة تتجاوز توزيع الحقوق داخل نظام قائم، لتشمل نقد الشروط التي تحدد مسبقًا من يستطيع الظهور بوصفه ذاتًا تستحق الحقوق.

رابعًا: الحياة القابلة للعيش وسؤال الأصالة

يكتسب عنوان هذه المقالة دلالته الأساسية من مفهوم الحياة القابلة للعيش، الذي يتيح الانتقال من سؤال الهوية إلى سؤال الشروط التي تجعل الحياة ممكنة ومحتملة وجديرة بالاستمرار. ففي محاضرتها التي صدرت بالفرنسية تحت عنوان Qu’est-ce qu’une vie bonne ?، انطلاقًا من نصها الإنجليزي «Can One Lead a Good Life in a Bad Life?» ضمن كتاب Notes Toward a Performative Theory of Assembly، تطرح بتلر سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا عن إمكان عيش حياة جيدة داخل عالم تحكمه علاقات اجتماعية واقتصادية غير عادلة.

لا يتعلق السؤال هنا بالبحث عن وصفة فردية للسعادة، ولا بالعودة إلى تصور مثالي يجعل الحياة الجيدة شأنًا شخصيًا منفصلًا عن شروط العالم. فالفرد لا يستطيع أن يحقق حياة ذات معنى في فراغ اجتماعي؛ إذ تتوقف إمكاناته على شبكات من الرعاية والاعتراف والعمل والسكن والأمان، وعلى مؤسسات قد تدعم قدرته على العيش أو تقوّضها. ومن ثمّ، فإن الحديث عن الحياة الجيدة لا ينفصل عن نقد البنى التي تجعل حياة بعض الأشخاص أكثر عرضة للهشاشة والحرمان من حياة غيرهم.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين الحياة القابلة للعيش والحياة الأصيلة. فالأصالة، إذا فُهمت باعتبارها عودة إلى ذات نقية ومستقلة عن المجتمع، تصطدم بحقيقة أن الذات تتشكل داخل اللغة والمعايير والعلاقات التي تمنحها إمكان فهم نفسها. أما الحياة القابلة للعيش، فلا تشترط العثور على جوهر خالص وراء هذه العلاقات، وإنما تقتضي بناء شروط تسمح للفرد بأن يعيش من دون أن يُجبر على إنكار وجوده أو إخفاء اختلافه كي يستحق الاعتراف.

بهذا المعنى، لا تكون الحياة الحقيقية نقيضًا بسيطًا لحياة زائفة، كما لو أن هناك حقيقة داخلية صافية تقابلها واجهة اجتماعية مخادعة. إن الزيف قد يكمن، بالأحرى، في ادعاء أن المعايير التاريخية التي تنظم الحياة الاجتماعية طبيعية ونهائية، وفي تقديم ترتيب اجتماعي مخصوص كما لو كان الصورة الوحيدة الممكنة للوجود الإنساني. لذلك يصبح السؤال عن الحياة الحقيقية سؤالًا نقديًا: كيف نعيش بكرامة داخل عالم لا نختار شروطه كاملة، وكيف نعيد تشكيل هذه الشروط حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للحرمان؟

ولا يعني ذلك أن بتلر تقدم نظرية مكتملة في الأصالة الوجودية، أو أنها تستعمل مفهوم الحياة القابلة للعيش مرادفًا مباشرًا لهايدغر أو لسارتر. إن المقاربة هنا تأويلية ومقارنة: نستثمر سؤال الأصالة لقراءة الرهان الأخلاقي والسياسي في فلسفتها، مع الاحتفاظ بخصوصية معجمها المفاهيمي. فالمهم ليس إثبات أن الحياة الحقيقية موجودة خلف الحياة الاجتماعية، بل مساءلة ما يجعل بعض أنماط العيش قابلة للاستمرار، فيما يُحاصر بعضها الآخر بالعنف والإنكار.

خامسًا: الهشاشة والاعتماد المتبادل وأخلاق التعايش

تتعمق المسألة في كتاب بتلر حياة هشة: سلطات الحداد والعنف (Precarious Life: The Powers of Mourning and Violence)، حيث تصبح الهشاشة مدخلًا إلى التفكير في الروابط الإنسانية وفي التفاوت السياسي بين الحيوات. فالإنسان ليس كائنًا مكتفيًا بذاته؛ إنه يولد داخل علاقات اعتماد، ويستمر بفضل شبكات من الرعاية واللغة والمؤسسات والعمل. وهذه الهشاشة ليست مجرد ضعف فردي ينبغي التخلص منه، بل هي شرط من شروط الوجود الإنساني المشترك.⁶

غير أن الاعتراف بالهشاشة المشتركة لا يعني أن البشر يتعرضون للأذى بالمقدار نفسه، أو أن إمكانات الحماية متساوية بينهم. فهناك فرق بين هشاشة وجودية يشترك فيها البشر، وبين أوضاع اجتماعية وسياسية تجعل بعضهم أكثر تعرضًا للعنف والحرمان من غيرهم. إن الفقر والحرب والتمييز والإقصاء ليست نتائج حتمية للهشاشة الإنسانية، بل عوامل تسهم في توزيعها بصورة غير عادلة، وفي تحويل قابلية الإنسان للأذى إلى وضع اجتماعي دائم.

وتتجلى هذه اللامساواة أيضًا في تحديد الحيوات التي يُعترف بفقدانها ويُحزن عليها. ففي بعض السياقات، يُمنح موت أشخاص بعينهم حضورًا أخلاقيًا وإعلاميًا واسعًا، بينما يمر موت آخرين في صمت، وكأن حياتهم لم تكن جديرة بالظهور منذ البداية. ومن هنا، لا يكون الحداد مجرد استجابة خاصة للفقد، بل يكشف عن البنية الرمزية والسياسية التي تحدد أي الحيوات تحظى بالقيمة العامة وأيها تبقى على هامش الاعتراف.

إن أخلاق التعايش التي يمكن استنباطها من هذا التحليل لا تقوم على محو الاختلافات أو ادعاء التطابق بين البشر، بل على الاعتراف بأن استقلال الفرد لا ينفي اعتماده على الآخرين. فنحن لا نختار جميع الشروط التي تجعل حياتنا ممكنة، ولا نمتلك سيادة مطلقة على ذواتنا؛ ولهذا لا يمكن بناء مجتمع عادل على أسطورة الاكتفاء الفردي، أو على تصور يجعل استحقاق الحماية مرتبطًا بمدى مطابقة الإنسان لمعايير الجماعة المهيمنة.

من هنا، يتخذ التعايش معنى يتجاوز التسامح الذي قد يحتفظ، في بعض صوره، بتراتبية ضمنية بين من يمنح القبول ومن يتلقاه. إنه يقتضي إعادة النظر في شروط الظهور والانتماء والحماية، بحيث لا يصبح الاختلاف مبررًا لنزع الإنسانية عن الآخر. وهذه ليست دعوة أخلاقية مجردة، بل مسألة سياسية تتعلق بالمؤسسات والقوانين والخطابات التي تنظّم توزيع الأمان والحقوق والموارد، وتحدد من يستطيع أن يعيش من دون خوف دائم من الإقصاء.

سادسًا: نحو سياسة تعيد توزيع إمكان الحياة

إذا كانت المعايير الاجتماعية تسهم في تحديد الحيوات التي يمكن فهمها والاعتراف بها، فإن نقدها لا ينبغي أن يتوقف عند مستوى الخطاب أو التمثيل الرمزي. فإمكان الحياة القابلة للعيش يرتبط أيضًا بالشروط المادية التي تسمح للإنسان بالسكن والعمل والحصول على الرعاية والحماية من العنف. ولا تكفي إعادة تعريف الهوية إذا ظل الفرد محرومًا من الموارد التي تتيح له المشاركة في العالم الاجتماعي على قدم المساواة مع الآخرين.

تتضح هذه الوجهة في كتاب بتلر تجمّع: التعددية والأدائية والسياسة (Notes Toward a Performative Theory of Assembly)، حيث تتناول ظهور الأجساد في المجال العام، وما يحمله الاجتماع الجماعي من مطالبة سياسية بالحق في الظهور. فالأجساد لا تحضر إلى الشارع باعتبارها ذواتًا منفصلة عن شروطها المادية؛ إنها تحتاج إلى فضاءات وموارد وشبكات دعم تسمح لها بالاجتماع والحركة والتعبير. وبذلك، لا ينحصر الفعل السياسي في الأقوال والشعارات، بل يتجسد أيضًا في حضور الأجساد نفسها، وفي إعلانها أن لها حقًا في المجال العام وفي شروط الحياة التي تجعل هذا الحضور ممكنًا.

ويكشف هذا التصور عن صلة وثيقة بين الجسد والسياسة: فالجسد الذي يُطلب منه أن يختفي، أو الذي يُحرم من الأمان والفضاء والموارد، لا يواجه مشكلة اعتراف رمزي فحسب، بل يواجه أيضًا حدودًا مادية مفروضة على وجوده. ومن ثمّ، فإن توسيع إمكانات الحياة القابلة للعيش يقتضي الجمع بين نقد المعايير التي تستبعد المختلف، ونقد المؤسسات والبنى التي تنتج الحرمان وتعيد توزيعه.

وهنا تتجاوز فلسفة بتلر حدود النقاش المتخصص في النوع الاجتماعي، لتفتح سؤالًا عامًا عن العدالة: ما الشروط التي تجعل المجتمع مكانًا يستطيع فيه أفراده العيش من دون أن يضطروا إلى تقديم تبرير دائم لوجودهم؟ وكيف يمكن بناء فضاء عام لا يُقاس فيه استحقاق الإنسان للحماية بمدى تشابهه مع صورة اجتماعية مهيمنة؟ إن الإجابة لا تكمن في إلغاء كل معيار، بل في إخضاع المعايير للمراجعة، وفي اختبار آثارها على إمكان الحياة والكرامة والمشاركة.

ومع ذلك، يظل من الضروري الإقرار بأن هذا المشروع لا يحل جميع المشكلات التي يطرحها. فالتأكيد على سيولة الهوية وقابلية المعايير للتغيير لا يقدّم وحده نظرية مكتملة لتوزيع الموارد أو تنظيم المؤسسات، كما أن إمكان إعادة تأويل المعايير لا يضمن تحقق تحول سياسي فعلي. لكن قوة بتلر تكمن في أنها تمنعنا من التعامل مع صور الإقصاء بوصفها نتائج طبيعية لا يمكن تغييرها، وتدفعنا إلى مساءلة العلاقة بين الاعتراف الرمزي والشروط المادية التي تجعل الاعتراف ذا معنى.

الخاتمة: الحياة الحقيقية بوصفها إمكانًا نقديًا.

تكشف قراءة جوديث بتلر أن سؤال الهُوية لا ينفصل عن سؤال الحياة التي يستطيع الإنسان أن يعيشها. فالهوية ليست جوهرًا مغلقًا خارج التاريخ، وإنما تتشكل داخل معايير وعلاقات قوة تمنحها قابلية الظهور والاعتراف، وتضع في الوقت نفسه حدودًا لما يمكن أن تكونه الذات. غير أن هذه المعايير، على الرغم من قدرتها على تنظيم الحياة الاجتماعية، ليست نهائية؛ إذ تحمل عمليات تكرارها إمكانات الانحراف وإعادة التأويل، بما يفتح المجال أمام أشكال جديدة من الوجود والعلاقات.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي فهم الحياة القابلة للعيش باعتبارها امتيازًا تمنحه الجماعة لمن يطابق صورتها عن الإنسان المقبول، بل باعتبارها أفقًا أخلاقيًا وسياسيًا يقتضي مساءلة الشروط التي تحرم بعض الذوات من الاعتراف والأمان والمشاركة. فالمجتمع لا يُختبر فقط بما يعلنه من مبادئ المساواة، وإنما أيضًا بما يتيحه فعليًا من إمكانات العيش، وبالطريقة التي يتعامل بها مع الحيوات التي لا تنسجم مع معاييره المهيمنة.

أما سؤال الحياة الحقيقية ضمن حياة زائفة، فلا تقودنا بتلر إلى البحث عن ذات نقية مختبئة خلف الأقنعة، بل إلى تفكيك ما يجعل القناع إلزاميًا، وما يحوّل معيارًا اجتماعيًا تاريخيًا إلى حقيقة تبدو أبدية. فالحياة الحقيقية، وفق هذه القراءة التأويلية، ليست خروجًا كاملًا من العالم الاجتماعي، وإنما القدرة على مساءلة شروطه والمشاركة في تغييرها، بحيث لا يصبح الاعتراف مكافأة على التشابه، ولا يتحول الاختلاف إلى عقوبة، ولا تُختزل كرامة الإنسان في مدى مطابقته لما تقرره السلطة عن الحياة الجديرة بأن تُعاش.

إن الإزاحة التي تنجزها فلسفة بتلر هي انتقال من سؤال «من أكون؟» إلى سؤال «ما العالم الذي يسمح لي بأن أكون؟»، ومن البحث عن هوية مكتملة إلى التفكير في شروط الاعتراف والحماية والتعايش. وفي هذا الانتقال تتجلى القيمة النقدية لمشروعها: إنه يجعل الحياة القابلة للعيش معيارًا لمساءلة المجتمع، ويضعنا أمام مسؤولية إعادة بناء عالم لا يكتفي بإدارة الاختلاف، بل يوسّع إمكانات الوجود الإنساني المشترك.

***

بقلم: الدكتور معروفي العيد

........................

الهوامش والمراجع:

* جوديث بتلر ( (Judith Butlerمواليد. 24 فبراير 1956) فيلسوفة أمريكية لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، نظرية النوع والمثلية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذة في قسم الأدب المقارن والبلاغة في جامعة كاليفورنيا (بركلي). حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من جامعة يل عام 1984، وكانت أطروحتها التي نشرت فيما بعد بعنوان موضوعات الرغبة: تأثيرات هگلي على فرنسا القرن العشرين. في أواخر الثمانينات تقلدت بتلر عدد من المناصب، وكان لها إسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية «المصطلحات الإفتراضية» للنسوية.

تناولت أبحاثها نظرية الأدب، والخيال الفلسفي المعاصر، والنسوية، ودراسات النوع والجنسانية، والأدب والفلسفة الأوروپية في القرن 20، كافكا والخسارة، الحداد والحرب. ركزت في أحدث أعمالها على الفلسفة اليهودية، مستكشفة الانتقادات التي وجهت لما قبل وبعد الصهيونية على عنف الدولة. سياسياً، تدعم بتلر بقوة حركة بي دي إس على إسرائيل.

** Nicole-Claude Mathieu, « Sexe et Genre », in Groupe d’étude sur la division sexuelle du travail, Dictionnaire critique du féminisme, Paris, Presses universitaires de France, 2000 : 197-198.

1.  جوديث بتلر، قلق الجندر: النسوية وتخريب الهوية، ترجمة، فتحي المسكيني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، (بيروت)، 2022، ص ص،15-16

2.  المصدر ذاته، ص، 16.

3.  المصدر نفسه، ص ص، 16-17.

-4Michel Foucault, Histoire de la sexualité, tome 1 : La Volonté de savoir, Paris, Gallimard, 1976.

أنظر أيضا كتابها قلق الجندر: الفصل الثالث «أفعال جسدية تخريبية2. فوكو، هوكولين، وسياسة التقطع الجنسي، ص ص، 221 إلى 247. وتفيد المقارنة هنا في فهم السلطة باعتبارها منتجة للمعايير والذوات، لا مجرد قوة تمنع الأفعال أو تقمعها.

5-المصدر السابق، ص، 187.

6-المصدر السابق، ص، 188.

7-المصدر السابق، ص، 188.

8., Judith Butler, Défaire le genre. Traduit de l’anglais (États-Unis) par Maxime Cervulle. Paris, Amsterdam, voir (introduction).

9- ibidem.

في المثقف اليوم