موريل سبارك
ترجمة: صالح الرزوق
***
بحذر تنقلت من غرفة إلى غرفة، وتلكأت بين الأثاث الفاني الذي يشبه بطرازه الأثاث الأصلي المفقود، والمستبدل منذ فترة طويلة. هذا هو بيت الشاب جان جاك روسو، لو شارميت Les Charmettes على مشارف منطقة شامبوري في سافوي بفرنسا. حيث أقام من 1736 إلى 1742 مع السيدة وارينز، صديقته الناضجة، والتي تكبره بثلاث عشرة سنة. وكان عاشقا رسميا لها وكان يدعوها 'مامن'. وكان مقر إقامتهما الصيفي. الآن بواكير الربيع. أخبرها الحارس حينما قدم لها تذكرتها مع البروشور في الأسفل عند المدخل إنه لا يوجد غير عدد قليل من الزوار. ومثل معظم هذه البيوت النائية والمعتنى بها والتي تعود للمشاهير، أبدى الحارس استعداده للكلام عن تاريخ المكان هناك وهو في مأواه في أسفل السلالم بجانب الموقد، ولم يكن قلقا من السماح لزائرة مهذبة وهادئة الملامح أن تتجول بين تلك الغرف الباردة، في الأسفل والأعلى. ولكن في الأعلى وجدت زائرا. وهي غير متأكدة لماذا أصابتها الدهشة، وربما هذا لأنها لم تسمع صوت تجواله حتى صادفته، يحدق بزاوية صغيرة أودع فيها سرير جان جاك روسو، أو نسخة من سريره. كان الرجل طويلا ورفيعا، بحوالي الثلاثين، ثيابه غير رسمية، فقد ارتدى معطفا أسود قصيرا وبنطالا بنيا مخضرا. حينما التفت ليمحضها بنظره شاهدت أن قميصه الخارجي أسود، وينتهي بياقة قميصه الداخلي الأبيض الظاهرة عند العنق. ولذلك يمكن أن تعتبره رجل دين، لو لا البنطال. وله وجه طويل، وشعر معتدل، وعينان رماديتان. وزيه غير الرسمي تجاوزه الزمن قليلا، مع أنه أنيق وغالي التكلفة. وسبق لها أن رأته. أبعد نظراته عنها، ثم عاود النظر باتجاهها. لماذا؟. لأنه رآها من قبل. تابعت تجوالها بين الغرف، ولاحظت أن التفاصيل تذكرها بأسلوبها وذوقها. تفاصيل قريبة. ورق الجدران في غرفة مدام دي وارينز، كما يقال، تعود إلى طراز أصلي من القرن 18، وله زهور صغيرة مرسومة باليد. وهذه أكبر غرفة في البيت. فيها نافذتان واسعتان جدا تشرفان على حديقة باردة في بواكير الربيع، وخلفها الوادي والجبال. وكان هناك في هذه الحديقة روسو الشاب الجذاب ينتظر كل صباح، بصره نحو الأعلى متحينا فرصة فتح أغطية النوافذ. فقد كان "يوم الأم" - ها هي تهبط، لتأخذ نظرة أخرى من كل من هناك لمقابلتها. شاهدت الزائر الآخر في كوخ الحارس، وكان ظهره لها. كان يشتري بطاقات تذكارية. غادرت المتحف وانصرفت لشأنها. خارج البوابة وقفت سيارة بيجو صغيرة بلون كريمي. لا بد أنك سمعت بــ "بن" دوندو، كاتب السير وصهر الروائي هنري كاسلماين. كان قد تزوج من دورا كاسل ماين عام 1906، وأغرم من قبل بروايات والدها المشهورة والتي سقطت في حفرة الإهمال. ولكنه لم يكن مغرما بدورا على الإطلاق، وكانت ممتنة لذلك. فهي أكبر من بين بست عشرة سنة، وقد بلغت الرابعة والستين من العمر، ودخلت مرحلة العانس. كان حبها ينصب على أبيها المشهور. تزوجت بين، وهي بالثلاثين، فقط لأنه يعمل مدير مدرسة، وذلك لمساعدة دخل والدها المتذبذب، ولتتمكن من التخلي عن عملها وتهب نفسها لوالدها. قبل شروط هذا الزواج كما فعل في الماضي البعيد، وقبل تأييد قرائه وطاعة نقاده الشباب. انتقل بين إلى بيت كاسل ماين وفي المساء وخلال عطل المدرسة يجلس لتنسيق أوراق كاسل ماين، ولتدوين ملاحظات كثيرة عن محاوراته مع هذا الروائي المتقدم بالسن، والذي بلغ الآن الخامسة والثمانين. وبعد ثلاث سنوات تقريبا، وبعد نشر كتاب السيرة، بدأ بزوغ نجم كاسل ماين. فأعيد نشر رواياته، وتم تحويلها إلى أفلام لبثها بالتلفزيون. وحينما مات هنري كاسل ماين كان قد بلغ ذروة شهرته. ترك البيت لابنته دورا. كل أوراقه، وكل نتاجاته الأدبية، كل شيء. لكن حصل بين على مبلغ محسوس من سيرة كاسل ماين. وكانت تكفي لتقيم أودهما. وفي تلك السنوات الأخيرة من حياة كاسل ماين، تحسن وضعهما المالي، وعلى نحو أساسي من جهود بين الأولية لإحياء شهرة والد زوجته. كان بمقدورهما الاستعانة بطباخ ووصيفة، كي تتحرر دورا من التزاماتها وتصبح شريكة حقيقية لأبيها وترافقه بنزهة في الفولكسفاغن الجديدة. ولم يشعر أحد بالدهشة، بعد موت كاسل ماين، حينما انتهى الزواج. فأساسه الوحيد كان ولاء الزوجين لوالد دورا. كان بين شابا وفي فورة الخامسة والثلاثين، بينما بلغت دورا الواحدة والخمسين، وبالنظر لعمرها الكبير لم يكن بينهما شيء مشترك باستثناء ذكرياتهما عن الرجل العجوز. كان متسلطا ومتعبا، ولكن لم يزعج ذلك دورا. إنما شعر بين بوزن وثقل شخصية حماه الشهير. وتابع المهمة، إكراما لعمله المتألق، وبذل جهودا خاصة للترويج لهذه الأعمال، وكان يوميا، وفي مكتبه، يملي الأرشيف، بالهاتف على التلفزيون ومنتجي الأفلام. وفي أيام زواجهما المبكر حاول أن يمارس الحب مع دورا، ونجح ذلك إلى حد مقبول انطلاقا من حماستها الواضحة لوالدها. ولم تتمكن دورا من المتابعة. كانت مهووسة بوالدها، ولم يملأ بين مكانه. استمر بين مع السيرة، وأنهى عمله. كانت دورا بالغة الغنى. دفن هنري كاسل ماين. رافق ذلك مراسم حاشدة، تضمنت المراسلين الصحفيين والتلفزيون. في الأسبوع التالي انتهى كل شيء. عاش كاسل ماين على شهرة الميت، ولكن لم يعد بين ودورا زوجين. وحينها تم تسريب القليل من المعلومات. وأصبح من المعروف أن دورا رفضت أن تغادر بيت طفولتها الذي عاش والدها فيه. احتل بين شقة في لندن، وأشاع بين أصدقائه أن دورا مقترة. كانت تمنحه مرتبا. وما كسبه من كتابة السيرة لم يكن كافيا إلى الأبد. كتب الكثير من مقالات كاسل ماين، وقيل إنه فكر بموضوعات إضافية، شيء طازج يكتب عنه. وخلال شهور اقترحت دورا الطلاق، كتبت له: عزيزي بين، عزمت على رؤية المحامي باسيه. وبلا شك سيتصل بك. أعلم أن الوالد يرغب أن نكون معا، وأن يحب الواحد منا الآخر، كما كان يريد منذ البداية. كانت رغبة الوالد أن لا أطلب شيئا، وكره حقا الكلام حول التفاصيل المالية لتلك الفترة القديمة حينما بدأ كتابه يتراجع، وفي تلك الأيام التقينا. وأعلم أن والدي رغب مني أن أظهر امتناني، وأن أعرب عن اعترافي بالجهد الذي بذلته في حياتنا (مع أنني طبعا مقتنعة أن إحياء سمعة والدي الكبيرة لا بد منها في أي حال). ولذلك طلبت من باسيه أن يقدم لك مرتبا شهريا وأنت حر بقبوله أو رفضه، بما يمليه عليك ضميرك. يجب أن يتم الطلاق بهدوء وسلاسة بقدر الإمكان. على الأقل لأن الوالد يفضل ذلك. وأعتقد أنه أيضا يتمنى السرية التامة بناء على ظرف ارتباطنا والذي كان زواجا بالاسم فقط، والقضية يمكن ببساطة أن يؤكدها العاملون في المنزل (وهم بالطبع دائما يعرفون كل شيء، كما يقول الوالد). ولذلك يمكنني الحصول على الطلاق ببساطة تامة بطريقة أخرى غير التوافق. وهكذا أوفر التكاليف التي أقدمها لك بشكل اتفاق ببن صديقين. وأنا مطمئنة أنك استفدت من بقائك معنا تحت سقف بيتنا لعدة سنوات مرت. كان والدي يتمنى أن يقطف ثمرة عمله، وسريعا سأقوم برحلة إلى الخارح، ولا سيما إلى أماكن أحب والدي أن يزورها. المخلصة بنية طيبة دورا كاسل ماين.
الذي تغلغل في عظام بين عبارة 'بنية طيبة' وليس توقيعها الرسمي. تذكر عبارة من أحد كتب هنري كاسل ماين: "احذر من شرور أصحاب الحق".
ماذا هناك لتشاهد في حدة وروعة مسقط رأس جان دارك الكائن في دارمي لا بوسيل في الفوسج؟. إنها محاصرة بفراغ تحيط به الجدران الرمادية، وبدون شك كان بعضهم هنا ثم رحلوا. وهو موجود على جانب الطريق، في ظل شجرة ضخمة. وبالجوار جسر بعد المتحف حيث يحوم رجل، وينظر إلى الماء. وبقربه تقف سيارة بيجو صغيرة كريمية اللون، تنتظره، وباب السائق مفتوح. ركبها مرة ثم خرج منها. بحث بنظره عن المرأة التي كانت تراقبه وهو يتجول في مكان الولادة البسيط، والمفتوح حاليا للعموم. راقبته المرأة وهو يقلع بالسيارة، بسرعة، ويبتعد أكثر فأكثر، ثم أتى الحارس الواقف عند المدخل لبيع التذاكر، وانضم إليها في الطريق، ليتبعه بنظراته. لم يطلق بين دورا أبدا. وعرض رسالتها على أصدقائهما. من محاسن الزوجين الاحتفاظ ببعض الأصدقاء. ولكن، كما هو الحال دائما، حينما يأتي الوقت لإحصاء 'عدد الأصدقاء القليلين'، يفاجئك الرقم. وأغلبهم أصحاب نفوس كبيرة.
"تلك طريقة غير مقبولة للتعامل معك يا بين. في البداية وفرت لها ثروة، والآن هي.."."عليك أن تجد محاميا يا بين. أنت مضطر لــــ". "يا لها من رسالة باردة وقاسية. ولكن الكلام بيننا كانت دائما محبة لوالدها. كان الأمر غير نظيف".
قال بين: "لن أبحث عن محام. ولكن سأقابل دورا".
وذهب للقائها بالسر. فتح الباب شاب طويل وبدين. انحنى بسعادة حينما قدم له بين نفسه وطلب لقاء زوجته.
قال: "دورا في المطبخ".
ذهبت رائحة الأب من البيت. اختلس بين نظرة من باب غرفة الطعام، باتجاه المطبخ. لاحظ ورق جدران جديد وسجادة جديدة. كانت دورا هناك في المطبخ، بوجه غير سعيد، وتخفق البيض. طاولة المطبخ كانت مجهزة للوجبة، ولكن لا تستطيع أن تقدر أية وجبة، هل هذا هو الغداء أم الإفطار. كانت الساعة تبلغ الرابعة والربع مساء. في كل حال لم تكن دورا سعيدة. وشاهد بين بوضوح أنها مندمجة بكآبتها. وهذا كل ما تمتلك. جر الشاب المتهدل على أرض المطبخ كرسيا من أجل بين، وقال له: "اعتبر نفسك في بيتك". استدار بين ليغادر. فقالت دورا: "انتظر. لا تذهب. علينا أن نجلس ونناقش الوضع مثل ثلاثة أشخاص متحضرين".
قال بين: "حصلت على كفايتي من ثلاثة أشخاص متحضرين. كنت أنت وأبوك متحضرين جدا. وكنت أنا بنفسي متحضرا بما يكفي لأسمح بالاستفادة مني ثم طردي بعد أن أصبحت عديم النفع".
قال الشاب الضعيف: "كما أفهم لم تكونا زوجا لدورا أبدا. فقد شاءت أن تكون أداة لتقريبك من والدها".
قال بين مشيرا إلى الشاب: "من هذا؟".
أحضرت دورا البيض المخفوق إلى الطاولة ووضعته أمام صديقها. وقالت: "تناوله وهو حار. ولا تنتظرني". وشرعت بكسر البيض في الطبق. بدأ الشاب بالأكل. قال بين: "ألا يوجد شراب في البيت؟. هذا شيء كريه". ثم نهض وذهب إلى غرفة المعيشة حيث يوجد الشراب، كما هي العادة، فوق صينية. ولدى عودته مع الويسكي والصودا، كان مكان الشاب فارغا، وبقايا البيض المخفوق في صحنه. ثم رأى بين من نافذة المطبخ أطراف بنطال الشاب وحذاءه المتوارية في النصف العلوي من سلالم تقود إلى الحديقة وإلى باب يفضي إلى الزقاق في الخلف. تحركت دورا وملعقة البيض المخفوق في يدها لتغلق باب المطبخ المفتوح. قالت دورا: "يمكنك أكل هذه العجة. وسأجهز وجبة لي".
"لا يمكنني أكلها في هذا التوقيت. شكرا. ماذا جرى لصديقك؟".
قالت دورا: "أعتقد أنه خجل حينما شاهدك".
"خجل من ماذا؟".
"من حياته هنا وإتاحة البيت للعامة. أدين بذلك لوالدي. أولا سأقوم برحلة خارجية، وصدقني، سأجد شريكا، مساعدا، شخصا، يساعدني في إدارة البيت وتحويله إلى متحف. ولا سيما غرف الوالد، ومخطوطاته".
قال بين: "حسنا. هذا ما خططنا له دائما حالما مات هنري".
قالت دورا: "أنت لست الوحيد المتحمس من بين الكاسل ماين. وأنا لست مسنة جدا ولا يمكنني الزواج ثانية، وبمقدوري فتح المتحف للعموم، بعض الغرف، الهامة منها. وقد أعدت طلاء البيت واعتنيت بالأرض. وبإمكاني المتابعة مع شريك حياة جديد".
"وبأي دافع تريدين أن تتزوجي ثانية؟".
قالت دورا: "للسبب المعتاد. الحب والجنس والشراكة. في نهاية الأمر فكرة كاسل ماين لم تكن كافية. لا يمكنك أن تذهب إلى السرير لأجل فكرة".
قال: "كنت معتادة على ذلك في حياة هنري".
"حسنا. ليس الآن".
قال بين: "هل تمانعين إذا تجولت في البيت قبل أن أنصرف؟".
نظرت دورا في ساعتها. تنهدت. وضعت الأطباق في المغسلة. وقالت: "سأرافقك. ماذا تريد بالضبط؟".
"لأرى بأم عيني كيف حاله الآن؟".
انتقلا من غرفة إلى غرفة. كانت الكراسي كساء جديد، الجدران والأرض مطلية حديثا. وفي مكتب هنري كاسل ماين تراكمت أوراقه على الأرض فوق ملاءة من البلاستيك، واستبدلت طاولته بطاولة مسطحة وفوقها تراكم المزيد من الأوراق والمخطوطات. قالت دورا: "أنا أعمل على الأوراق. ستحتاج لوقت. والكثير من كتبه أعيد تغليفها وبعضها لا يزال في التغليف". نظر بين إلى الرفوف. شاهد الكتب التي استعملها هنري أكثر من سواها، وقصائده القديمة، وكتب مراجعه مغلفة الآن وتلمع بحروف ذهبية ونصفها مغطى بالجلد.
قال بين: "لن تتمكني من العمل على كل هذه الأوراق وحدك. هذا عمل مرهق. الرسائل وحدها...".
قالت دورا بصوت منغم وباهت: "سأضعها في مغلفات. وسأطلب المساعدة. الكثير من المساعدة".
قال بين: "انظري. أعلم أنك قادرة على تأمين مساعدة. ولكنه عمل محترف. وأنت بحاجة لمتخصصين، لأشخاص ذواقة".
"حسنا. سأدعو مختصين، وذواقة".
"هل تنوين الزواج من ذلك الشاب. ذكريني باسمه؟".
قالت: "قد أتزوجه. لم أقرر بعد".
"هل تقصدين أنه خبير مخطوطات؟".
"آه، لا. لن أسمح لشخص مثله أن يلمس أوراق والدي. ولكنه سيفلح جدا عند المدخل، ببيع التذاكر، بعد أن أفتح البيت للعموم. ألا تراه ناجحا في ذلك الدور؟".
قال بين: "نعم. يمكنني تخيل ذلك".
"إذا على الطلاق أن يتم..".
"انظري يا دورا. يجب أن أخبرك أنني سأتقدم بطلب. وأنا مخول لمشاركتك فيما بنيته وصنعته لأجلك خلال السنوات السبعة الماضية".
"توقعت أن تفعل ذلك. والمحامي توقعه أيضا. سوف نتوصل إلى اتفاق".
"حينما تزوجتك لم يكن كاسل ماين موجودا".
"أخبرتك أننا سنتوصل إلى اتفاق".
قال بين: "هذه نهاية حزينة لطموحاتنا. كان هنري يعلم أننا سنفتح البيت للعامة. والآن أنت تثيرين الفوضى، كلانا يتسبب بالفوضى، لن يمكنك أن تنتهي من هذا الأرشيف".
قالت: "هل تقترح أن تعود إلى هنا لتعمل على الأوراق؟".
"ربما أفكر بالموضوع. كرامة لهنري".
"وكرمى لي أيضا".
قالت: "كرامة لهنري. أنت لم تقترن بي من أجلي. كان السبب هو الأب، الأب دائما. نعم. والآن مات الوالد. ولم يبق بيننا شيء مشترك".
"لا زلنا نطمح لتأسيس متحف كاسل ماين، فهو حلمنا".
قالت دورا وعيناها على ساعتها: "حان وقت انصرافك. أريد أن أنام".
حينما أغلقت باب المكتب ارتفع وراءهما في المكتب صوت انزلاق الأوراق على الأرض، بعد أن هب عليهما تيار الهواء. تبع ذلك صوت سقوط ورقة بسبب انزياح الكومة الأولى. لم تلاحظ دورا ذلك. وبدا للطالبة الشابة التي حان دورها على طاولة المدخل أن زائرين يشعران ببعضهما البعض بكثير من القلق، مع أنهما وصلا كل على حدة. كان لهما مظهر طراز قديم. لم يكن هذا الانطباع نتيجة تفصيلة ملابسهما بالتحديد. لم يكن هناك شيء محدد يعزى لهما، ولكنه شيء غير مفهوم. كلاهما إنكليزي أو ربما أمريكي: لم تكن أذن البنت الطالبة معتادة على الفرق، ولا سيما أن الاثنين لم ينطقا إلا بكلمات قليلة حين ابتاعا التذكرة. مثل "كم مضى على افتتاح المتحف؟". و"هل تلك هي قبعة فرويد حقا؟". قبعة فرويد، قبعة من القماش البني الخفيف البورجوازي، وكانت معلقة على مشجب بجانب عكازه. تبعت الفتاة الزوار. كان الرجل طويلا، حسن المظهر، ويبلغ حوالي الثلاثين. أما المرأة فهي أكبر بالعمر ولها شعر مسرح إلى الخلف على نحو رسمي ومعقود على هيئة كعكة. كانا مهتمين بالظاهر، كما هو شأن معظم الزوار الذين يأتون إلى بيت سيغموند فرويد الكائن في 19 بيرغاسي، في فيينا. ولكن كانا يتبادلان النظر بقلق بين حين وآخر، ثم ينظران بعيدا على نحو عصبي، مما يجعل الحارس الشاب في المعبد يشعر بالاضطراب على نحو متزايد. كانت هناك أشياء ثمينة موزعة في المكان: مجموعة من الآثار البدائية على طاولة استوديو، مخطوطات ورسائل على طاولات العرض المحصنة بالزجاج. "هل يمكن للزائرين أن يكونا شريكين في مشروع سرقة؟".
قالت الطالبة: "تلك هي الأريكة. نعم الأريكة الأصلية". أريكة ضخمة، ويمكن طيها، وناعمة. يمكن أن تنام عليها حتى الأبد، وتغوص فيها.
"وهذه غرفة الانتظار".
قال الشاب: "آه. غرفة الانتظار".
قالت المرأة وهي تلمس الكراسي المحمرة والمصطفة على الجدار، كأنها بانتظار شيء ما: "هل هي مسكونة؟".
قالت الفتاة المحتارة: "مقبوض عليها؟".
"كلا. مسكونة بالأشباح".
قالت الشابة: "لا". ونظرت إلى الخلف بدهشة عارمة، فقد غادر الرجل فجأة، وأصبح خارج باب الشقة. وحينما استدارت إلى الخلف نحو المرأة أدهشها أن لا تجد أحدا هناك.
في بيت عائلة لوي باستور عالم البكتريا في أربوس، وفي جورا الماطرة، كانت هناك وهو معها.
"هذه طاولة الطعام. وهذا هو اللوح الذي صنعه. يا له من مطر. ألن يتوقف أبدا؟. ربما تودين رؤية المخبر، يا سيدة، ويا سيد الطريق من هنا".
تم اعتبارهما بدون شك زوجين. كان المخبر منظفا، ولكنه مغبر على نحو ما، واستلقت عدة كتب هنا وهناك بشكل واقعي.
"...بحوثه عن الأعضاء والتخمر".
قال الشاب بلغة فرنسية أجنبية واضحة: "أفهم أن الحليب المبستر أتى من باستور".
قال الدليل: "صحيح".
غادر الاثنان معا. وفي الخارج تحت المطر: "حان الوقت لتتوقف عن مطاردتي". قال: "أنا لا أطاردك. ولكنني أتابع طموحنا. حان الوقت لتعودي أنت من حيث أتيت. وأنت من قرر الانفصال".
قالت: "ليس بيننا عقد. ولا يوجد عهد. وأنت من حرضت على التباعد. ولم يكن بيننا زواج يمكن أن تسميه زواجا. وكما أخبرتك، كنت أنوي دائما افتتاح بيت الوالد للعموم بعد موته".
قال: "لن تفعلي ذلك أبدا. ليس بدوني. أنا جزء من الخطة الطموحة. ويجب أن أواصل".
قالت: "أنت شبح طامح".
"وأنت كذلك. شبح حلم وخطة".
دخل في سيارته، وابتعد بها وتركها في الشارع القديم الرطب.
فتحت دورا باب مكتب والدها وأغلقته مجددا. مرت سنتان على موته. كان رجلها اليافع الجديد الثالث من السلسلة، ومثل سابقيه، تراجعت حماسته للمساعدة في ترتيب الأوراق وتجهيز البيت ليكون متحفا، أو ربما لم يكن مستعدا لذلك. ولكن على خلاف الآخرين كان له أثر طيب على دورا. كان هذا الشاب يعمل في تجارة للأزياء، وقد حالف النجاح محاولاته لتحسين مظهر دورا. بدت دورا، لأول مرة في حياتها، وهي في عقد الخمسينات بصحة جيدة. وإخلاصه لها، أو الأصح عاطفته الغريبة حقا، صنعت لمعنوياتها دوما الأعاجيب، كما عبرت بنفسها عن ذلك.
مرة سألت الشاب الجديد: "بغض النظر عن أنك ابنة هنري كاستل ماين، ماذا يهمك مني؟".
"أنت مفتونة بنفسك".
بطريقة ما، هذا كل ما أرادت أن تسمعه أو تعرفه منه. في اليوم اللاحق خابرت بين. رد صوت نسائي على "المكالمة، صوت سخيف. يقول: "من المتكلم؟".
"زوجته".
"آه، الزوجة".
نعم. الزوجة".
(ارتفع صوت يقول: "إنها لك يا بين. تقول إنها زوجتك). بعد صمت قصير قال بين بالهاتف: "نعم يا دورا. ماذا تريدين؟".
"اتخذت أنا وليونيل قرارا حول أوراق الوالد. أعتقد أنه بإمكانك أن تكون مفيدا".
"من هو ليونيل؟".
"صديقي".
"كنت أظن أن اسمه تيم".
"كلا. تيم كان معي في السنة الماضية. على أية حال--".
"سأزورك في يوم ما".
"الأفضل أن تسرع بالزيارة".
"في وقت ما في غضون الأسبوعين الآتيين. لا أستطيع قبل ذلك".
ساءها أن تشاهده في بيت برونتي الكئيب والمرتفع بشكل قبة، وذلك في هوثورن بيوركشير.
"هنا في غرفة الطعام كانا يذرعان المكان ليلا بعد العشاء ويخططان للمستقبل".
في الخارج، في المقبرة، وبين شواهد القبور، وبجوار ضريح إميلي برونتي، استدارت وقالت: "توقف عن مطاردتي".
راقبتهما جماعة صغيرة من الزوار الأمريكيين. شاهدا امرأة عصابية المظهر في منتصف أربعيناتها، تحاول كما يظهر أن تهز رجلا محتارا في أواخر عشريناته أو بدايات ثلاثيناته، وكلاهما له مظهر يدل قليلا على تعكر المزاج.
قال: "الناس ينظرون إلينا".
قالت: "أملي الوحيد أن نفتح البيت إكراما للوالد. تجولت بين عدة بيوت. كلها كئيبة. ليس للمتاحف قلب".
قال: "توقفي عن استباحتها. أتيت لأخبرك ذلك".
"ثم تتحرر. أليس كذلك؟".
قال: "لا تقولي لي أنك حرة، تتجولين خارج حدود الوقت كما تفعلين الآن".
ابتعدا. هو إلى سيارته، وهي إلى مكان غير محدد. وقفت الجماعة الأمريكية أمام أضرحة برونتي الصامدة، لقراءة الكتابة المحفورة عليها. ولكن في بيت لامب، في راي، الكائن في شرق ساسيكس، وصل أخيرا شبح طموحهما إلى قرار.
قال الحارس: "هل تودان أن توقعا على السجل".
"هنا استقبل جيمس زواره، نعم، هو مكان صغير وضيق جدا، وبالتأكيد بحجمه سيرى أنه مزدحم للغاية. ولكن في الأعلى...".
في الحديقة الخارجية قرب قبور كلاب هنري جيمس قال بين: "لا أعلم كيف يمكنك افتتاح بيتك القديم للعموم. فهو جذاب جدا كما هو".
قالت دورا: "إن لم يكن إكراما للوالد سأشعر بنفس الشعور. ولكن كان الوالد يطمح دائما لتعميم شهرته، حتى الأبد، وأن تكون مستمرة حتى المستقبل".
قال: "وصلنا المستقبل. ولم تفعلي شيئا بهذا الخصوص واكتفيت بالجلوس وتناول الشراب مع شبانك، وأنت تفكرين بوالدك".
"وأنت ماذا فعلت؟".
"الجلوس وتناول الشراب مع صديقاتي والتفكير بوالدك".
قالت دورا وهي تفتح الباب "ليذهب الوالد إلى الجحيم". ثم أضافت: "كان ليونيل محطما. وكنت بنفسي حزينة قليلا لأنه الأفضل بينهم. ولكن كان يعلم أنه عليه أن يذهب".
قال: "لديك تسريحة شعر جديدة".
"هل جئت من أجل أوراق الوالد؟".
"كلا. أتيت من أجلك".
قادته إلى الأعلى بسروالها المتحرر الجديد، وفتحت باب المكتب اليائس، بأكوام أرشيفه الذي يعود إلى عام أو ما هو أسوأ.
قالت: "أعتقد أنه علينا أن نقدمها إلى إحدى الجامعات".
قال: "يجب أن لا نحرر أنفسنا. تلك الأشباح، تلك الأشباح، لن تتركنا وشأننا. رسائل من الطلاب، رسائل من الباحثين. ستبقى نفس المهمة القديمة".
أوقدا شعلة نار في الحديقة في تلك الليلة. استغرق منهم إحراق أوراق كاسل ماين كلها عدة ساعات. ثم جلسا يشربان في غرفة الغسيل الخلفية، يراقبان اللهب وهو يتلوى حول الأوراق ثم كانا يخرجان بين حين وآخر لتغذية النار بحفنة جديدة، حتى انتهى كل مخزونهما.
***
.......................
* موريل سبارك Muriel spark: كاتبة بريطانية من إدنبرة. سافرت عام 1944 إلى إفريقيا الوسطى لتعمل في وزارة الخارجية. بدأت حياتها الأدبية كمحررة وناشرة، ثم تفرغت للشعر والقصص والروايات. من أهم أعمالها: صراخ بعيد من كينسغتون 1988، التسكع بلا هدف 1981، ذروة الآنسة جين برودي 1961 وغيرها....








