هل هي لعنة أم قدرٌ يلاحق الشعوب التوّاقة إلى الحرية، فتخرج من ظلامٍ لتسقط في ظلامٍ آخر أشدَّ عتمةً وقسوة؟ وهل كُتب على الأخيار أن يموتوا من أجل التافهين؟ كما عبّر عن ذلك شاعر الوجع العراقي موفق محمد في رثائه لشهداء العراق بقوله: (من أجل أن يتربّع شعيط ومعيط على صدورنا) .
أعادتني أخبار ملاحقة الفاسدين، ومشاهد الذهب ومليارات الدنانير والدولارات المضبوطة بحوزتهم، إلى قصة «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» للروائي الجزائري الطاهر وطار، وعلى الرغم من أن القصة تتناول، بصورة مباشرة، الواقع السياسي الجزائري بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1962، وترصد حال الطبقة السياسية التي تسلّمت مقاليد الحكم بعد سنوات طويلة من النضال والتضحيات التي قدّمها الشعب الجزائري للتخلص من الاحتلال، وكيف استأثرت هذه الطبقة بالسلطة لتحقق المكاسب والامتيازات والغنائم، بينما ظل الفقراء على حالهم من الفقر والبؤس، وهم الذين كان التغيير يفترض أن يأتي من أجلهم ومن أجل حياةٍ أكثر كرامة لهم؛ فإن ما جرى في الجزائر، بحسب رؤية مؤلف القصة، يكاد يتطابق مع ما جرى في بلدان أخرى تحررت من أنظمة دكتاتورية، ومن بينها العراق بعد عام 2003.
تحكي القصة عن انسانٍ قروي يتسلّم رسالة من مكتب البريد في قريته، يخبره فيها ساعي البريد بأنها رسالة من ابنه الشهيد، أرسلها من مكان بعيد، وسرعان ما تنتشر بين آباء الشهداء شائعة مفادها أن أبناءهم سيعودون هذا الأسبوع، وهنا يبدأ الرعب بالتسلل إلى نفوس الطبقة السياسية والمنتفعين الذين اعتلوا سدة الحكم، وأفادوا من تضحيات الشهداء. فلا أحد منهم يتمنى عودة الشهداء، كي لا يشاهدوا بأعينهم من استولى على السلطة من انتهازيين ولصوص وخونة، ولا كيف تحولت تضحياتهم إلى سلّمٍ ارتقى عليه الآخرون نحو النفوذ والثروة والامتيازات، فيما بقي الفقراء وآباء الشهداء محرومين من أبسط حقوقهم، وتنتهي القصة بمصرع والد الشهيد على قضبان السكك الحديدية، بعد أن تُقيَّد الجريمة ضد مجهول، في إشارة رمزية إلى المصير الذي ينتظر كل من يرفع صوته بوجه السلطة الغاشمة أو يحاول التمرد عليها.
إن «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» ليست مجرد قصة جزائرية، بل نصٌّ أدبي بالغ الدلالة، يفيض بالمفارقات والتفاصيل المؤلمة، حتى ليخيَّل للقارئ أنه يقرأ اليوم نسخة عراقية منها، حيث تتغير الأسماء والوجوه، بينما تبقى الحكاية ذاتها، ويبقى الشهداء هم الخاسر الأكبر في وطنٍ يتقاسم ثماره من لم يدفعوا ثمن حريته.
***
ثامر الحاج أمين








