أقلام ثقافية
نور الدين حنيف: كتابةُ الفسائِل
إضاءة: إلى صديقي العَدَمي... رجاءً! لا تقْرأْنِي...
هيَ كتابةٌ لا تستلهمُ مصداقيتها من الردّ على كتاباتٍ تشتغلُ على مادّةِ القلق الوجودي، أو على كتاباتٍ تُمجّدُ العدمية وتغنّي لها، بقدر ما هي حالةٌ معرِفيّةٌ مخاضيةٌ تأتي استجابةً لنسقٍ عقديٍّ يمتحُ فكرتَهُ من التصوّر الإسلاميِّ القائمِ على كتاب الله وسنّه رسوله الكريم. ويرومُ القولَ في أصالةٍ مجتهدةٍ قريبةٍ من الخطأ وحالمةٍ بالصواب، في غيرِ تبعيةٍ أو اندهاشٍ مُستلَبٍ بكتابة (الآخر) معزولاً عن الشروطِ التاريخية التي أفرزَتْهُ وأفرَزَتْ كذلك إنتاجاته في ارتباطٍ بتحولاتِ إنسانِهِ وأنساقِه، داخل تطوراتٍ أملتْها طبيعةُ ذلك الإنسان الغربيّ وتلكم الأنساقُ الغربية وذلكم التّاريخ الغربيّ، مع عدمِ إلغائهِ الإلغاءَ الكاملَ وإقصائهِ من الاعتبار الإقصاءَ الشامل... فهذا ضربٌ من التقوقعِ الّذي لا يُشْبِهُنا والّذي لا يعترف بأثر المثاقفة وانعكاساتها على الذات وعلى تحولاتها.
و ستكون الكتابةُ هنا معترفةً بهذا (الآخر) انطلاقاً من حضورِه القويّ شئنا أم أبينا، مع احترازٍ منهجي هو أننا لا نكتبُ عن الذات العربية والإسلامية داخل مركّبِ النقص المنبطِحِ لإشعاع الغربِ بقدر ما نروم الكتابة داخل اسْتِواءِ النِّدية المطلوبة في موضوعيتها وأصالتها وعلمِيَتِها على قدْرِ الإمكان والممكن.
و منطلقُنا في هذه الكتابة النوعيّة أثرٌ نبويٌّ حاملٌ لكثير من الأبعاد والدلالات، ومنها بعدُ العَمارِ ودلالةُ البناءِ لهذا الإنسان من أول صرختِهِ البيولوجية إلى آخر غرغرتِه على صفيح الاحتضار، في أفقٍ ربّانيٍّ يمتدّ بالحياة البشرية إلى ماوراء الطبيعة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا).1
و هنا، نهيب بالقارئ ألّا يفهم من كلامنا هذا رغبةً في تحليل الحديث النبوي الشريف أو تشريحه داخل منهج من المناهج، أو جعله أرضية للتداول في هذا السياق المتواضع، بقدر ما غرضنا منه لا يعدو أن يكون استئناساً بعمقِه الكريم داخل رؤيا نبويّة ترى وتستشرف وتقدّم البدائل الحضارية القويّة والسارية في الزمن مسرى النسغ في الشجر.
إننا خارِج ردّ الفعل اللاثقافي، وداخل منظور المثاقفة نروم اجتهاداً يقاربُ مفهوم الكتابة النابعة من العقل العربيّ الإسلامي في أزمنته الكائنة والممكنة. وأقصد التاريخيةَ والراهنةَ، وأقصد أيضاً احتمالَ كينونتها في أفق الاستشراف، انطلاقاً من نجاحِ النّموذج النبويّ الأول في تاريخ الإنسانية الّذي استطاع أن ينتشل الإنسانَ من قبضة الخراب وكمّاشَةِ الوهم.
و نكتب هنا عن الثقافةِ في عَمارِها وفي استِوائِها وفي فرحِها وفي تناسُلِها وتوليداتِها للحقّ والخيرِ والجمال، داخلَ منظورٍ يروم معانقة الأصالة في الإبداع. إذ ليس بالضرورة أن أكتبَ قلقِي لأن "سارتر" قلقَ على وجوده. ولا أن أعبّر عن عبثِي لأن "كامو" عبثَ في مقاماتِ روحِه قبل إبداعه. ولا أن أترجمَ عدمِيتِي لأن "كيرغارد" فعل ذلك. ولا أن أعدمَ الإلهَ لأن "نيتشه" قتله، ولا أنْ أقلّد فلاناً من هناكَ، صرخَ فأصرخُ مثلما صرخَ في غير توطين للذّات ولا استقلالية في الهوية.
نحنُ في عرينِ البلاد العربية والإسلامية نمتلك شروطَ إنتاجِنا المتفرّدة في خصوصيتها الحضارية، وفي قسوتها الطبيعية، وفي استراتيجيتها الفضائية في شبه الجزيرة العربية، وفي امتداداتها الجغرافية عبر العالم العربيّ والعالمِ في شموليته، وفي تطوّراتِ هذه الامتدادات الزمانية، وفي انتكاساتِها وصعودها في الآن نفسه... ما يجعلُنا عقلاً مستقلّاً في القدرة على الإبداعِ والابتكار، وفي التعامل مع المثاقفة سواءٌ في عصور الدهشة الإسلامية التي قابلها ظلامٌ قروسطي في أوربا... أو في التعامل حاضراً مع كلّ أشكالِ الهيمنة الغربية بدءاً بظاهرة الاستعمار الكولونيالي وانتهاء بالاحتلال التكنولوجي والذكائي الذي يسم زماننا الآن، ويطبعه بكل القسوة الممكنة والمتخيَّلَة في عباءات النّعومة...
من هنا قدرتنا على تمثّل كلّ الكتابات الأخرى النازحة من العقل الغربي في شتّى خلفياتها وتوجّهاتِها أيضاً. مما يجعلُنا في شرطِ الإيمان بتاريخنا وتراثنا وبقدرةِ هذا الأخير على التطور والتجديد، أن نكون نحنُ لا غيرَنا، وأن نكونَ الذاتَ النديّةَ لا التابعة َولا المطبّلةَ بما أملوهُ على طبولنا التي لا تشبه طبولهم... ومن هنا أيضًا اختلافُنا ونحن نكتب. إننا لا نكتُبُ وأفُقُنا مسدودٌ بمدىً مغلق لا يرى في الاستشرافِ إلا العدمَ والخواء واللاشيء. نحنُ نكتبُ وفي يدِ كلّ كاتِبٍ منّا فسيلةٌ والزمنُ قِيامةٌ والمطلبُ في منطقِ العدمية هو الفرارُ والبحث عن الخلاص الفردي، ولكنّهُ في منطِقِ النبوّة القويّة مطلبٌ غريبٌ يطرحُ السؤال حولَ إمكان غرسِ الفسيلة في سياقٍ يقول فيه العالمُ كلّهُ: نفسِي ومن بعدي الطوفان... فشتّان بين من يكتبُ وهو يتجاوزُ حدود الموت إلى حياةٍ أبدية غيبية وسرمدية... ومن يكتبُ وهو محاصرٌ بجدارات الموتِ الدونية والدنيوية الفانية...
***
أبو شامة نور الدين حنيف
..................
1- المصدر: السلسلة الصحيحة، الألباني، الصفحة 9، إسناده صحيح على شرط مسلم







