أقلام ثقافية

احمد عابر: هجوم المماليك.. حين تنصت الحضارة الى القوة

(في النهاية تفنى الحضارات لأنها تستمع إلى سياسييها لا إلى شعرائها).. يوناس ميكاس

هذا القول لا يقرأ بوصفه حكمة مجردة بل كتشخيص دقيق للحظة تاريخية يتراجع فيها الصوت الداخلي للانسان امام ضجيج السلطة. حين يغيب الخيال النقدي الذي يحمله الشعراء، اصحاب الفكر والفنانون يصبح الواقع محكوما بمنطق واحد هو القوة. لا يعود الانسان قادرا على رؤية نفسه او مساءلة افعاله بل يتحول الى اداة داخل حركة اعنف منه. في هذه الحالة لا تنهار الحضارات فجأة بل تتآكل تدريجيا من الداخل حين تفقد قدرتها على الاصغاء الى ما هو ابعد من السياسة والسلطة.2553 ahmad

لوحة الثاني من مايو ١٨٠٨ المعروفة ايضا باسم هجوم المماليك لا تقدم مشهدا يمكن قراءته بسهولة بل تضع المشاهد داخل قلب اضطراب بصري متواصل. لا يوجد مركز واضح للتركيز ولا نقطة استقرار للعين. التكوين مبني على حركة دائرية مضطربة تدفع النظر من طرف الى اخر من دون توقف. الخيول في قلب المشهد ليست مجرد عناصر بل محاور طاقة عنيفة تدفع الكتلة البشرية الى التفكك. اجسادها مشدودة عضليا في وضعيات متناقضة بين الهجوم والذعر ما يخلق توترا بصريا ينعكس على كامل اللوحة.

اللون يلعب دورا اساسيا في هذا الاضطراب. لا يوجد توازن لوني مريح بل صدام بين الالوان الترابية الداكنة والاحمر القاني الذي يظهر في بقع الدم والملابس. هذا الاحمر لا يعمل كعنصر جمالي بل كاشارة صادمة تقطع استمرارية المشهد وتعيد توجيه العين نحو العنف. الضوء بدوره غير مستقر فلا يأتي من مصدر واضح بل يتوزع بشكل غير متجانس على الوجوه والاجساد مما يعطي احساسا بان المشهد يحدث في حالة اضطراب زمني ايضا وليس فقط مكاني.

الحركة داخل اللوحة ليست خطية بل متكسرة. كل شخصية تبدو وكأنها تتحرك في اتجاه مختلف مما يلغي اي احساس بالتنظيم او القيادة. حتى المواجهة بين الطرفين لا تظهر كصراع واضح بين قوتين بل كتشابك فوضوي حيث تختلط الاجساد ولا يمكن التمييز بسهولة بين المعتدي والضحية. هذا التداخل البصري لا ينقل حدثا فقط بل يكشف عن لحظة يفقد فيها العنف اي معنى منظم ويصبح تجربة عمياء تتجاوز الافراد.

الوجوه في اللوحة ليست بطولية ولا مثالية بل متعبة ومشدودة بين الخوف والغضب. بعضها يصرخ وبعضها يحدق بفراغ وبعضها يكاد يختفي داخل الكتلة البشرية. هذا التعدد في التعبيرات لا يقدم سردا موحدا بل حالة نفسية جماعية حيث يفقد الفرد حدوده داخل الحشد. حتى الاجساد الساقطة في المقدمة لا تعامل كضحايا منفصلين بل كامتداد طبيعي للفوضى العامة.

من الناحية التركيبية تهيمن الخطوط القطرية على المشهد. السيوف وحركة الخيول والاجساد ترسم شبكة من الاتجاهات المائلة التي تدفع العين باستمرار الى الانزلاق. لا توجد خطوط مستقرة تمنح المشهد توازنا بل كل شيء في حالة ميل دائم وكأن العالم نفسه فقد مركزه. بهذا المعنى لا تقدم اللوحة معركة بل انهيارا بصريا لفكرة النظام نفسها.

اذا تجاوزنا القراءة البصرية البحتة يمكن النظر الى هذا المشهد من زاوية روحية اعمق. من منظور ابن عربي تبدو اللوحة كتجلي لخيال فقد اتصاله بالمصدر الذي يمنحه المعنى.

العالم هنا لا يخلو من الصور بل يفيض بها لكنه يفتقد النور الذي يجمعها. تتكاثر الاجساد والحركات لكن من دون مركز يوحدها. في هذا الغياب تتحول الافعال الى اشكال منفصلة لا تشير الى حقيقة اعمق.

ما نراه ليس مجرد عنف بل تشتت في الرؤية نفسها حيث يفقد الانسان قدرته على ادراك الكل ويغرق في الجزئيات المتصادمة.

اما في السياق الشعري فإن هذا الانفجار البصري يجد صداه في تصور لوركا الشاعر الغجري الاسباني، لما سماه الديوين.

لوركا يرى في اعماق الثقافة طاقة مظلمة قادرة على الخلق حين تمر عبر الفن لكنها تتحول الى قوة مدمرة حين تنفصل عنه.

في لوحة غويا تظهر هذه الطاقة من دون وسيط جمالي. اللون الاحمر لا يتحول الى استعارة بل يبقى جرحا مفتوحا. الوجوه لا تغني بل تصرخ. بهذا المعنى لا نرى حضورا للديوين بوصفه قوة ابداع بل انحرافه حين يفقد علاقته بالشعر.

في هذا المستوى تصبح اللوحة تجربة حسية وفكرية في آن واحد. المشاهد لا يقف خارجها بل يجد نفسه داخل اضطرابها. ما تقدمه ليس فقط تصويرا لانتفاضة بل تشريحا للحظة تنتصر فيها القوة على المعنى.

هنا تعود عبارة يوناس ميكاس لا بوصفها تأملا نظريا بل كحقيقة مرئية. حين تصغي الحضارات الى القوة وحدها تفقد قدرتها على التوازن ويصبح العنف لغتها الوحيدة.

 والسؤال الذي يبقى ليس عن الماضي بل عن الحاضر الذي نعيشه نحن ونحن نعيد الاصغاء ذاته.

***

د احمد عابر

 

في المثقف اليوم