أقلام ثقافية
توفيق التونجي: كتابات فوق السحاب (3)
الكتابة فوق السحاب من الأمور المحببة لي لطرد الضجر وانا جالس بين المسافرين من السياح وحيث يتكرر دوما سلوك البشر وحمى السفر بين الجميع ويمكن مشاهدة ذلك وبوضوح عند البعض حيث تراه مشدودا الأعصاب وفي حالة من الهلع احيانا عند الانتظار للصعود او النزول من الطائرة . أسافر عادة بالطائرة منذ اكثر من نصف قرن كانت اول رحلة لي على متن طائرة خطوط " طيران الشرق الأوسط " الخطوط الجوية اللبنانية من بيروت إلى بغداد عام ١٩٧٣ وبعد تلك السفرة أسافر مرات عدده سنويا.
في سفرتي هذه جلست سيدة بجانبي حيث اختار مقعد بجانب الشباك وبدأت ومنذ اللحظة الأولى متعظة وأعصابها مشدودة رغم اني حييتها قائلا " صباح الخير سيدتي" لكنها من الجنس الإسكندنافية الأشقر المتكبر ردت بامتعاض وطلبت كأنها رئيس تأمر مرؤوسيها مني تعديل جلستي على المقعد. لم أبالي بسلوكها وبقيت طول السفر مجهشة ولم أتحدث معها. الجدير بالذكر ان اي رد فعل لأمثال هؤلاء سيؤدي إلى شعورهم بالرضي لانهم تمكنوا من رؤية نتيجة إيذائهم للآخرين فهم مرضى واذا لم يشاهدوا اي رد فعل من الجانب الاخر يتأذون هم بأنفسهم جدا. يحتاجون إلى أسلوب التسقط (الدونية) وبمجرد الحديث معهم بالإنكليزية التي يتقنها معظمهم وهي اللغة الثانية في البلاد يتغير سلوكهم جذريا. ان سلوك ابناء الشمال الإسكندنافي يتغير كذلك جذريا حين يسافرون إلى خارج بلدانهم وقد ترى جارك في احدى سواحل الأندلس تراه فجاء تغير ويتحدث معك بلطف ويجاملك وكأنكم أصدقاء العمر. الجو ها هنا في المطار بارد وجليد ومدرجات المطار كحقل كبير ابيضّ والسماء ملبدة بغيوم رمادية داكنة واختفى جميع الطيور ولا يمكن روية حتى الأشجار في الغابات حيث كانت الثلوج تهطل بغزارة خلال الأيام الماضية وبدأت تهطل مع اقتراب ايام الاحتفالات بعيد الميلاد المجيد وهذا طبيعي ها هنا ونحن على بعد كيلومترات من خط القطب الشمالي حيث يكون النهار قصيرا جدا والظلام ينشر وشاحه على القسم الشمالي من الكرة الأرضية ايام الشتاء.
خط سير الطائرة بعد تركها للأجواء مملكة السويدية كانت تتجه إلى الدنمارك، ألمانيا، هولندا، بلجيكا، فرنسا ثم تعبر جبال البرانس لتتجه جنوبا إلى مدينة ڤالينسيا الإسبانية ثم نعرج على غرناطة واخيراً نصل إلى مدينة ملقا مقري في إيلافي الشتوي في الحبيبة الأندلس. الجو في اوربا في هذا الموسم عموما بارد جدا لكننا ونحن نغادر كانت المؤشر على ناقص ثلاث درجات مئوية في حين درجات الحرارة في الأندلس كانت تسير إلى حوالي عشرون درجة مئوية. إقلاع الطائرة تأخرت لان المدرجات متجمدة ووجود ثلوج على هيكل الطائرة نفسها كان يجب ازالتها قبل انطلاقها سابحة بين الغيوم. هذا الشعب الذي كان من الفقر يبيعون أبنائهم على ي ساحات المدن إلى ان تحولت المملكة بعد الحرب العالمية الثانية إلى احدى الدول الغنية فاحتاجت إلى الأيدي العاملة الأجنبية لبناء الدولة بعد ان كان الملايين منهم قد تركوا البلاد مهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة العوز المالي والفقر يسموهم اليوم المهاجرون السويديون ولهم متحف خاص بهم في مدينة بوروص الجنوبية. وهم من الشعوب الغير متدينة ودخلت المسيحية في القرن الثامن الميلادي وأكثرن من الطائفة المسيحية البروتستانية ولم تكن دخولهم الدين الجديد سهلا بل دمويا احيانا حيث كانوا يؤمنون بتعددية الالهة وإلههم الأكبر " تور"اعمي يحمل مطرقة بيده. بقى ان نعلم بان ابن فضلان كتب عن الفايكنج في سفرته ورحلاته إلى الشمال حيث وجد العديد من العملات الإسلامية في المدن التاريخية في الساحل الشرقي من السويد ورغم ان الفايكنج كانوا من التجار حيث استخدموا نهر فولكا للإبحار جنوبا ووصلوا إلى الشرق وكان السلاطين العثمانيين يستخدمونهم كحراس شخصين وفي الحروب لباسهمً الشديد وقوتهم البدنية لكن البعض منهم اتجهو غربا إلى المملكة المتحدة ونهبوا شعوبها ولا تزال آثارهم ومدنهم قائمة لحد اليوم بينما ابحر جزء منهم جنوبا الى إسبانيا وعاثوا فيه فسادا .
بقى ان نعرف بان المجتمع السويدي لا يزال يحتفظ على العديد من الإرث الثقافي والديني لهولاء الفايكنج وحتى أغانيهم في احتفالاتهم ومعروف إنسان دول الاسكندنافية بحبه وولهه الشديد لشرب النبيذ. اما ملابسهم الشعبية فبالكاد يلبسونها إلا في مناسبة سنوية واحدة فقط تسمى بعيد منتصف الصيف حيث يرقصون ويغنون في دائرة كبيرة حول عمود على شكل صليب يمثل الخصوبة. وهم عادة غير اجتماعيين فبالكاد يعرفك جارك ويسلم عليك حتى بعد مرور أربعون عاما على مجاراتك له. لكن السنوات الأخيرة ومع شدة الهجمة التي تقودها احزاب اليمين المتطرف بدأ آثار العداء لكل المهاجرين هؤلاء ممن عملوا بجد لبناء هذه المملكة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لكن مع اختلاف طبيعة الهجرة و هؤلاء ممن قدموا في السنوات الأخيرة كانوا من المغامرين والطامعين في الرفاه الاجتماعي والخدمات الاجتماعية في دول اوربا ولم يقدموا الكثير لهذا البلد مما اصبح وجودهم وسلوكهم الاتكالي واحيانا الاجرامي الحطب لنار الحقد والفتنة التي تقودها هذه الأحزاب اليمينية القومية والسلبية والتي اجتاحت جميع دول اوربا
أخبار اليومية في جميع القنوات الإعلامية تحمل في نشراتها الإخبارية اليومية اخبار تنشر كافة الاخبار السلبية عن المهاجرين وقد ادى كل ذلك إلى تغير جميع الأحزاب السياسة وبكافة اتجاهاتها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين سياستها نحو الهجرة والمهاجرين حيث بات ظاهرا ان بعض القوانيين التي سنت اخيرا تدور في محور التميز العلني واعتبار الأجنبي متهما حتى لو كان بريئاو لم يكن قد عمل اي مخالفة وتفتيشه في النقاط الحدودية ومن ثم مصادرة أمواله ومقتضياته مالم يثبت على امتلاكها بصورة شرعية. كما سيلغى إقامات الدائمة لمئات الألوف من المهاجرين واستبدالها بأخرى مؤقتة وحتى طردهم من البلاد. كل هذا ينعكس اليوم في المجتمع ومن سلوكيات المواطنين حيث نظرية القطيع والسلوك الجمعي.
لهذا لم أستغرب أبدا سلوك هذه السيدة الشمطاء حين وجدت احد المهاجرين جالسا بجانبها في سفرة تصل إلى أربع ساعات طيران.
لكني أقول مرددا "وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خيراً لكم " والى سفرة قادمة بإذن الله.
على متن طائرة النرويجية ونحن نمر من سماء مدينة پاريس العاصمة الفرنسية
***
د. توفيق رفيق آلتونچي
2026
....................
إشارات
ابن فضلان (٠٠٠ - بعد ٣١٠ هـ = ٠٠٠ - بعد ٩٢٢ م) أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد ابن حماد: صاحب الرحلة إلى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة، المعروفة ب (رسالة ابن فضلان - ط) مبتورة الآخر. كان في أوليته من موالي محمد بن سليمان الحنفي (القائد، فاتح مصر) ثم أصبح من موالي المقتدر العباسي. وأوفده المقتدر إلى ملك الصقالبة (على أطراف نهر الفولغا) مع جمع من القادة والجند والتراجمة، إجابة لطلب بلغار الفولغا وقد بعثوا برسول منهم إلى عاصمة الخلافة يرجون العون على مقاومة ضغط الخزر عليهم من الجنوب، وأن ينفذ إليهم من يفقههم في الدين ويعرفهم بشعائر الاسلام. وكانوا قد اعتنقوه قبل عهد غير بعيد. وقامت البعثة من بغداد (في ١١ صفر ٣٠٩ هـ، ٢١ يونيو ٩٢١ م) مارة بهمذان والري ونيسابور ومرو وبخاري، ثم مع نهر جيحون إلى خوارزم إلى بلغار الفولغا في ١٨ محرم ٣١٠ هـ (١٢ مايو ٩٢٢ م) ولم يعرف خط سير الرجعة لضياع القسم الأخير من الرسالة نقلا عن: الأعلام للزركلي جبال البرانس؛ سلسلة جبال البرانس هذه هي الجبال الفاصلة بين فرنسة وأسبانية. ولما انتخب الأسبان حفيد لويس الرابع عشر ملك فرنسة ملكًا عليهم قال له جده: يا ولدي لم يبق برانس. وذلك إشارة إلى أن هذه الجبال هي الحد الحاجز بين المملكتين. وهي ممتدة من البحر المتوسط الاطلانطيكى، وبدايتها من جهة البحر المتوسط رأس «كريوس» Créus في أرض أسبانية، وهو متصل «برأس سربار» Cerbére من أرض فرنسة شمالي مرسى «بو» Port-Bou ونهايتها عند الأطلانتيكي نهر «بيداسوا» Bidassoua الذي يصب ماؤه في خليج غشقونية Gascogne وفي وسط هذا النهر جزيرة الحجال التي اصطلحت المملكتان أن تجعلها منطقة متحايدة بينهما.
للمزيد حول الموضوع يرجى مراجعة الرابط التالي؛
https://www.hindawi.org/books/36840926/29/
مادة في صفحة المثقف:
https://www.almothaqaf.com/aqlam-2/978675







