عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

جمال العتابي: نص في جماليات المكان.. النخلة المراد

لقرب الاحتفاء بيوم النخلة العالمي، تقف نخلة هرمة لا تشبه سواها. في أحد الأزقة الضيقة من مدينة الحرية، حيث تتجاور البيوت المتعبة، تتساند مع بعضها. ليست الأعلى بين نخيل بغداد، ولا أكثرها حملاً للتمر، لكنها أكثر إصغاءً للهمس الإنساني. تتفرع من جذعها العتيق ثلاثة جذوع، محمّلة بالرطب. أكثر من رواية تؤكد أن النخلة تعود للسادة بيت سيد طالب الحسيني يرحمه الله، في منطقة بستان الچلبي، قريباً من متوسطة الأحرار للبنات سابقاً، بمواجهة مخبز شيخ كريم (مخبز النصر)، في شارع مشتل عواد.

جذعها الرئيس ملفوف بقماش أخضر، تتدلى منه عقد صغيرة وخيوط باهتة، تركتها أيادٍ مرتجفة جاءت تحمل وجعها، ثم انصرفت، تركت عندها نصف أحزانها. لم تعرف النخلة أنها ستصبح يوماً مزاراً.

غرستها يد مجهولة، وروتها مياه ساقية تخرج من بستان الچلبي، كانت تصل تلك الأرض قبل أن تموت الساقية وتشيخ المدينة. كبرت مع البيوت، ومع الأطفال الذين صاروا رجالاً، ثم غاب أكثرهم في الحروب. كانت ترى الوجوه تتبدل، والأبواب تُطلى ثم يتآكل طلاؤها، والنساء يزددن انحناءً عاماً بعد عام، تتقوس ظهورهن، لكنها بقيت واقفة، كأن جذورها أوثق من كل ما يتداعى حولها.

ثم جاءت السنوات التي صار فيها العراق وطناً للأمهات الثكالى. كل حرب كانت تمرّ، كانت تقتطع سعفة من عائلة، ونافذة من بيت، وضحكة من طفل. صار الفقد عادةً يومية، حتى لم تعد النساء يسألن: من مات؟ بل يسألن: ابن من هذه المرة؟

في مدينة الحرية، حيث يعيش البسطاء بأمل أكبر من قدرتهم على الاحتمال، بدأت الحكاية:

امرأة فقدت ابنها الوحيد. قيل إنها جاءت إلى النخلة في فجر شتائي، وضعت خدها على جذعها، وبكت حتى ابتلّ اللحاء بدموعها. لم تطلب معجزة، كانت تريد فقط أن تنام ليلة بلا كوابيس. وعندما عادت إلى بيتها، قالت لجاراتها إنها شعرت بأن أحداً كان يصغي إليها.3118 jamal

من هنا تبدأ الأساطير دائماً

امرأة أخرى جاءت تطلب طفلاً بعد سنوات من العقم، وثالثة حملت صورة زوجها المفقود، ورابعة جاءت تستغيث من مرض عضال، وخامسة تريد أن يعود ولدها من الغربة. لم يكن أحد يعرف من أين جاءت الحكاية الأولى، لكنها كانت تكبر مع كل رواية، مثل كرة ثلج تتدحرج فوق ذاكرة شعب أنهكته الخسارات.

شيئاً فشيئاً، صار القماش الأخضر يلتف حول الجذع. لم يكن أخضر لأنه لون النبات، بل لأنه لون الرجاء. كل قطعة قماش كانت تحمل أمنية. كل عقدة، تخبئ دعاءً. كل خيط كان يشدّ قلب امرأة إلى السماء.

ولأن البشر حين يعجزون عن تغيير الواقع يبحثون عن نافذة للرجاء، فقد أصبحت النخلة نافذتهم.

في المساءات، كانت النسوة يقفن عندها بصمت. لا صلوات جماعية، ولا طقوس معلنة. مجرد نساء يتبادلن النظرات، ثم يضعن أكفّهن على الجذع الخشن، وكأن حرارة الحياة ما زالت تسري فيه. بعضهن يهمسن بأسماء الأبناء، وبعضهن يقرأن الفاتحة، وبعضهن لا ينبسن بشيء، لأن الأحزان الكبيرة لا تحتاج إلى كلمات. في المدن المجروحة.. النساء يشتهين لحظة الوحام عند شجرة النخل، أو تمطر السماء لتخصب الأرحام. والنساء العاقرات كن انتظرن بضع سنوات كي يلدن لكن دون وحام.

كانت النخلة، بصمتها الطويل. ربما لم تكن تشفي أحداً، لكنها كانت تمنح الناس وهماً جميلاً بأن آلامهم لم تعد وحيدة. والوهم الرحيم، أحياناً، أقل قسوة من الحقيقة.

أجيال، مرّت عليها..

كانت تشهد صبايا يأتين ممسكات بأيدي أمهاتهن، يوقدن شموع أحلامهن ونذورهن، ثم عدن بعد ثلاثين عاماً وهنّ يمسكن بأيدي حفيداتهن. في "ذاكرتها" العريس الذي خرج مزهوّاً ببدلته العسكرية، ثم عاد بتابوت من جبهات القتل.    حين يصطلي الفقراء بمجامر الحروب، تأتي إليها الأمهات وهن يزغردن لعودة الجنود، ثم يبكين الجنود أنفسهم حين تشتّد النزالات.

النخلة تحفظ الوجوه التي مرّت عليها، وسعفاتها الطوال كانت تحمل أسماء الغائبين. وما خبّأته العصور، وما أرّخته المقادير.

في الليل، حين يهبط على الزقاق، يجعلها تبدو كـ "شيخة" وقورة ترفع ذراعيها إلى السماء بالدعاء. لم تكن النخلة مقدّسة. لكن الوجع الذي علق بها كان مقدساً. لم تكن تصنع المعجزات. إنما كانت تجمع الدموع التي لم تجد كتفاً تستقر عليه.

أقول للذين استباحوا عفاف النخيل، والذين بغوا في البلاد: هذه جنّة الله، لا يعتريها ذبول.. ظلت النخلة واقفة. ليست لأنها أقوى من الريح، بل لأن آلاف الأمنيات المربوطة إلى جذعها كانت تسندها، تحيط به قلوب النساء الموجوعات. تكفيها بعضاً من قطرات مالحة.

***

جمال العتّابي

في المثقف اليوم