أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: في إشكالية بناء تصور عربي للعقل
الفكر المغربي المعاصر بين التعدد النظري وإمكانات التركيب
يستأنف سؤال العقل داخل التجربة المغربية المعاصرة حضوره بوصفه سؤالاً قلقاً لا يطمئن إلى جواب ومتوثباً لا يستقر عند حدّ. فهو ليس مفهوماً يُستدعى لتأثيث خطاب فلسفي جاهز بل إشكالاً يتخلّق كلما ظُنّ أنه استُوعب ويعيد ترتيب الحقول المعرفية كلما بدا أنه استقر في تعريف. وتتحدد قيمته بوصفه مركز ثقل في إعادة النظر في علاقة الفكر العربي بذاته وفي مساءلة إمكاناته التاريخية وفي اختبار قدرته على إنتاج مفاهيمه خارج التبعية الصامتة أو القطيعة المتسرعة. إن ما يجعل التجربة المغربية جديرة بالانتباه هو أنها لم تتعامل مع العقل باعتباره أداة محايدة بل بوصفه بنية متورطة في اللغة والتاريخ والسلطة والمعنى، ولذلك صار التفكير فيه تفكيراً في شروط إمكان الفكر ذاته.
غير أن هذا المسار على ما فيه من جرأة لم يفض إلى بناء نظرية عربية مكتملة للعقل بقدر ما أفضى إلى تعدد مشاريع كبرى تتجاور وتتقاطع وتتنازع أحياناً دون أن تندمج في نسق واحد. وتبرز هنا ثلاثة أسماء مركزية: محمد عابد الجابري، طه عبد الرحمن وعبد الله العروي. وهم ليسوا مجرد ممثلين لاتجاهات مختلفة بل هم تعبير عن ثلاث رؤى متباينة للعقل، ثلاث طرائق في مساءلته وثلاثة أفق فلسفية تتنازع تعريفه ومجاله ووظيفته.
عند الجابري العقل بنية تاريخية وجهاز مفاهيمي تشكّل داخل الثقافة العربية الإسلامية وفق شروط مخصوصة إذ لا وجود لعقل خارج التاريخ ولا لمعقولية مفارقة للسياق الذي أنتجها. ولذلك ينصرف إلى تحليل هذه البنية من الداخل فيفككها إلى أنساق: البيان والبرهان والعرفان. البيان يحكمه اللسان والنص، البرهان تؤطره آليات المنطق الأرسطي، العرفان يتأسس على الكشف والذوق. بهذا التقسيم لا يريد الجابري وصف التاريخ بل تشريح العقل ذاته كاشفاً عن آلياته الخفية وعن مواطن القوة والاختلال فيه. غير أن هذا المشروع رغم قوته التحليلية يواجه مأزقاً مزدوجاً: من جهة يُتهم بالاختزال حين يحوّل تاريخاً معقداً إلى ثلاث بنيات، ومن جهة أخرى يظل حبيس أفق إبستمولوجي يجعل من العقل البرهاني معياراً ضمنياً للتقدم وكأن مسار العقل ينبغي أن ينتهي إليه بالضرورة.
أما طه عبد الرحمن فينقض هذا الأفق من أساسه ولا يقبل اختزال العقل في الوظيفة البرهانية ولا يرى في البرهان غاية الفكر. العقل عند طه فعل أخلاقي قبل أن يكون أداة معرفية وهو لا يشتغل إلا داخل شبكة من القيم. وهو بهذا ينقل مركز الثقل من المعرفة إلى الفعل ومن البرهان إلى المسؤولية. العقل لا يُقاس بقدرته على الاستدلال فقط بل بقدرته على التخلق. وهنا يحدث الصدام العميق مع الجابري، فإذا كان هذا الأخير يطلب تحرير العقل من العرفان لصالح البرهان، فإن طه يعيد الاعتبار لما هو أبعد من البرهان دون أن يسقط في اللاعقل بل عبر توسيع مفهوم العقل ذاته ليشمل البعد القيمي والروحي.
غير أن هذا التوسيع يثير إشكالاً حاداً، هل ما يزال العقل مفهوماً فلسفياً قابلاً للتحليل أم يتحول إلى أفق معياري يصعب الإمساك به إبستمولوجياً؟ هنا تبدو أطروحة طه أقرب إلى بناء أخلاقي منها إلى نظرية في العقل بالمعنى الدقيق. فهي تقترح كيف ينبغي أن يكون العقل أكثر مما تفسر كيف اشتغل وكيف يتشكل.
في المقابل يأتي العروي ليقلب النقاش مرة أخرى رافضاً الانشغال بالبنية الداخلية للعقل أو بمرجعيته الأخلاقية موجهاً النظر إلى التاريخ. العقل عنده لا يُفهم إلا داخل مسار الحداثة أي داخل التحول الذي عرفته أوروبا مع نشوء الدولة الحديثة والعلم الحديث والوعي التاريخي. ولا معنى للحديث عن عقل عربي مستقل ما لم يُستوعب هذا التحول. الصدام هنا مع الجابري مزدوج، فالجابري يبحث في داخل التراث عن شروط النهضة بينما العروي يرى أن الحل خارج هذا التراث في استيعاب الحداثة كما هي. والصدام مع طه أكثر عمقاً، فطه يؤسس العقل على الأخلاق بينما العروي يؤسسه على التاريخ.
هذا التباين ليس مجرد اختلاف في التفاصيل بل هو اختلاف في طبيعة السؤال نفسه. الجابري يسأل كيف اشتغل العقل العربي تاريخياً؟ وطه يسأل كيف ينبغي أن يشتغل أخلاقياً؟ والعروي يسأل كيف يمكن أن يواكب التحول التاريخي للحداثة؟ ثلاث أسئلة وثلاث زوايا وثلاث فلسفات للعقل. ويتضح أن الحديث عن “نظرية مغربية في العقل” يصطدم بهذا التعدد الجذري.
إذا انتقلنا إلى المقارنة المباشرة يظهر التوتر بوضوح أكبر، الجابري يقيم قطيعة مع العرفان لأنه يراه عائقاً أمام العقلانية بينما طه يعيد الاعتبار للبعد الروحي ولكن بصيغة أخلاقية لا صوفية تقليدية. العروي لا ينشغل بهذه الثنائية أصلاً لأنه يرى أن الإشكال ليس في العرفان أو البرهان بل في غياب الوعي التاريخي، وكل واحد منهم يشتغل داخل أفق مختلف إلى حد يجعل الحوار بينهم أقرب إلى توازي الخطوط منه إلى تقاطعها.
إن الجابري ينتمي إلى أفق إبستمولوجي وطه إلى أفق أخلاقي والعروي إلى أفق تاريخي، وهذا التوزيع يفسر لماذا لم تتشكل نظرية موحدة لأن شروط التوحيد غير متوفرة أصلاً ما دامت المفاهيم المؤسسة نفسها تختلف جذرياً.
غير أن هذا التعدد رغم غناه يكشف أيضاً عن ضعف بنيوي داخل المشروع المغربي. فبدل أن يتحول الاختلاف إلى تركيب ظل في كثير من الأحيان اختلافاً متجاوراً. لم تُبن جسور حقيقية بين هذه المشاريع ولم تُشتغل مناطق التقاطع الممكنة بينها بعمق كافٍ. وهنا يظهر القصور ليس في غياب الأفكار بل في غياب التركيب النظري.
ويمكن مقاربة هذه المشاريع من داخل بنياتها النظرية نفسها بما يسمح بإبراز حدودها وإمكاناتها في الآن ذاته. فمشروع الجابري على الرغم من طابعه النقدي يظل مشدوداً إلى تصور معياري للعقلانية يجعل من البرهان نموذجاً أعلى، وهو ما قد يُفضي بصورة غير مباشرة إلى إعادة إنتاج نوع من المركزية ذات الخلفية الغربية. أما طه عبد الرحمن فرغم العمق الفلسفي الذي يميز مشروعه فإنه يتجه أحياناً نحو توسيع دلالة العقل توسيعاً لافتاً قد يفضي إلى تمييع حدوده المفهومية. في حين أن عبد الله العروي بقدر ما يشدد على مركزية التاريخ في فهم التحولات قد يقع في نزوع حتمي يجعل من الحداثة الأوروبية أفقاً يكاد يبدو بلا بدائل ممكنة. هاته الملاحظات المتواضعة لا تنتقص من قيمة هذه المشاريع الكبيرة بل تكشف حدودها فكل مشروع يضيء جانباً ويعتم جانباً آخر وهذا ما يجعل الصورة العامة غير مكتملة.
ثم إن ثمة إشكالاً أعمق يتعلق بطبيعة الاشتغال نفسه، فالفكر المغربي انشغل طويلاً بتفكيك التراث أو بنقد الحداثة لكنه لم ينتقل بما يكفي إلى مرحلة إنتاج مفاهيم جديدة تتجاوز هذا التقابل حيث ظل التفكير يدور حول ما هو قائم أكثر مما يغامر في بناء ما لم يتشكل بعد، وهنا يكمن أحد أسباب غياب نظرية متكاملة للعقل.
كما أن العلاقة مع الفلسفة الغربية ظلت ملتبسة، فهناك استلهام واضح لكن دون إعلان صريح أحياناً، وهناك نقد لكن دون قطيعة حقيقية. هذا الوضع الوسيط جعل الفكر المغربي معلقاً بين مرجعيتين دون أن يحسم أمره بالكامل.
إلى جانب ذلك يظهر ضعف في الاشتغال الجماعي فكل مشروع يكاد يكون فردياً مرتبطاً باسم صاحبه دون أن يتحول إلى مدرسة أو تيار متكامل. وهذا ما يحد من إمكان التراكم النظري. فالنظريات الكبرى لا تبنى بأعمال فردية معزولة بل عبر حوارات ممتدة وتراكمات جماعية.
ومع ذلك لا يمكن إنكار أن الفكر المغربي أحدث تحوّلاً عميقاً في طريقة طرح سؤال العقل، لقد أخرجه من دائرة البداهة إلى دائرة الإشكال ومن التسليم إلى النقد ومن التكرار إلى الابتكار، وهذه خطوة أساسية في أي مشروع فلسفي.
غير أن التمحيص الدقيق يكشف أن هذا التعدد الذي يُقدَّم بوصفه ثراءً نظرياً يخفي في عمقه نقصاً بنيوياً لم يُصرّح به بما يكفي. فالمشاريع المغربية على اختلاف توجهاتها اشتركت في إغفال مستوى حاسم من مستويات اشتغال العقل، يتعلق بطبيعته العملية التداولية كما تبلورت داخل تقاليد الاستدلال الفقهي. ذلك أن العقل الذي اشتغل في أصول الفقه لم يكن تابعاً للبيان وحده كما صوّره الجابري ولا قابلاً للاختزال في معيار أخلاقي كما وسّعه طه عبد الرحمن ولا رهيناً حصرياً بمنطق التاريخانية كما قرّره العروي بل كان عقلاً مركباً يشتغل داخل شبكة دقيقة من العلاقات بين النص والواقع، بين العلة والحكم وبين القاعدة والاستثناء على نحو يجعل من التعقل فعلاً سياقياً لا يقبل الانضواء تحت تصنيف أحادي.
إن تغييب هذا البعد لا يكشف فقط حدود التحليل بل يكشف أيضاً عن ميل ضمني إلى إعادة بناء العقل وفق نماذج مسبقة سواء اتخذت شكل معيار إبستمولوجي أو أفق أخلاقي أو ضرورة تاريخية. فالجابري في سعيه إلى تحرير العقل أعاد توجيهه نحو نموذج معياري يضفي على البرهان سلطة ضمنية تجعله أفقاً أعلى، وهو ما يقود إلى إقصاء أشكال أخرى من التعقل دون استيعابها من الداخل. وطه عبد الرحمن في توسيعه لمفهوم العقل لم ينجُ من تحويله إلى أفق معياري مفرط يهدد بفقدان التحديد المفهومي لصالح خطاب قيمي كثيف يصعب ضبط حدوده النظرية. أما العروي فبقدر ما شدد على التاريخ بقدر ما حوّله إلى مرجعية ضاغطة تكاد تلغي إمكان التفكير خارج مسار حداثي واحد مما يجعل العقل تابعاً لأفق جاهز بدل أن يكون قادراً على مساءلته.
لا يبدو القصور في غياب الإجابة، بل في طبيعة الأسئلة التي وُضعت أصلاً. إذ ظلت هذه المشاريع تدور حول كيفية إعادة ترتيب العقل داخل أطر محددة سلفاً بدل أن تُعيد مساءلة شروط تشكّله في تعدده وتحوّله. فالعقل لم يُتناول بما يكفي بوصفه ممارسة متحركة تتشكل داخل أوضاع مختلفة بل جرى التعامل معه غالباً كموضوع قابل لإعادة البناء النظري وفق تصور كلي. وهذا ما يفسر تعثر الانتقال من التفكيك إلى التركيب ومن النقد إلى التأسيس.
ثم إن إشكال السلطة رغم حضوره الخفي لم يُفكك بالصرامة التي يقتضيها. فالعقل الذي يُعاد بناؤه داخل خطاب نقدي قد يظل خاضعاً لبنيات سلطوية غير معلنة سواء تعلقت بسلطة النموذج الغربي أو بسلطة المرجعية التراثية أو بسلطة الإطار الإيديولوجي الذي يوجّه القراءة. هذا التوتر غير المفكك يجعل العقل يتحرك داخل حدود مرسومة سلفاً حتى وهو يعلن القطيعة معها مما يضعف من إمكان تحرره الفعلي.
كما أن التحولات المعاصرة في بنية المعرفة لم يعد العقل فيها مركزاً أوحد للإنتاج المعرفي إذ تكشف أن النقاش ظل في كثير من جوانبه أسير تصور كلاسيكي للعقل، حيث لم يستوعب بعدُ التحولات التي أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة والتقنية. وهذا ما يجعل أي محاولة لبناء نظرية في العقل دون استحضار هذه التحولات محاولة ناقصة من حيث الأفق.
إن مجموع هذه الاعتبارات يفضي إلى نتيجة أولية حاسمة وهي أن الفكر المغربي المعاصر رغم ما أظهره من قدرة عالية على التفكيك والنقد في تقديري المتواضع لم ينجح بعد في تجاوز حدوده الداخلية نحو بناء تصور تركيبي قادر على استيعاب تعدد مستويات العقل دون إخضاعها لنموذج واحد. بل ظل في كثير من الأحيان يعيد إنتاج التوتر ذاته الذي انطلق منه وإن بصيغ أكثر تعقيداً وعمقاً.
ويُظهر هذا التناول الوجيز حجم الجهد الذي راكمه الفكر المغربي المعاصر في تجديد النظر إلى مفهوم العقل حيث انتقل النقاش من التسليم بالموروث إلى مساءلته ومن استهلاك المفاهيم إلى إعادة بنائها داخل أفق نقدي متدرّج. وقد أسهم هذا المسار في إعادة صياغة العلاقة بين التراث والحداثة بما يفتح إمكانات متعددة للتفكير ويعيد للعقل موقعه المركزي داخل الفعل الثقافي العربي.
لقد قدّمت هاته المشاريع الكبرى التي انبثقت داخل هذا السياق مقاربات متكاملة من حيث اختلافها، إذ أضاء كل واحد منها جانباً نوعياً من جوانب العقل فكان التحليل البنيوي مدخلاً إلى فهم أنساقه وكان التأصيل الأخلاقي سبيلاً إلى إبراز بعده القيمي وكان الوعي التاريخي أفقاً لتحديد موقعه داخل تحولات العصر. وبهذا التعدد تشكّل رصيد معرفي غني لا يقوم على التماثل بل على التكامل ويعكس حيوية فكرية قادرة على استيعاب التعقيد دون اختزاله.
إن هذا التراكم لا يُقاس بمدى اقترابه من صياغة نموذج نظري مغلق بل بقدرته على توسيع مجال السؤال وتعميق أدوات التحليل وفتح آفاق جديدة للنظر. فقد صار العقل بفضل هذه الجهود موضوعاً للتفكير النقدي المستمر بعد أن كان يُستحضر في كثير من الأحيان ضمن مسلمات غير مفحوصة. وهذا التحول في ذاته يمثل مكسباً نوعياً لأنه يعيد الاعتبار للفلسفة بوصفها ممارسة تسائل ولا تكتفي بالإجابات الجاهزة.
كما أن هذه المشاريع رغم تباين منطلقاتها تتقاطع في خدمة غاية أعمق، تتمثل في تحرير التفكير من الجمود وإعادة وصل المعرفة بسياقاتها الحية وربط العقل بمسؤوليته الثقافية والتاريخية. وتبرز قيمتها في كونها أسهمت في بناء وعي فلسفي جديد يتعامل مع التراث بوصفه مادة للفهم ومع الحداثة بوصفها أفقاً للحوار لا باعتبارهما مجالين متعارضين بالضرورة.
ويبدو أن أهمية هذه التجربة تكمن أيضاً في قدرتها على إبقاء المجال مفتوحاً أمام مزيد من الاجتهاد حيث لم تُغلق الأسئلة بل أُعيد طرحها بصيغ أكثر عمقاً ولم تُختزل الإشكالات بل اتسعت لتشمل أبعاداً جديدة. وهذا ما يمنح الفكر المغربي طابعه الدينامي ويجعله قابلاً للاستمرار والتجدد بما يستجيب لتحولات المعرفة وتحديات العصر.
إن ما يتشكل من خلال هذه الجهود ليس مجرد تصور نظري محدود بل أفق فكري رحب تتلاقى فيه مسارات متعددة وتتكامل في ما بينها دون أن تفقد خصوصيتها. وهو أفق يتيح إمكانات واسعة لمواصلة التفكير في العقل وتعميق فهمه وتوسيع مجالات اشتغاله داخل الثقافة العربية المعاصرة.
وفي سياق تحليل البنية المعرفية للعقل العربي الحديث يتجلى أن الفكر المغربي بوصفه تجربة ثرية أسهمت في ترسيخ تقليد فلسفي جاد قائم على النقد والحوار والانفتاح ومؤهلة لأن تواصل عطائها في بناء تصور أكثر نضجاً واتساعاً للعقل في ضوء ما تحقق من تراكم وما يُنتظر من تجديد.
***
د. حمزة مولخنيف







