عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عماد خالد رحمة: الإبداع بين وهج الإلهام وشروط الواقع

جدلية النفس والمجتمع في ولادة العبقرية

من يتتبّع المسيرة الإنسانية في شمولها، ويستقرئ صيرورة الحضارات وسيرورتها، يدركُ بيقينٍ أن الأمم التي خلّدها التاريخ، وارتسم لها حضورٌ باهر في مجراه الطويل، إنما كانت شعوبًا اعتنقت الإبداع عقيدةً وجودية، وتمثّلتهُ في الفكر والفلسفة، وفي العلم والفن على حدّ سواء. ولئن كان للإبداع هذا الدور الجوهري في نهضة الأمم واستمرارها، فقد غدا موضوعًا لأبحاث الفلاسفة والعلماء والمفكرين، سعيًا إلى فكّ طلاسمه، وتفسير جوهره، والوقوف على الأسباب والدوافع التي تدفع المبدعين إلى اجتراح عوالمهم الخاصة، وصياغة بصماتهم في مختلف ميادين الإبداع.

وفي خضم هذا التناول العميق، أُثيرت جملةٌ من الإشكاليات المحورية حول ماهية الإبداع، منها ما تجلّى على هيئة تساؤلات مقلقة: أهو عمليةٌ غامضة أشبه بالسحر، لا يحوز مفاتيحها سوى قلة من البشر تلامسهم نفحات الإلهام؟ أم أنّه ظاهرة وضعية لها شروطها الاجتماعية والأخلاقية، وتخضع لمعايير موضوعية قابلة للدرس؟ وبصيغةٍ أكثر تعقيدًا: هل ينبع الإبداع من أعماق النفس الإنسانية، أم أنّ جذوره ضاربة في التربة الاجتماعية التي ينشأ فيها الإنسان؟

لقد ذهبت طائفة من الباحثين إلى اعتبار الإبداع ظاهرة نفسية خالصة، تنبثق من خصوصيات الذات الفردية لا من المعايير الاجتماعية. فوفقًا لهذه الرؤية، يتجلّى الإبداع عند بعض الأفراد دون غيرهم، ويبرهن التاريخ على ذلك من خلال النماذج العبقرية التي بدّلت وجه الحضارة، والتي تمتّعت بسمات نفسية فريدة، وطاقات عقلية خارقة، وذكاء وقّاد، إضافة إلى شحنة انفعالية هائلة، سواء كانت حزناً أم فرحاً، تُلهب النفس وتدفعها إلى العمل الخلّاق. وقد عبّر عن هذا المعنى بجلاء "حجّة الإسلام" أبو حامد الغزالي حين قال: «إنّ الإلهام كالنور من سراج الغيب، يهبط على قلبٍ صافٍ لطيفٍ فارغ»، وهي رؤية موغلة في التأمل الصوفي والعرفان النفسي، جاءت وليدة تجربة روحية وعقلية عميقة.

وما عبّر عنه الغزالي لم يكن استثناءً، بل وجد صداه لدى عالم الطبيعة الفرنسي فيليب هنري غوس، الذي قال في لحظة انكشاف معرفي: «لقد نجحت، لا لأنني اجتهدتُ كثيرًا، بل كأنّ هبةً إلهية سطعت فجأةً وحلّت اللغز». تلك اللحظات البرقية التي يسمّيها البعض بالإشراق، هي لحظاتٌ خاطفة ينقدح فيها الإبداع خارج منطق العقل الصارم، لكنها تُحدث أثراً لا يُقاس بمقاييس زمنية أو عقلية.

وقد صوّر أفلاطون في محاورته الشهيرة "أيون" طبيعة الإبداع الشعري بوصفه هبةً ربانية، حيث قال: «إنّ الشاعر كائن أثيري، ذو جناحين، لا يمكنه أن يبدع قبل أن يُمسّ بالإلهام، فإذا حلّ به، سُلب عقله». ومثل ذلك ما نُقل عن الموسيقي ريتشارد فاغنر، الذي سمع في منامه اللحن الافتتاحي لعمله "ذهب الراين"، أو ما جرى للشاعر الإنجليزي كولردج، الذي استيقظ من حلم وراح يدوّن بإلحاح قصيدته "قبلاي خان"، حتى وصل إلى البيت الرابع والخمسين، فانطفأ وهج الإلهام فجأة، وتوقّف عن الكتابة ولم يعد للقصيدة أبدًا. وقد وصفها الناقد ستوبفورد بروك بأنها لا تضاهيها قصائد في سحر الإيقاع وعبقرية الصياغة.

لكن، ومهما بلغ الإلهام من سطوعٍ وغرابة، فإنّه لا يكفي وحده، بل لا بدّ له من مثابرةٍ وجهدٍ وتراكم معرفي. فالعالم الرياضي والفيزيائي الفرنسي جول هنري بوانكريه أشار إلى أنّ لحظات الكشف الرياضي لم تكن وليدة فراغ، بل جاءت بعد سنواتٍ من الاشتغال، لكنها تومض في لحظة دون سابق تخطيط. قال ببلاغة: «إن الحظ لا يواتي إلا النفس المهيّأة». ويؤكد الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون أن الإبداع هو انفجار داخلي يحدث في جوٍّ دافقٍ، محموم، لا في لحظات الهدوء والركود، فالعظماء والقديسون والعباقرة، حسب قوله، لا يبدعون مفاهيمهم السامية في لحظاتٍ باردة، بل في تيارات فكرية تتلاطم فيها الانفعالات والمفاهيم.

أما التحليل النفسي، لا سيّما في مدرسة فرويد، فقد انطلقت من فرضية مفادها أن الإبداع نتاجٌ للاشعور، وأنه تعبير عن صراعات نفسية مكبوتة تتخذ شكل sublimation أو "التسامي"، وهو المسار الذي يبدع من خلاله الفرد استجابات سامية لصراعات داخلية، هي نفسها التي قد تؤدي إلى العصاب في حال عدم حلّها. قال فرويد: «إنّ الرغبات الجنسية والعدوانية التي تتسبب في الأمراض النفسية، تتحوّل عند المبدع إلى طاقة خلاقة تثمر إنتاجًا إبداعيًا».

غير أن هذه المقاربات النفسية، رغم سحرها، لا تشكّل برهانًا حاسمًا على أنّ الإبداع هو فقط ظاهرة ذاتية، فالموهبة والذكاء وحدهما، إن لم يجدا بيئة خصبة تحتضنهما، فإنهما سرعان ما يذويان. كما أن الإلهام ليس محض خيال، بل يتغذّى من الواقع ويتجاوزه، فهو انعكاس لاحتكاك المبدع بالحياة، حتى وإن اتّخذ صورةً خيالية.

من جهة أخرى، ثمة رأيٌ موازٍ لا يقل وجاهة، يرى أنّ الإبداع ظاهرة اجتماعية، وأن المبدع لا يستقي مادته من ذاته وحدها، بل من واقعه الاجتماعي، وأنّ عمله هو في جوهره انعكاسٌ لحاجة المجتمع وتطوره. وقد ذهب إلى هذا الرأي عالم الاجتماع الفرنسي الكبير إميل دوركايم، الذي وضع للبناء السوسيولوجي منهجية دقيقة تمزج بين النظرية والتجريب. فهو يرى أنّ شروط الإبداع تتحكّم فيها عوامل اجتماعية موضوعية، تبدأ من الحاجة الجماعية، وتمتدّ إلى ما يتيحه المجتمع من فضاءاتٍ ومساحاتٍ للتعبير.

فالفرد، بحسب هذه النظرة، ليس كائنًا معزولًا، بل هو نتاج بيئته وتاريخه الجمعي، وكل إبداع يصدر عنه إنما هو مرآةٌ تعكس روح المجتمع وتطلعاته. فكما أنّ أدب الفروسية يُجسّد القيم القبلية من شجاعة وكرامة، فإنّ الابتكارات التقنية، كاختراع إديسون للمصباح الكهربائي أو مسجّل الصوت، لم تكن لتحدث لولا الحاجة المجتمعية التي فرضتها شروط العصر.

وهكذا، نخلص إلى أنّ الإبداع لا ينبثق من العدم، بل يتأسّس على معطيات واقعية تُشكّل مادته الأولى، ثم تُصاغ عبر خيالٍ خصب، وذهنٍ وقّاد، وموهبةٍ فطرية تُجيد الالتقاط والتركيب. إنه تلاقحٌ بين الذاتي والموضوعي، بين النفس والعالم، بين الحلم والواقع. والمبدع، في نهاية المطاف، هو من ينهل من هذا الواقع، لكنه لا يقف عنده، بل يسمو عليه، ويعيد خلقه في صورٍ جديدة، مدهشة، ومديدة الأثر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين