أقلام ثقافية
محمد الزموري: صرخة مونش.. وصدى المهجورين
رسم إدفارد مونش لوحة "الصرخة" أول مرة عام 1893، في هيئة جنينية، بقلم شمع على كرتون. ثم عاد إليها في العام نفسه، فصاغ النسخة الأشهر بتقنيات مختلطة من الزيت والتمبرا والباستيل، قبل أن يعيدها إلى الحياة مرتين أخريين، عامي 1895 و1910. وكأن الصرخة، منذ ولادتها، لم تكن حدثًا مكتملًا، بل نداءً يتكرر، ويتحوّل، ويصرّ على البقاء.
منذ أكثر من مئةٍ وثلاثين عامًا، لا تزال الصرخة تحدّق فينا. ليست لوحةً عتيقةً أنهكها الزمن، بل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الإنسانية.
رغم تهديد الرطوبة لألوانها، ورغم هشاشة الكرتون الذي احتضنها، ما زالت قادرة على الدهشة، لا لقيمتها الفنية وحدها، بل لأنها لم تكفّ يومًا عن قول ما نعجز نحن عن قوله.
بقوتها التعبيرية، وبألوانها المشبعة بالاختلال، وبالسر الذي لا ينفد من قراءته، تحوّلت الصرخة إلى رمز للإنسان الحديث: إنسان الوحدة، والقطيعة، وانكسار الانسجام مع الكون. لم يعد الحلم وسيطًا للواقع، بل صار الواقع نفسه كابوسًا يُعاش مباشرة، بلا حماية. الوجه في اللوحة لا يصرخ فقط؛ إنه يُلتهم من الألم، يذوب فيه. الزمن الداخلي يبتلع التاريخ والعلاقات، ويحوّل العالم إلى صدى داخلي خانق.
بلغة الصورة، يترجم مونش ألمًا كونيًا. ما نراه ليس فردًا، بل حالة وجودية. ولهذا لم تكن الصرخة حكرًا على الرسم وحده. ففي عام 1918، كتب فرانز روزنزفايغ نصه الصرخة، حيث تصبح الصرخة لحظة تصالح مأساوي بين الروح والجسد، «الصرخة التي تستدعي الأبدية والتفرّد»، تلك التي تكشف «الدراما العظمى بين الإنسان والعالم في مثلث الخلق». الصرخة هنا ليست صوتًا، بل حدثًا ميتافيزيقيًا.
هذا الصدى نجده أيضًا عند كيركغارد، حيث القلق هو نغمة العصر، وعند دوستويفسكي، حيث الإنسان يسير على حافة مرتفعة بين هاويتين: أنانية بلا حب، أو قداسة بلا أمل. وحتى عند نيتشه وسارتر، تتخذ الصرخة شكل الإحساس المأساوي بالحياة، ذلك الشعور بأن الواقع ذاته بات غير متوافق جذريًا مع إنسانيتنا.
في الفكر الحديث، لم يعد العالم مأوى، بل مسرح توتر دائم. عدم الانسجام لم يعد استثناءً، بل قاعدة.
عام 2021، وأثناء نقل الصرخة إلى المتحف الوطني النرويجي الجديد، كُشف سر صغير لكنه زلزل المعنى: نقشٌ خافت بقلم رصاص في الزاوية العليا للوحة عام 1893، يُنسب إلى مونش نفسه، يقول: «لا يمكن أن يكون قد رُسم إلا بواسطة مجنون».
بعد 130 عامًا، لا تزال كلمة مجنون تطالبنا بالمسؤولية. مسؤولية الصورة في زمن طغيان الصور. ومسؤولية ما يسميه إينزو بورغنا «الإيماءات المفقودة»: تلك الأفعال الصغيرة التي لم ننجزها، وكان يمكن لها أن تقول للآخر: أنا أراك. مصافحة، ابتسامة، عناق. في اللوحة، يمرّ أشخاص آخرون، غير مبالين. الصرخة تُطلق، لكن لا أحد يلتفت.
وهنا ينفتح تأويل جديد: مونش لا يرسم صرخته وحده، بل صرخة الجرحى والمهمّشين، صرخة المضطهدين، صرخة من تُركوا خارج السرد. الصرخة هي أيضًا صرخة المهجورين، أولئك الذين لم يجدوا من يسمع.
ربما حان الوقت أن نقف أمام هذه اللوحة من جديد، لا بعين الإنسان المتخم بخطابات الحداثة، بل بأذنٍ أكثر تواضعًا. أن نصغي إلى منظور الفقراء، والمنبوذين، والمجانين، والمضطهدين، الذين ما زالوا يسألون: إلى متى؟
تدعونا الصرخة إلى النظر في الحروب، والأوبئة، والهجر، والعنف، واستغلال الضعفاء، وفي كرامة الإنسان المهدورة. تدعونا إلى استعادة ذاكرة المظلومين، أولئك الذين مُحوا طويلًا من روايات المنتصرين. موضوع هذه القصة الأخرى هو كل ما «تُرك خلفه».
ولكي نروي هذه القصة، لا نحتاج أولًا إلى الكلمات، بل إلى الصمت. صمتٍ يشبه الوقوف أمام شواطئ كوترو، أو أمام جسد طفل مغطّى بالكفن في أي بقعة من هذا العالم.
هناك، فقط هناك، تبدأ الصرخة في أن تُسمَع.
***
محمد إبراهيم الزموري






