بقلم: إدوارد سعيد
ترجمة: علي أسعد وطفة (1)
جامعة الكويت – كلية التربية
***
تعريف:
في عام 1978، نشر إدوارد وديع سعيد (Edward W. Said: 1935-2003) كتابه الرئيس "الاستشراق". وقد تصدّى المفكر الأميركي الكبير، الفلسطيني الأصل، لإعادة بناء صورة "الشرق" على نحو يهدف إلى تبرير المشاريع الاستعمارية والاستعمارية الجديدة للغرب و ما زال متمسكًا بموقفه هذا مع مرور الزمن ومؤكدًا له إذ يرى أن التفاعل الثقافي مع الثقافات الأخرى أصيلةً تهذب الروح وتستبعد كل طموح إلى الهيمنة. هنا تكمن النزعة الإنسانية التي تشكل الحصن الأخير ضد البربرية.
ويعد إدوارد سعيد أحد كبار المفكرين في العصر الحديث، وهو مفكر وناقد أدبي فلسطيني أميركي، وُلد في القدس وتلقّى تعليمه في القاهرة والولايات المتحدة. وقد عمل أستاذًا للأدب الإنجليزي والمقارن في جامعة كولومبيا، ويُعدّ أحد أبرز المفكرين المؤسسين لدراسات الاستشراق ما بعد الاستعمار. وق اشتهر بكتابه «الاستشراق» (Orientalism)، الصادر عام 1978، الذي حلّل فيه الطريقة التي صوّر بها الفكر الغربي الشرقَ، مبيّنًا ارتباط كثير من هذه التصورات بالمشروعات الاستعمارية وعلاقات القوة والهيمنة. ومن أبرز مؤلفاته أيضًا: «الثقافة والإمبريالية: (Culture and Imperialism)، و«تغطية الإسلام" (Covering Islam)، و"العالم والنص والناقد" (The World, the Text, and the Critic)، وسيرته الذاتية «خارج المكان" (Out of Place).
دافع سعيد عن حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، ودعا في الوقت نفسه إلى التعايش والمساواة والاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كما عُرف بدفاعه عن النزعة الإنسانية والنقد العلماني، وبمقاومته للصور النمطية والتعصب القومي والديني. وقد ساهم مع الموسيقي دانيال بارنبويم (Daniel Barenboim) «في التاسيس لـ "أوركسترا الديوان الغربي الشرقي" (West–Eastern Divan Orchestra).، التي جمعت موسيقيين عربًا وإسرائيليين في مشروع ثقافي مشترك. توفي في نيويورك عام 2003 بعد صراع طويل مع مرض سرطان الدم.
بداية:
قبل تسع سنوات، كتبتُ خاتمةً إضافيةً لكتاب "الاستشراق"، تناولت فيها طبيعة السجالات العديدة التي أثارها الكتاب منذ صدوره عام 1978 وقمت بتفنيد التأويلات خاطئة التي مني بها من قبل المفكرين والنقاد. وإن كنت سابقا أواجه يواجه الانتقادات بالحدة والغضب، فإني الآن أمّا الآن أنظر إليها بشيء من السخرية والهدوء، وهذا التحول يدل على الهدوء الذي يفرضه النضج الناجم عن التقدم في العمر وليس على زوال الخلافات. ومما لا شك فيها أيضا أن الرحيلُ المؤلم لملهميّ الكبيرين إقبال أحمد, (Eqbal Ahmad) إبراهيم أبو لغد (Ibrahim Abu-Lughod). قد تركا في جرحا عميقا من الشعور الفارق بالأسى والحزن، ومع ذلك فإن هذا الرحيل الصاعق أورثني مزيدا من القوة والرغبة العنيدة في المضي قدما في رحاب الفكر الإنساني العميق ضد كل أشكال التفكير العنصري في هذا العالم الفسيح.
تصف سيرتي الذاتية، "خارج المكان" (À contre-voie)، العوالم الغريبة والمتناقضة التي نشأتُ فيها، وتعطي فكرةً عن التأثيرات التي خضعتُ لها خلال شبابي في فلسطين ومصر ولبنان. غير أن هذه السيرة لم تتوقف حتى بعد انخراطي السياسي، الذي بدأ عام 1967، أي عد حرب الأيام الستة. أما "الاستشراق" فهو أقرب بكثير إلى اضطرابات التاريخ المعاصر، إذ يُفتتح بوصفٍ، كُتب عام 1975، للحرب الأهلية في لبنان عام 1975 التي لم تنتهِ إلا عام 1990. ومع ذلك، فإن العنف وحمّامات الدم ما زالت مستمرةً حتى يومنا هذا. لقد فشلت عملية السلام التي أُطلقت في أوسلو، واندلعت الانتفاضة الثانية، وما زال الفلسطينيون يعانون آلامًا رهيبةً في الضفة الغربية التي أُعيد احتلالها، كما في قطاع غزة المنكوب.
وقد ظهرت ظاهرة التفجيرات الانتحارية بكل عواقبها البشعة، التي لا تقل فظاعةً ولا طابعًا قياميًّا عن أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما أعقبها من الحروب التي شُنّت على أفغانستان والعراق. وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور، يتواصل الاحتلال الإمبراطوري غير الشرعي للعراق من قِبل الولايات المتحدة وبريطانيا، مخلفًا آثارًا رهيبة. ويُفترض أن يكون كل ذلك جزءًا من "صدام الحضارات" لا نهاية له ولا يعرف الرحمة ولا رجعة عنه مع إنني أرفض هذه الفكرة رفضًا قاطعًا من حيث المبدأ.
وأودّ القول في هذا المقام إن الفهم العام لدى الأميركيين للشرق الأدنى والعرب والإسلام قد أحرز بعض التقدم. لكن الأمر، للأسف، ليس كذلك. ولأسباب عديدة، يبدو الوضع أفضل بكثير في أوروبا. ففي الولايات المتحدة، انعكس تصلّب المواقف، وتزايد سطوة التعميمات المتعالية والصور النمطية الانتصارية، وهيمنة سلطة غاشمة متحالفة مع ازدراء ساذج للمعارضين و"للآخرين"، في نهب المكتبات والمتاحف العراقية وتدميرها. ويبدو أن قادتنا وأتباعهم من المثقفين عاجزين عن فهم الفكرة التي تقول بأن التاريخ عصي على الذاكرة إذ لا يمكن محوه كما تُمحى سبورة سوداء كي نتمكن "نحن" من أن نكتب عليه مستقبلنا الخاص وأن نفرض نمط حياتنا على الشعوب "الدنيا".
كثيرًا ما نسمع كبار المسؤولين في واشنطن، أو في أماكن أخرى، يتحدثون عن إعادة رسم حدود الشرق الأدنى، كما لو أن مجتمعات ضاربةً في القِدم وسكانًا بهذا القدر من التنوع يمكن رجُّهم مثل حبّات الفول السوداني داخل مرطبان. ومع ذلك، فقد حدث هذا كثيرًا مع "الشرق"، ذلك البناء شبه الأسطوري الذي أُعيد تشكيله مرات عديدة منذ غزو نابليون لمصر في أواخر القرن الثامن عشر. وفي كل مرة، تُكنس رواسب التاريخ التي لا تُحصى، والحكايات التي لا تنتهي، والتنوع المذهل للثقافات واللغات والذوات الفردية؛ فيُنسى ذلك كله ويُقصى إلى الصحراء، شأنه شأن الكنوز المسروقة من بغداد والمحوَّلة إلى شظايا مجردة من كل معنى.
في رأيي، يصنع الرجال والنساء التاريخ، لكنه قد يُفكَّك أيضًا ويُعاد تدوينه، بواسطة الصمت والنسيان، والأشكال المفروضة والتشويهات المقبولة؛ على نحو يجعل شرقنا، أو "شرقنا" نحن، يصبح حقًا "ملكًا لنا"، فنتمكن من امتلاكه وإدارته. ويجب عليَّ أن أكرر القول إنه ليس لديَّ شرق "حقيقي" أدافع عنه. وفي المقابل، أكنّ أكبر قدر من الاحترام لقدرة هذه الشعوب على الدفاع عن رؤيتها الخاصة لما هي عليه، ولما تريد أن تصير إليه.
لقد شُنّت هجمات واسعة النطاق، ذات عدوانية مخططة، على المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة، واتُّهمت بالتخلّف، وغياب الديمقراطية، وعدم الاكتراث بحقوق النساء؛ إلى حدّ جعلنا ننسى أن مفاهيم مثل الحداثة والتنوير والديمقراطية ليست، بأي حال من الأحوال، مفاهيم بسيطة وأحادية المعنى، سينتهي كل شخص دائمًا إلى اكتشافها، مثل بيض عيد الفصح المخفي في حديقته. وقد أنتج الجهل المذهل لهؤلاء المروّجين الإعلاميين الشباب المتغطرسين، الذين يتحدثون باسم السياسة الخارجية من دون امتلاك أدنى معرفة حيّة، ولا أدنى إلمام بلغة الناس العاديين، مشهدًا قاحلًا مهيّأً لأن تبني عليه القوة الأميركية بديلًا زائفًا من "ديمقراطية" السوق الحرة. ولا حاجة إلى معرفة العربية أو الفارسية أو حتى الفرنسية، لكي يتفلسف المرء متعاليًا بشأن تأثير الدومينو الديمقراطي الذي يُفترض أن العالم العربي في أمسّ الحاجة إليه.
إن إرادة فهم الثقافات الأخرى، بغرض التعايش وتوسيع الأفق، لا علاقة لها بإرادة الهيمنة. ولا شك في أن هذه الحرب الإمبريالية، التي دبّرتها مجموعة صغيرة من المسؤولين الأميركيين غير المنتخبين، وشُنّت على ديكتاتورية من العالم الثالث سبق أن دُمّرت، لأسباب أيديولوجية مرتبطة بإرادة الهيمنة العالمية، والسيطرة الأمنية، والاستيلاء على الموارد الآخذة في الندرة؛ تُعدّ واحدةً من الكوارث الفكرية في التاريخ، ولا سيما لأنها بُرّرت وعُجّل بشنّها على أيدي مستشرقين خانوا رسالتهم بوصفهم باحثين. فقد مارس خبراء في العالمين العربي والإسلامي، من أمثال برنارد لويس وفؤاد عجمي، تأثيرًا كبيرًا في البنتاغون ومجلس الأمن القومي التابع للسيد جورج دبليو بوش؛ إذ ساعدوا الصقور على التفكير من خلال أفكار شديدة الغرابة والسخف، مثل "العقل العربي" أو "الانحطاط العلماني للإسلام".
في الوقت الراهن، تمتلئ المكتبات الأميركية بمجلدات ضخمة ذات عناوين مثيرة تتحدث عن الصلة بين "الإسلام والإرهاب"، و"الإسلام عاريًا"، و"التهديد العربي"، وغيرها من عناوين "المؤامرة الإسلامية"، كتبها مساجلون سياسيون يزعمون أنهم يستقون معلوماتهم من خبراء يُفترض أنهم نفذوا إلى روح هذه الأقوام الشرقية الغريبة. وقد استفاد دعاة الحرب هؤلاء من دعم قناتَي "سي إن إن" (CNN) و"فوكس نيوز" (Fox News)، فضلًا عن عدد لا يُحصى من الإذاعات الإنجيلية والمحافظة، والصحف الشعبية، بل حتى الصحف المحترمة، التي انشغلت جميعها بإعادة تدوير التعميمات نفسها، غير القابلة للتحقق، بغرض تعبئة "أميركا" ضد الشياطين الأجنبية.
ولولا هذا الانطباع الذي يجري ترسيخه بعناية، والقائل إن هذه الأقوام البعيدة ليست مثلنا "نحن" ولا تتقبل قيمنا "نحن" — وهي صور نمطية تشكّل جوهر العقيدة الاستشراقية — لما أمكن شنّ الحرب. لقد أحاط جميع أصحاب السلطة أنفسهم بمثل هؤلاء الباحثين المأجورين: الغزاة الهولنديون في ماليزيا وإندونيسيا، والجيوش البريطانية في الهند وبلاد ما بين النهرين ومصر وغرب أفريقيا، والقوات الفرنسية في الهند الصينية وشمال أفريقيا. أما الذين يقدمون المشورة إلى البنتاغون والبيت الأبيض، فيستخدمون الصور النمطية نفسها، والقوالب التحقيرية نفسها، والمسوغات نفسها لاستخدام القوة والعنف. وتردد الجوقة: "ففي نهاية المطاف، لا يفهم هؤلاء الناس سوى لغة القوة". ويُضاف إلى هؤلاء المستشارين في العراق جيش حقيقي من المتعهدين الخاصين، سيُعهد إليهم بكل شيء: من نشر الكتب المدرسية إلى صياغة الدستور وإعادة تشكيل الحياة السياسية، وصولًا إلى إعادة تنظيم صناعة النفط.
تزعم كل إمبراطورية جديدة دائمًا أنها تختلف عن الإمبراطوريات التي سبقتها، وتؤكد أن الظروف استثنائية، وأن مهمتها تتمثل في نشر الحضارة وإرساء النظام والديمقراطية، وأنها لا تستخدم القوة إلا بوصفها ملاذًا أخيرًا. والأشد إثارةً للحزن هو وجود مثقفين دائمًا يعثرون على كلمات لطيفة، ويتحدثون عن إمبراطوريات خيّرة أو إيثارية.
بعد خمسة وعشرين عامًا من صدور كتابي الاستشراق نجد أنفسنا مجبرين على التساؤل عمّا إذا كانت الإمبريالية الحديثة قد اختفت يومًا، أم إنها، في الواقع، لا تزال مستمرة منذ دخول بونابرت مصر قبل قرنين. لقد قيل للعرب والمسلمين إن نزعة التمركز حول دور الضحية والإصرار على الحديث عن أعمال النهب والتخريب التي ارتكبتها الإمبراطورية لا يمثّلان سوى وسيلة للتهرب من مسؤولياتهم الراهنة. ولكن المستشرق المعاصر يقول اليوم: "لقد فشلتم، ولقد أخطأتم".
يبدأ كل شيء مع بونابرت، ويتواصل مع تطور الدراسات الشرقية وغزو شمال أفريقيا؛ ثم تتطور أبحاث من النوع نفسه في فيتنام ومصر وفلسطين، وفي مطلع القرن العشرين، مع الصراع من أجل السيطرة على النفط والأراضي في الخليج والعراق وسوريا وفلسطين وأفغانستان. ثم يحلّ زمن ظهور مختلف النزعات القومية المناهضة للاستعمار، مرورًا بالمرحلة القصيرة لحركات الاستقلال التقدمية، وعصر الانقلابات العسكرية، والانتفاضات، والحروب الأهلية، وأشكال التعصب الديني، والصراعات غير العقلانية، وعودة الوحشية المطلقة ضد آخر جماعات "السكان الأصليين". وقد أفرزت كل مرحلة من هذه المراحل رؤيتها المشوّهة للآخر، وصورها الاختزالية، وسجالاتها العقيمة.
من خلال كتاب "الاستشراق"، أردتُ أن أستند إلى النقد الإنساني من أجل توسيع ميادين النضال الممكنة، وأن أستبدل بنوبات الغضب القصيرة وغير العقلانية، التي تسجننا، فكرًا وتحليلًا أكثر عمقًا وعلى مدى أبعد. وقد أطلقتُ على ما أحاول فعله بهذه الطريقة اسم "النزعة الإنسانية"، وهي كلمة ما زلتُ، بعناد، أستخدمها، على الرغم من الرفض الازدرائي الذي تقابلها به الانتقادات ما بعد الحداثية المتحذلقة.
أعني بالنزعة الإنسانية، أولًا، تلك الإرادة التي دفعت وليم بليك (William Blake) إلى تحطيم قيود عقولنا، لكي نستخدمها في تفكير تاريخي وعقلاني. وتتغذى النزعة الإنسانية أيضًا من شعور بالانتماء إلى جماعة تضم باحثين آخرين، ومجتمعات أخرى، وعصورًا أخرى؛ فلا وجود لإنسانيٍّ منعزل عن العالم. إن كل مجال مرتبط بجميع المجالات الأخرى، ولا يمكن لشيء مما يحدث في العالم أن يظل منعزلًا ونقيًّا من كل تأثير خارجي. وعلينا أن نتناول الظلم والمعاناة، ولكن ضمن سياق مندرج، على نطاق واسع، في التاريخ والثقافة والواقع الاجتماعي والاقتصادي. ويتمثل دورنا في توسيع مجال النقاش.
خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية، أمضيتُ جزءًا كبيرًا من حياتي مدافعًا عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، غير أنني حاولت دائمًا أن أفعل ذلك واضعًا الشعب اليهودي ومعاناته في الحسبان بصورة كاملة، من الاضطهادات إلى الإبادة الجماعية. وأكثر ما يهمني هو أن النضال من أجل المساواة بين إسرائيل وفلسطين ينبغي ألا يكون له سوى هدف إنساني واحد، هو التعايش، لا مواصلة الإقصاء والرفض.
وليس من قبيل المصادفة أنني بيّنتُ أن الاستشراق ومعاداة السامية الحديثة يمتلكان جذورًا مشتركة. ولذلك، فإن ابتكار نماذج بديلة من العقائد الضيقة والتبسيطية القائمة على العداء المتبادل، التي سادت في الشرق الأدنى وفي غيره منذ زمن طويل جدًا، يمثّل ضرورة حيوية لكل مثقف مستقل.
وبوصفي إنسانيًّا يعمل في مجال الأدب، فقد بلغتُ من العمر ما يكفي لأكون قد تلقيتُ، قبل أربعين عامًا، تعليمًا في الأدب المقارن تعود أفكاره المؤسسة إلى ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وينبغي أيضًا التذكير بالإسهام الأساسي لجيامباتيستا فيكو (Giambattista Vico)، الفيلسوف وفقيه اللغة النابولي، الذي استبقت أفكاره أفكار مفكرين ألمان مثل هيردر (Herder) وفولف (Wolf)، ثم تبنّاها غوته (Goethe)، وهومبولت (Humboldt)، وديلتاي (Dilthey)، ونيتشه (Nietzsche)، وغادامير (Gadamer)، وأخيرًا كبار فقهاء اللغة في القرن العشرين: إريش أورباخ (Erich Auerbach)، وليو سبيتزر (Leo Spitzer)، وإرنست روبرت كورتيوس (Ernst Robert Curtius).
بالنسبة إلى شباب الجيل الحالي، يوحي فقه اللغة بعلم قديم بقدر ما هو عتيق، في حين أنه أكثر مناهج التأويل أساسيةً وإبداعًا. وأروع مثال على ذلك اهتمام غوته بالإسلام، وبالشاعر حافظ الشيرازي (Hafiz) خصوصًا؛ فقد قادته هذه العاطفة الملتهبة إلى كتابة "الديوان الغربي الشرقي" (West-östlicher Divan)، وأثّرت في أفكاره حول "الأدب العالمي" (Weltliteratur)، أي دراسة آداب العالم جميعها بوصفها سيمفونيةً كليةً يمكن فهمها، نظريًّا، على نحو يحفظ فردية كل عمل، من دون إغفال الكل.
ومن المفارقات أن عالمنا المعولم يتقدم نحو ذلك التوحيد المعياري، وذلك التجانس اللذين كانت أفكار غوته تهدف تحديدًا إلى الحيلولة دونهما. ففي مقالته "فقه أدب العالم" (Philologie der Weltliteratur)، المنشورة عام 1951، حذّر إريش أورباخ من هذا التطور في بداية مرحلة ما بعد الحرب، التي شهدت أيضًا بزوغ الحرب الباردة. وكان كتابه الكبير "المحاكاة" (Mimésis)، المنشور في برن عام 1946، ولكنه كُتب في أثناء الحرب حين كان لاجئًا في إسطنبول، حيث كان يدرّس اللغات الرومانسية، يُراد له أن يكون شهادةً على التنوع والواقع المُمثَّلَين في الأدب الغربي، من هوميروس إلى فرجينيا وولف (Virginia Woolf). ومع ذلك، فعند إعادة قراءة مقالة عام 1951، ندرك أن كتاب أورباخ الكبير كان نشيدًا لعصر كانت النصوص تُحلَّل فيه بمصطلحات فقه اللغة، بطريقة عينية وحسّاسة وحدسية؛ عصر كان فيه التبحر العلمي والإتقان التام لعدد من اللغات يسهمان في ذلك الفهم الذي كان غوته ينادي به، من خلال فهمه الخاص للأدب الإسلامي.
كانت هذه المعرفة باللغات والتاريخ ضرورية، لكنها لم تكن كافيةً قط؛ تمامًا مثلما لا يشكّل مجرد تراكم الوقائع، على سبيل المثال، منهجًا ملائمًا لفهم ما يمثله مؤلف مثل دانتي (Dante). وكان المطلب الرئيس للمنهج الفيلولوجي، الذي تحدث عنه أورباخ وأسلافه وحاولوا ممارسته، يتمثّل في النفاذ، بطريقة ذاتية وتعاطفية، إلى المادة الحية للنص، انطلاقًا من منظور عصره ومؤلفه، أي "التقمص الوجداني" (Einfühlung)..
كان فقه اللغة، المطبَّق على "الأدب العالمي" (Weltliteratur)، يتنافى مع الابتعاد عن عصر آخر وثقافة مختلفة أو مع معاداتهما؛ إذ كان ينطوي على روح إنسانية عميقة تنفتح بسخاء، و— إن جاز لي استخدام هذه الكلمة — بضيافة. وينبغي لعقل الباحث أن يفسح دائمًا، وبفاعلية، مكانًا في داخله للآخر الغريب. وهذا الفعل الخلّاق المتمثل في الانفتاح على الآخر، الذي يظل لولاه غريبًا وبعيدًا، هو البعد الأهم في رسالة الباحث.
في ألمانيا، تعرّض ذلك كله، بطبيعة الحال، للاهتزاز، ثم دمّرته الاشتراكية القومية. وبعد الحرب، يلاحظ أورباخ بحزن أن توحيد الأفكار توحيدًا معياريًّا، والتخصص المتزايد باستمرار في المعارف، قد ضيّقا تدريجيًّا إمكانات ذلك النوع من أعمال البحث والتقصّي الدؤوبة التي كان يمثّلها. والأشد إثارةً للكآبة أنه منذ وفاة أورباخ عام 1957، فقدت فكرة البحث الإنساني وممارسته مكانتهما المركزية. فبدلًا من القراءة، بالمعنى الحقيقي للكلمة، يتعرض طلابنا باستمرار للتشتيت بفعل المعرفة المجزّأة المتاحة على الإنترنت، والتي تنشرها وسائل الإعلام الجماهيرية.
وهناك ما هو أخطر من ذلك. فالتعليم مهدَّد اليوم بالعقائد القومية والدينية الجامدة التي تنشرها وسائل الإعلام، والتي تركّز، بطريقة لا تاريخية ومثيرة، على الحروب الإلكترونية البعيدة، فتمنح المشاهدين انطباعًا بوجود "دقة جراحية"، وتحجب بذلك المعاناة الرهيبة وأعمال التدمير التي تولّدها الحرب الحديثة. ومن خلال شيطنة عدو مجهول تُلصق به صفة "الإرهابي"، بغرض إبقاء الرأي العام في حالة غضب، تُفرط الصور الإعلامية في تركيز الانتباه، ويمكن التلاعب بها بسهولة في أوقات الأزمات وانعدام الأمن، كما حدث بعد اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول.
وبوصفي أميركيًّا وعربيًّا، يتعيّن عليَّ أن أطلب من القارئ ألا يستهين أبدًا بذلك النوع من الرؤية التبسيطية للعالم، التي صاغها عدد قليل من المدنيين العاملين في البنتاغون لتحديد السياسة الأميركية في العالمين العربي والإسلامي بأكملهما. فالإرهاب، والحرب الوقائية، وتغيير الأنظمة بالقوة، وهي أمور أتاحتها أكبر ميزانية عسكرية في التاريخ، تمثّل الأفكار الوحيدة التي تناقشها بلا نهاية وسائل إعلام تنتج "خبراء" مزعومين لتسويغ التوجه العام للحكومة. لقد استُبدلت بالتفكير والمناقشة والحجاج العقلاني والمبادئ الأخلاقية القائمة على الرؤية العلمانية، التي ترى أن البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم، أفكارٌ مجردة تمجّد الاستثنائية الأميركية، أو الغربية، وتنكر أهمية السياق، وتنظر إلى الثقافات الأخرى بازدراء.
خطاب عالمي علماني وعقلاني
ربما يتهمني القارئ بإجراء انتقالات شديدة الفجائية بين التأويل الإنساني والسياسة الخارجية، ولا سيما حين أؤكد أن مجتمعًا متقدمًا تكنولوجيًّا، يمتلك، بقوة غير مسبوقة، الإنترنت والمقاتلة "إف-16" (F-16) في الوقت نفسه، لا بد أن يديره، في نهاية المطاف، خبراء تقنيون وسياسيون مقتدرون مثل السيد دونالد رامسفيلد (Donald Rumsfeld) أو السيد ريتشارد بيرل (Richard Perle). لكن ما فقدناه في الطريق هو الإحساس بكثافة الحياة الإنسانية وترابطها المتبادل، وهو ما لا يمكن أبدًا اختزاله في صيغة، ولا استبعاده بوصفه خارج الموضوع.
هذا جانب من جوانب النقاش العالمي. أما في البلدان العربية والإسلامية، فالوضع ليس أفضل كثيرًا. وكما بيّنت الصحافية رولا خلف (Roula Khalaf) في مقالة ممتازة، انزلقت المنطقة إلى نزعة معادية للولايات المتحدة، لا تُظهر إلا قدرًا ضئيلًا من فهم حقيقة المجتمع الأميركي. ولأن الحكومات عاجزة عن التأثير في موقف الولايات المتحدة تجاهها، فإنها تكرّس طاقتها كلها لقمع شعوبها والسيطرة عليها. ومن هنا تصاعد الاستياء والغضب واللعنات العاجزة، التي لا تسهم في انفتاح المجتمعات التي اكتسحت فيها الإخفاقات والإحباطات، إلى جانب إسلاموية تقوم على الحفظ عن ظهر قلب ومحو كل ما يُنظر إليه بوصفه أشكالًا أخرى منافسة من المعرفة الحديثة، الرؤيةَ العلمانية للتاريخ الإنساني والتطور.
لقد كان التلاشي التدريجي لتقليد الاجتهاد الإسلامي، أو التأويل الشخصي، إحدى الكوارث الثقافية الكبرى في عصرنا؛ إذ أدى إلى اختفاء كل تفكير نقدي، وكل مواجهة فردية مع الأسئلة التي يطرحها العالم المعاصر.
لا أدّعي أن العالم الثقافي قد تراجع ببساطة، فسقط، من جهة، في استشراق جديد عدواني، ومن جهة أخرى، في تعصّب مطلق. ففي أواخر أغسطس/آب 2002، كشفت قمة الأمم المتحدة في جوهانسبرغ، على الرغم من جميع حدودها، عن ظهور مجال واسع من الاهتمام العالمي المشترك، مبشّرةً بنشوء "دائرة انتخابية كوكبية" قادرة على بث روح جديدة في مفهوم "العالم الواحد" الذي أُفرط كثيرًا في ابتذاله. لكن، هنا أيضًا، ينبغي الإقرار بأنه لا أحد يستطيع معرفة الوحدة المركبة والاستثنائية لعالمنا المعولم، حتى وإن كانت الطبيعة المتكاملة على نحو متزايد لكل جزء من أجزائه تجعل عزل أحد هذه الأجزاء أمرًا صعبًا منذ الآن.
إن الصراعات الرهيبة التي أُشير إليها هنا، والتي تجمع السكان تحت رايات زائفة التوحيد، مثل "أميركا" أو "الغرب" أو "الإسلام"، وتختلق هويات جماعية لأفراد يختلفون، في الواقع، اختلافًا كبيرًا بعضهم عن بعض، لا يمكن أن تواصل أعمالها التدميرية. ولا بد من الوقوف في وجهها. وفي مواجهتها، لا تزال في حوزتنا قدراتنا التأويلية العقلانية، وهي إرث تربيتنا الإنسانية. ولا يتعلق الأمر هنا بتقوى عاطفية تدعونا إلى العودة إلى القيم التقليدية وإلى الأعمال الكلاسيكية، بل يتعلق حقًا باستئناف ممارسة خطاب عالمي علماني وعقلاني.
إن الفكر النقدي لا يمتثل للأمر بالاصطفاف في الصفوف للذهاب إلى الحرب ضد هذا العدو الرسمي أو ذاك. وبعيدًا عن صدام حضارات مصنوع سلفًا، ينبغي لنا أن نركّز على العمل المشترك البطيء بين ثقافات تتداخل، ويستعير بعضها من بعض، وتتعايش بطريقة أعمق بكثير مما توحي به أنماط الفهم الاختزالية والزائفة. غير أن هذا الشكل الأوسع من الإدراك يتطلب وقتًا، وبحوثًا صبورة ودائمة النقد، تغذيها الثقة بوجود جماعة فكرية يصعب الحفاظ عليها في عالم يقوم على فورية الفعل ورد الفعل.
تتغذى النزعة الإنسانية من المبادرة الفردية والحدس الشخصي، لا من الأفكار الجاهزة والامتثال للسلطة. وينبغي قراءة النصوص بوصفها نتاجات تعيش في التاريخ بصورة ملموسة.
وأخيرًا، وليس آخرًا، تمثّل النزعة الإنسانية حصننا الوحيد، بل أقول حصننا الأخير، في مواجهة الممارسات اللاإنسانية والمظالم التي تشوّه تاريخ البشرية. وأصبح في حوزتنا الآن ذلك الفضاء الديمقراطي المشجّع للغاية الذي يمثّله الفضاء السيبراني، المفتوح أمام الجميع على نطاق لم يكن في وسع الأجيال السابقة، ولا أي طاغية أو عقيدة جامدة، أن تتخيله يومًا. ولم يكن ممكنًا للمظاهرات العالمية التي سبقت الحرب على العراق أن تصبح حقيقةً واقعةً لولا وجود جماعات أخرى منتشرة في جميع أنحاء العالم، تغذيها معلومات مختلفة، وتعي القضايا البيئية وحقوق الإنسان، وكذلك التطلعات التحررية التي تجمعنا جميعًا على هذا الكوكب الصغير.
***
......................
المصدر: "لوموند ديبلوماتيك" (Le Monde diplomatique).
(1) - Edward W. Said, " L’humanisme, dernier rempart contre la barbarie ", Le Monde diplomatique, no 594, septembre 2003, pp. 20-21. Disponible en ligne: Le Monde diplomatique.








