أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: القياس الفقهي والقياس الفلسفي عند ابن رشد

نحو قراءة في وحدة المنهج المعرفي

يعدّ الفهم الدقيق للعقلانية والمنهجية عند فلاسفة الإسلام، وخصوصا عند الفيلسوف والفقيه في آن واحد، خطوة محورية لفهم المشروع الفكري العربي الإسلامي الذي تمازج فيه الفكر الفلسفي بالفقه والتشريع. ومن بين هؤلاء، يبرز فكر ابن رشد (520-595 هـ / 1126-1198 م) باعتباره نموذجا فريدا في مقاربة العقل والنقل والقياس الفقهي والفلسفي، عبر ما يمكن أن نسميه وحدة المنهج المعرفي. هذه الوحدة لا تعني اختلاط الفلسفة بالفقه، أو مساواتهما في الأهداف، بل تعني انسجام الأدوات العقلية والاستدلالية، واستثمار العقل في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية من أجل الوصول إلى الحقيقة، سواء كانت حقيقة شرعية أو حقيقة فلسفية.

إن مسألة القياس عند ابن رشد ليست مجرد مسألة تقنية فقهية، بل هي مدخل لفهم طبيعة الفكر العقلاني عنده، وموقع العقل في سياق التشريع والفلسفة. فالقياس الفقهي عنده لا يقتصر على الاستدلال بالمقدّمات الفقهية للوصول إلى أحكام جديدة، وإنما هو في العمق تعبير عن عقلانية منهجية توازي العقلانية الفلسفية التي ينطلق منها في تفسير الكون والوجود. وهذا ما يجعل دراسة القياس عند ابن رشد ليست دراسة فصلية، بل قراءة في وحدة المنهج المعرفي، حيث تتلاقى أدوات العقل في الفقه والفلسفة، وتتقاطع المبادئ العقلية في استكشاف الشرع والوجود معا.

لقد كانت العقلانية عند ابن رشد وفق ما يشير إليه أرسطو في مقدماته المنطقية، أداة أساسية لاستكشاف الحقيقة، وهو ما جعله يولي للقياس أهمية مركزية في الفقه والعقل. ففي "فصل المقال" و"تهافت التهافت"، نجد أن ابن رشد يوضح أن القياس الشرعي يقوم على قواعد عقلية منطقية، لا تتناقض مع ما يبرزه العقل الفلسفي من استنتاجات، بل يكمله في مستوى المبدأ والمنهج. ويؤكد ابن رشد أن العقل وحيّانه لا ينفصل عن التشريع الإلهي، وأن كل استدلال منطقي في الفقه يجب أن يكون مستندا إلى قاعدة عقلية صحيحة، تماما كما في الفلسفة. يقول ابن رشد: «إذا كان العقل يرى وجوبا لما لا يصل إليه النقل، فالنقل لا يناقضه، بل يكمّله».

إن مفهوم القياس عنده يحمل دلالتين متلازمتين: الأولى في الفقه، حيث يُستعمل القياس للوصول إلى الأحكام التفصيلية المستحدثة، والثانية في الفلسفة، حيث يُستعمل القياس للوصول إلى المبادئ العامة والفكرية، وهما في جوهرهما يعتمدان على قواعد المنطق، وعلى قدرة العقل على الربط بين المقدّمات والاستنتاج. وهنا يصبح القياس عند ابن رشد جسرا بين العقل الشرعي والعقل الفلسفي، وبين النقل والعقل، وبين المبدأ والتطبيق بما يضمن وحدة المنهج.

تُظهر الدراسات المعاصرة أن ابن رشد كان واعيا للفارق بين القياس الفقهي والقياس الفلسفي، لكنه كان يرى أن هذا الفارق شكلي أكثر منه جوهري. فالقياس الفقهي يعتمد على نصوص شرعية محددة كمقدّمات، بينما القياس الفلسفي يعتمد على مبادئ عقلية مجردة. غير أن الآلية العقلية التي يستخدمها العقل البشري في الاستدلال واحدة، وهذا ما يجعل المنهجية واحدة. في هذا الصدد يقول توماس هوبز عن المنطق والاستدلال: «الاستدلال هو أحد الأدوات العقلية التي لا تختلف في موضوعها، بل في طبيعة المدخلات التي تُعطى لها» . ويمكننا تطبيق هذه الرؤية على ابن رشد، حيث إن المدخلات هي النصوص الشرعية في الفقه، والمبادئ العقلية الكونية في الفلسفة، أما الآلية فهي قياس منطقي واحد.

على مستوى الفقه، يعد القياس أداة لاستنباط الأحكام في الأمور المستجدة التي لم يرد فيها نص صريح. وهنا يتضح اهتمام ابن رشد بتأسيس قاعدة عقلية صارمة للقياس، بحيث لا يصبح مجرد اجتهاد عاطفي أو رأي شخصي. يلتزم القياس الفقهي عنده بمراحل محددة: المقدمات العامة، المقدمات الخاصة، الاستدلال، والاستنتاج النهائي للحكم الشرعي. هذه المراحل تشبه إلى حد كبير منهج القياس الفلسفي، الذي يبدأ من المبادئ العامة للوصول إلى النتائج الخاصة في فهم العالم. حيث يشير ابن رشد في هذا السياق: «ليس القياس في الفقه إلا تطبيق العقل على النص، كما أن القياس في الفلسفة تطبيق العقل على المبدأ».

أما على مستوى الفلسفة، فالقياس الفلسفي عند ابن رشد ليس مجرد أداة تحليلية، بل وسيلة للوصول إلى الحقيقة المطلقة. فهو يتأثر بالمنهج الأرسطي، حيث يكون القياس منطقيا بين مقدّمات صحيحة للوصول إلى استنتاج صحيح. وعند مقارنة القياس الفقهي بالقياس الفلسفي، نجد أن الفارق الحقيقي هو في طبيعة المقدمات: نصية في الفقه، ومبدئية عقلية في الفلسفة، أما العقلية التي تحرك عملية القياس فهي واحدة. هذا ما يجعل ابن رشد يرى في العقل أداة واحدة للتفكير في كل من عالم الشرع وعالم الوجود، بما يحقق وحدة المعرفة والمنهج.

لقد كان ابن رشد على وعي بالجدل الذي دار بين الفقهاء والفلاسفة حول العلاقة بين العقل والنقل. في كتابه "تهافت التهافت"، حيث رد على الغزالي الذي أكد على تفوق النقل على العقل في مسائل الأصول والفقه، وبين أن النقل والعقل ليسا في صراع، بل هما مساران متوازيان يلتقيان في خدمة الحقيقة. هذا التأكيد على الانسجام بين العقل والنقل يعكس إيمانه بوحدة المنهجية، حيث تُستعمل قواعد العقل في تفسير النصوص، وتُستعمل المبادئ العقلية في فهم العالم. يشير ابن رشد إلى أن ابن رشد: «الشرع لا يخالف العقل، بل يوجهه ويقوده إلى الحق».

تظهر أهمية هذا التوجه بشكل أكبر عند النظر إلى القياس الفلسفي باعتباره مدخلا لإعادة تفسير الفقه. فالقياس الفلسفي يسمح للعقل بالتحليل والتفكيك، وهو ما ينعكس لاحقا في القياس الفقهي عبر تمكين الفقهاء من فهم النصوص وفقا لمبادئ عقلية عامة. ويمكننا هنا أن نستحضر رأي الفيلسوف جون لوك الذي يرى أن العقل أداة لفهم النظام الكوني، وهو ما يوازي رؤية ابن رشد في أن العقل أداة لفهم الشرع والنظام الكوني في آن واحد.

إن إبراز وحدة المنهج عند ابن رشد يسمح لنا بفهم مشروعه الفكري ككل. فبينما قد يبدو القياس الفقهي والأحكام الشرعية محددة ومقيدة، والقياس الفلسفي حرا ومتسعا، نجد أن ابن رشد يضعهما في إطار عقلاني واحد، يقوم على مبدأ أساسي هو الاتساق المنطقي، والتمسك بالمبادئ العقلية العامة، وعدم التناقض بين نصوص الشرع والعقل. مما يجعل فهمه للقياس أداة معرفية موحدة، تستثمر في مختلف المجالات وتؤسس لعقلانية متكاملة.

إن ابن رشد يتجاوز حدود التقليد الفقهي، كما يتجاوز حدود الفلسفة النظرية، ليؤسس لمنهجية عقلية واحدة، يقوم فيها القياس بأدوار مختلفة بحسب المجال، لكنه يظل قائما على نفس المبادئ العقلية. وهذا يقترب من ما أسماه الفيلسوف الألماني كانط بـ "القوانين العقلية الفطرية"، حيث أن العقل يعمل وفق قواعد أساسية ثابتة مهما اختلفت طبيعة الظواهر أو النصوص.

كما أن الاهتمام بوحدة المنهج يسمح لنا بفهم مشروع ابن رشد كإعادة بناء للمعرفة، يقوم على الربط بين أجزاء المعرفة المشتتة، سواء كانت نصوصية أو عقلية أو فقهية أو فلسفية. إن قياس ابن رشد هو قياس معرفي شامل، لا يقتصر على الفقه وحده أو الفلسفة وحدها، بل يشمل جميع أوجه التفكير العقلاني.

لقد أشار ابن رشد إلى أن القياس الفلسفي والفقيه ليسا في تناقض معا، بل يكمل أحدهما الآخر. فالقياس الفقهي يعتمد على العقل في تفسير النصوص، والقياس الفلسفي يعتمد على العقل في تفسير العالم، وكلاهما يسعى إلى الحقيقة، إما الحقيقة الشرعية أو الحقيقة العقلية. وهنا يظهر مشروعه كمنهج معرفي واحد قائم على العقل، لا يفرق بين شؤون الدين والدنيا في مستوى الأسلوب والمنهج.

كما أن قراءة هذا التوجه عند ابن رشد تقودنا إلى إدراك أنه كان يرى في العقل أداة موحدة للمعرفة، تتجاوز الانقسام التقليدي بين العلوم الشرعية والعلوم العقلية. فالقياس الفقهي هو تطبيق للمنطق على النصوص، والقياس الفلسفي هو تطبيق للمنطق على المبادئ، وبالتالي فالمعيار العقلي واحد: الاتساق، الصحة المنطقية، وعدم التناقض. وهنا نفهم أن ابن رشد هو أول من أسس لفكرة "وحدة المنهج" في الفكر الإسلامي عبر دمج العقل والنقل والفلسفة والفقه، في منظومة معرفية واحدة.

وتجدر الإشارة إلى أن قياس ابن رشد لم يكن مجرد عملية تقنية تجريدية، بل هو ممارسة معرفية متكاملة تربط بين النظر والتطبيق، بين العقل والنقل وبين المبادئ العامة والتطبيقات الجزئية وبين المعرفة الدينية والعلمية. ويصف الفيلسوف ابن سينا هذا النوع من العقلانية بأنه «عقلية قادرة على استنتاج المبادئ من المقدمات والتطبيق على الوقائع، دون أن تفقد صلتها بالحقيقة». ويمكننا تطبيق هذه الرؤية على منهج ابن رشد، حيث يصبح القياس جسراً معرفياً بين الفقه والفلسفة، وبين النص والمبدأ وبين النظر والتطبيق.

على مستوى الفقه، يوضح ابن رشد في كتابه "الكليات" أن القياس الفقهي ليس مجرد إعادة إنتاج للأحكام السابقة، بل هو أداة استنباطية متطورة. فهو يبدأ من قاعدة شرعية عامة، مثل قاعدة "الأصل في الأشياء الإباحة" أو "المضرّة تُزال"، ويطبقها على حالة جديدة لم يرد فيها نص مباشر، فينتج حكما شرعيا متسقا مع النصوص العامة. وما يميز منهج ابن رشد هنا هو استخدامه للمنطق الصوري، وتحديده للمقدمات الخاصة والعامة، وتأكيده على ضرورة انسجام الاستنتاج مع المبادئ العقلية العامة. يقول ابن رشد: «إن القياس الصحيح في الفقه لا يكون إلا إذا وافق العقل ووافق الشرع، وإذا خالف أحدهما كان غير صالح».

أما على مستوى الفلسفة، فالقياس الفلسفي عند ابن رشد يعتمد على المنطق الأرسطي، ويستهدف المبادئ الكونية. فالعقل يبدأ بالمبادئ العامة مثل وحدة الله، أو الضرورة العقلية للوجود، ثم يربطها بالحقائق الجزئية للوصول إلى استنتاجات فلسفية دقيقة. هنا تتضح وحدة المنهج: الآلية العقلية واحدة، سواء في الفقه أو الفلسفة، والاختلاف في طبيعة المقدمات، لا في طريقة الاستدلال. هذا ما يذكرنا برؤية الفيلسوف توما الأكويني، الذي رأى أن العقل الإنساني يستخدم نفس القواعد الاستدلالية لفهم الطبيعة والشرع على حد سواء، وأن أي اختلاف في المجال لا يعني اختلافا في المنهج.

ويجب التوقف عند أحد المفاهيم الجوهرية التي يبرزها ابن رشد، وهو مفهوم "المبدأ والمنهج". فالمبدأ عنده يمثل الحقيقة العليا أو القاعدة العامة، سواء أكانت شرعية أم عقلية، بينما المنهج هو الآلية التي يستخدمها العقل للوصول إلى النتائج الجزئية. ويصبح القياس الفقهي والفلسفي وجهين لمبدأ واحد، هما انعكاسان مختلفان لتطبيق العقل على الحقيقة. ويشير ابن رشد إلى أن «المبدأ واحد والعقلية واحدة، وما يختلف هو التطبيق بحسب مجال البحث».

إن هذه الرؤية تسمح لنا بفهم العلاقة بين القياس الفقهي والقياس الفلسفي كحالة من "التعدد في الوحدة". فعلى الرغم من اختلاف الظاهر بين النصوص الشرعية والمبادئ العقلية المجردة، فإن العقل الذي يستدل عليها واحد، ومنه يتولد انسجام معرفي. وهنا يمكننا الاستعانة برؤية الفيلسوف هيجل عن وحدة المنهج في البحث، حيث أن العقل ينطلق من الكلي إلى الجزئي ويعود إلى الكلي، وفي كل مستوى يعمل وفق نفس المبادئ المنطقية.

علاوة على ذلك، يشير ابن رشد إلى أن القياس الفقهي لا يكتفي بتطبيق القواعد النصية، بل يتطلب فهم الغرض من الشريعة، وهو ما يعرف عنده بـ "المقاصد الشرعية". ففهم هذه المقاصد يتطلب استخدام العقل الفلسفي في تحليل النصوص، وبالتالي يقترب القياس الفقهي من القياس الفلسفي. يقول ابن رشد: «من لا يعرف مقاصد الشرع، لا يصل إلى حكم صائب، ولو اتبع القياس حرفيا». وهنا تتضح وحدة المنهج: العقل يستعمل ذاته في كل المجالات، ويستثمر المنطق في فهم النصوص وتحليل المبادئ، سواء في الفقه أو الفلسفة.

كما أن وحدة المنهج عند ابن رشد تتيح له معالجة الإشكاليات التي طرحها الفقهاء والفلاسفة على حد سواء. فالفلاسفة مثل الغزالي انتقدوا استخدام العقل في مسائل الشرع، معتبرين أن النقل أولى من العقل، بينما الفقهاء أحيانا كانوا يعتبرون القياس مجرد أداة تقنية. إلا أن ابن رشد يرى أن العقل والنقل متكاملان، وأن القياس الفقهي والفلسفي يستندان إلى نفس المبادئ العقلية. ويؤكد على أن «العقلاء إذا اجتمعوا على القياس الصحيح، لم يختلفوا في الحكم، وإن اختلفت الكلمات أو الأساليب».

تتجلّى هذه الوحدة المنهجية بوضوح عند النظر في توظيف القياس عند ابن رشد. ففي المجال الفقهي، يُستثمر القياس لردّ النوازل إلى أصولها، وذلك بإلحاق الوقائع المستحدثة بالمبادئ الكلية والأحكام المنصوصة، عبر تحقيق العلة الجامعة بينها. أمّا في المجال الفلسفي، فينهض القياس بوظيفة تفسيرية وبرهانية، إذ يربط بين الظواهر وأسبابها، وبين الضرورة والوجود، وبين العلة ومعلولها، ضمن نسق استدلالي محكم. ومن ثمّ، لا يظهر القياس عند ابن رشد مجرد تقنية صورية، بل يتبدّى فعلاً عقليا تكامليا، ينسج العلاقات بين مستويات متعددة من المعرفة، مع المحافظة على صرامة البناء المنطقي ودقته.

كما أن ابن رشد لا يقتصر على القياس التقليدي في الفقه، بل يتناول القياس الفلسفي كأداة لتفسير النصوص نفسها، من خلال ما يُعرف عنده بـ "تفسير النص بحسب العقل". فهو يرى أن النصوص الشرعية تحتوي على معانٍ عقلية دقيقة، يمكن إدراكها عن طريق القياس الفلسفي، بما يوضح هدف الشريعة ومقاصدها. وهنا يظهر التناغم بين الفقه والفلسفة، العقل الفلسفي لا يناقض النص بل يكشف أبعاده العميقة، والقياس الفقهي يصبح أداة عملية لتحقيق هذه الأبعاد.

من جهة أخرى، يشير ابن رشد إلى أن القياس الفلسفي يمكن أن يكون أداة نقدية للقياس الفقهي، بما يساعد على كشف التناقضات أو الأخطاء في استنتاج الأحكام. وهكذا يتحقق توازن معرفي، القياس الفلسفي يدعم القياس الفقهي، والقياس الفقهي يطبق العقل على النصوص، بينما العقل الفلسفي يطبق نفس المبادئ على الكون والفكر. ويمكن هنا الاستشهاد برأي الفيلسوف الفارابي الذي يرى أن "العقل أداة واحدة، وظيفتها تحقيق الحقيقة، سواء في السياسة أو الدين أو العلوم الطبيعية".

وفي سياقنا هذا، يصبح مفهوم "وحدة المنهج المعرفي" عند ابن رشد أكثر وضوحا. فالمسألة ليست مجرد توافق شكلي بين القياس الفقهي والفلسفي، بل انسجام جوهري على مستوى المنطق وأداة العقل واستثمار المبادئ العامة للوصول إلى النتائج الجزئية. إن هذا الانسجام يجعل منهج ابن رشد نموذجا فريدا في الفكر الإسلامي، حيث يتحد العقل والنقل والفكر الفلسفي والفقه، في نظام معرفي متكامل، قادر على معالجة مختلف المسائل الإنسانية والكونية.

ولتعميق فهم هذا المنهج، يمكن استعراض بعض الأمثلة التطبيقية من كتب ابن رشد. ففي كتاب "فصل المقال"، يوضح كيف يمكن للقياس الفلسفي أن يفسر الحكم الشرعي في ضوء المبادئ العامة للضرورة والضرر والمصلحة، مؤكداً أن العقل والفلسفة ليسا في صراع مع الشريعة، بل يعملان في إطارها. وفي كتاب "الكليات"، يبرز كيفية تطبيق القياس الفقهي على المعاملات الجديدة، مثل البيع والشراء أو العقود المالية، مع الالتزام بالمنطق العقلي والمبدأ العام للشرع. هذه الأمثلة توضح أن القياس عند ابن رشد ليس مجرد أداة نظرية، بل منهج عملي متكامل، يمكن استخدامه في شؤون الحياة اليومية والفكرية على حد سواء.

كما أمكننا أن نقول إن أهمية هذا المنهج تتجلى في قدرة ابن رشد على معالجة التعارضات بين العقل والنقل، بين القديم والمستحدث، بين النصوص والمبادئ. فالقياس يصبح وسيلة لتحقيق التوازن بين مختلف مستويات المعرفة، وضمان الاتساق الداخلي للنظام المعرفي. وهنا يمكن الاستشهاد بقول الفيلسوف راسل عن المنهجية العقلية، حيث يرى أن "العقلانية لا تعني مجرد التمسك بالقواعد، بل تعني القدرة على توظيفها في معالجة القضايا المختلفة بما يحقق الاتساق الداخلي".

وعلاقة بما سبق، أمكننا أن نخلص في مقالنا هذا إلى أن مشروع ابن رشد الفكري يمثل قمة العقلانية في الفكر الإسلامي، حيث تتكامل الفلسفة مع الفقه، ويصبح القياس أداة معرفية واحدة، تُستثمر في فهم الشرع والوجود على حد سواء. هذه الوحدة المنهجية تجعل من قياس ابن رشد نموذجا فريدا، يمكن دراسته كمثال حي على الانسجام بين العقل والدين، بين النظرية والتطبيق وبين الفقه والفلسفة.

إن دراسة القياس الفقهي والقياس الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن رؤية معرفية فريدة، تتجاوز الانقسام التقليدي بين العلوم الدينية والعقلية. فابن رشد لم يرَ القياس مجرد أداة استنتاجية في الفقه، أو أداة تحليلية في الفلسفة، بل جعله منهجا معرفيا شاملا، يقوم على وحدة العقل واتساق المبادئ وتوافق الاستنتاجات مع المقدمات العامة والخاصة. ومن ثمّ يغدو القياس عنده جسرا معرفيا بين الفقه والفلسفة، بين النص والمبدأ، بين النظرية والتطبيق وبين العقل والنقل.

ويعكس هذا المنهج عقلية متفتحة ومرنة، قادرة على التفاعل مع المستجدات، سواء في الحياة العملية أو في الفكر النظري، دون التفريط بالمنطق أو المبادئ العامة. إن وحدة المنهج عند ابن رشد تؤكد على أن العقل أداة واحدة لتحقيق الحقيقة، وأن الاختلاف في الموضوعات لا يعني اختلافا في المنهجية. فالمبدأ واحد والمنهج واحد والاستدلال واحد، سواء تعلق الأمر بالحكم الشرعي أو الفهم الفلسفي للوجود، أو تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية.

كما أن مشروع ابن رشد يقدم نموذجا فريدا في التفاعل بين التراث الفقهي والفلسفي، ويبرز كيف يمكن للقياس أن يكون أداة عقلية موحدة، قادرة على الجمع بين مختلف مجالات المعرفة. ويظهر جليا أن العقل عنده ليس مجرد أداة نظرية، بل قوة عملية للاستدلال والتحليل والتفسير والابتكار، بما يحقق التوازن بين القديم والمستحدث، بين النص والمبدأ، وبين الفقه والفلسفة.

إن قراءة ابن رشد بهذا المنظور تفتح آفاقا واسعة لفهم الفكر الإسلامي العقلاني، وتبرز إمكانية الجمع بين الدين والعقل، بين الشريعة والفلسفة وبين الاستدلال والنقل، في وحدة معرفية متكاملة. فالقياس عنده ليس مجرد أداة، بل منهج متكامل، يضمن اتساق المعرفة ومرونتها وقدرتها على التعامل مع التعقيدات المعرفية والواقعية. ومن ثمّ يتحدّد قياس ابن رشد ليس بوصفه مجرد تطبيق فقهي أو فلسفي، بل نموذجا معرفيا شاملا، يمكن أن يكون مرجعا لفهم العلاقة بين العقل والدين والفكر التطبيقي والفكر النظري، في سياق حضاري ومعرفي متقدم.

إن قراءة القياس الفقهي والقياس الفلسفي عند ابن رشد بوحدة المنهج المعرفي تكشف عن مشروع معرفي متكامل، حيث تتضافر الفلسفة مع الفقه والعقل مع النقل والمبدأ مع التطبيق، ليؤسس لمنهجية عقلانية متكاملة، قادرة على معالجة مختلف المسائل الإنسانية والفكرية، وتحقيق انسجام معرفي شامل يظل نموذجا خالدا في الفكر الإسلامي والعالمي.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم