بقلم: إيفان بونين
ترجمة: د. جودت هوشيار عن الروسية
***
حين وصلتُ إلى موسكو، نزلتُ خلسةً في فندق صغير متوارٍ في أحد الأزقة القريبة من أربات، وعشتُ حياةً مضنية، منعزلًا عن الناس، لا أنتظر إلا موعدًا بعد موعد معها. لم تأتِ إليّ خلال تلك الأيام إلا ثلاث مرات، وكانت في كل مرة تدخل مسرعة وهي تقول:
لن أبقى إلا دقيقة واحدة... -
كانت شاحبةً شحوبًا جميلًا، شحوبَ امرأةٍ عاشقةٍ مضطربة، وكان صوتها يرتجف وينقطع. وكانت طريقتها في إلقاء مظلتها كيفما اتفق، ثم الإسراع إلى رفع حجابها الشفاف واحتضاني، تهزني بمزيج من الشفقة والافتتان. كانت تقول:
- يبدو لي انه يشك بوجود شيء ما، بل ربما يعلم شيئًا ما... ربما قرأ صدفة احدى رسائلك، أو عثر على مفتاح مكتبي... اعتقد انه لا يتورع - وهو ما عليه من قسوة واعتداد بالنفس عن القيام بأي شيء. ذات مرة قال لي دون مواربة:" لن يعوقني شيء عن الدفاع عن شرفي، شرف الزوج والضابط " وهو الآن، لسبب ما، يراقب حرفيًا كل خطوة أخطوها.. ولكي تنجح خطتنا ينبغي أن اكون حذرة للغاية. لقد وافق الآن على السماح لي بالسفر، فقد أوحيت له انني ساموت اذا لم ار الجنوب والبحر. ولكن بحق السماء، كن صبورًا.
كانت خطتنا جريئة: أن نستقل القطار نفسه إلى ساحل القوقاز، ثم نقيم هناك ثلاثة أو أربعة أسابيع في مكان ناءٍ، يكاد يكون موحشًا تمامًا. كنت أعرف ذلك الساحل؛ فقد عشت ذات مرة فترةً بالقرب من سوتشي، شابًا وحيدًا، وما زلت أتذكر طوال حياتي تلك الأمسيات الخريفية بين أشجار السرو السوداء، وعلى شاطئ الأمواج الباردة الرمادية
وشحب وجهها عندما قلتُ: "والآن سأكون هناك معكِ، في غابة الجبل، على شاطئ البحر الاستوائي...". لم نكن نصدق أن خطتنا ستتحقق حتى اللحظة الأخيرة؛ فقد بدا لنا ذلك ضربًا من السعادة العظيمة التي يصعب تصديقها.
في موسكو كانت الأمطار الباردة تهطل، وكان يبدو أن الصيف قد مضى ولن يعود. كانت الشوارع موحلة قاتمة، تلمع مبتلةً وسوداء تحت المظلات المفتوحة للمارة، وتحت الأسقف المرتفعة المرتجفة لعربات الأجرة التي كانت تهتز وهي تمضي مسرعة.
وكان المساء مظلمًا بغيضًا حين توجهتُ إلى محطة القطار، وكان كل شيء في داخلي ينكمش من القلق والبرد. ركضت عبر المحطة وعلى الرصيف، خافضًا قبعتي فوق عينيّ، ودافنًا وجهي في ياقة معطفي.
في مقصورة صغيرة من الدرجة الأولى التي كنت قد حجزتها مسبقاً، كان المطر ينهمر بغزارة على السقف. أنزلت ستارة النافذة على الفور، وما أن مسح الحمال يده المبللة على مئزره الأبيض، واخذ البقشيش وخرج، حتى اقفلت الباب بالمفتاح، ثم ازحت الستارة قليلا وجمدت في مكاني، لا أحوّل عيني عن الحشد المتنوع من الناس الذين كانوا يتنقلون ذهابًا وإيابًا بمحاذاة العربات، يحملون أمتعتهم في الضوء المعتم لمصابيح المحطة.
كنا قد اتفقنا على أن أصل إلى المحطة في أبكر وقت ممكن، وأن تصل هي في آخر لحظة ممكنة، حتى لا ألتقي بها أو به على الرصيف. كان ينبغي أن يكونا قد وصلا الآن. واصلتُ التحديق بقلق أشد... لكنهما لم يظهرا. دق جرس التنبيه الثاني، فاشتد بي الخوف: هل تأخرت؟ أم أنه، في اللحظة الأخيرة، منعها فجأة من السفر؟..
لكنني، في اللحظة التالية، فوجئت بقامته الطويلة، وقبعته العسكرية، ومعطفه الضيق، وبيده المغطاة بقفاز من جلد الشامواه، وهو يمشي بخطوات واسعة ممسكًا بذراعها. ابتعدت عن النافذة مترنحا وهويتُ في زاوية الأريكة.
وكانت إلى جوارنا عربة من الدرجة الثانية. وتخيلته يدخل إليها معها، بتلك العناية التي يتسم بها، ويلتفت حوله ليتأكد من أن الحمّال قد أحسن ترتيب أمتعتها، ثم يخلع قفازه، وينزع قبعته، ويقبّلها ويرسم عليها إشارة الصليب. دوّى جرس التنبيه الثالث فأفقدني صوابي، وما إن تحرك القطار حتى أصابني ذهول تام. راح القطار يبتعد، يتمايل ويتأرجح، ثم استقام سيره وأخذ يندفع بأقصى سرعته. أما المحصّل، الذي أوصلها إليّ ونقل أمتعتها، فقد دسستُ في يده المرتجفة من يدي الباردة كالجليد ورقةً نقدية من فئة عشرة روبلات
حين دخلت لم تقبلني حتى، بل ابتسمت على نحو يثير الشفقة وقالت وهي تهم بالجلوس على الأريكة وتنزع قبعتها وتفكّ مشبكها عن شعرها:
- لم أستطع أن أتناول الغداء إطلاقًا. كنت أظن أنني لن أحتمل أداء هذا الدور الرهيب حتى النهاية. وأنا عطشى جدًا. أعطني بعض النارزان(1)، وكانت تلك المرة الأولى التي تخاطبني فيها بقولها "أنتَ" على نحو حميم..
- أنا على يقين من أنه سيلحق بي. لقد أعطيته عنوانين: غيلينجيك وغاغرا. وهكذا، سيصل إلى غيلينجيك بعد ثلاثة أو أربعة أيام... لكن لا بأس به، فالموت أهون من هذه العذابات.
في الصباح، حين خرجت إلى الممر، كان غارقًا في ضوء الشمس وخانق الحرارة، وكانت تنبعث من دورات المياه رائحة الصابون والكولونيا وكل ما تفوح به رائحة عربة قطار مكتظة بالمسافرين في الصباح.
وخلف النوافذ المعتمة من الغبار، الساخنة من وهج الشمس، كان يمتد سهلٌ محروقٌ مستوٍ لا نهاية له؛ وتبدو طرق عريضة مغبرة، وعربات تجرّها الثيران، وتلوح من حين إلى آخر أكشاك السكك الحديدية، تتناثر حولها في حدائقها الصغيرة دوائر صفراء من دوّار الشمس، وبينها أزهار الختمية القرمزية. ثم انفتح أمام العين فضاء لا حدود له من السهول العارية، تتناثر فيها التلال الترابية القديمة ومدافن الموتى، وتحت شمس جافة لا تُطاق، وسماء تشبه سحابة من الغبار، ثم بدأت تلوح في الأفق أشباح الجبال الأولى.
من غيلينجيك وغاغرا، أرسلت إليه بطاقة بريدية من كل مدينة، وكتبت له أنها لم تكن تعرف بعد أين ستستقر.
ثم هبطنا بمحاذاة الساحل متجهين جنوباً. وجدنا مكاناً بدائياً، تغطيه غابات الدلب، والشجيرات المزهرة، والأشجار ذات الخشب الأحمر، وأشجار الماغنوليا والرمان، تتخللها نخيل مروحية الأوراق، وتنتصب بينها أشجار السرو السوداء..
كنت أستيقظ باكراً، وبينما كانت هي لا تزال نائمة، وقبل موعد الشاي الذي كنا نشربه نحو السابعة، أخرج متوغلاً بين التلال إلى أعماق الغابات. كانت الشمس الحارة قد اشتدت، صافية ومشرقة باعثة على البهجة. وفي الغابات كان ضباب عطري أزرق لازوردي يلمع وينتشر ثم يذوب، وخلف القمم الحرجية البعيدة، كان البياض الأبدي للجبال المكللة بالثلوج يتلألأ.
وفي طريق عودتي كنت أعبر سوق قريتنا، الحارّ تفوح منه رائحة الروث المحترق الخارج من المداخن. كانت التجارة تغلي فيه، والمكان يضيق بالناس وبالخيل المَطِيّة والحمير. ففي الصباح كان يتوافد إلى السوق جمع غفير من أبناء الجبال المنتمين إلى قوميات مختلفة. كانت النساء الشركسيات يتحركن برشاقة، مرتديات أثواباً سوداء طويلة تلامس الأرض وأحذية حمراء ذات نعال لينة، وقد لففن رؤوسهن بأقمشة سوداء، تومض من بين ثناياها -التي تشبه ملابس الحداد- نظرات سريعة تشبه نظرات الطيور.
ثم كنا نتوجه إلى الشاطئ، الذي كان دائماً خالياً تماماً، فنستحم ونستلقي تحت الشمس حتى موعد الإفطار. وبعد الإفطارــ وكان يتألف كله من السمك المشوي على الجمر، والنبيذ الأبيض، والجوز والفواكه ــ كنا نمضي في الظلال الحارة لكوخنا ذي السقف القرميدي، فيما تتسلل عبر مصاريع النوافذ المتقابلة أشرطة من الضوء الحار البهيج.
وحين تخف وطأة الحر ونفتح النافذة، كان جزء من البحر، الظاهر منها بين أشجار السرو القائمة على المنحدر تحتنا، يبدو بلون البنفسج، ويمتد ساكناً مستوياً إلى حد يجعل المرء يظن أن لا نهاية لهذا السكون، وهذا الجمال..
وكثيراً ما كانت تتكدس وراء البحر، عند الغروب، سحب عجيبة؛ وكانت تتوهج في بهاء أخاذ، حتى إنها كانت تستلقي أحياناً على الأريكة الخشبية، وتغطي وجهها بوشاح من الشاش، ثم تبكي: «بعد أسبوعين أو ثلاثة فقط... وسنعود إلى موسكو!
كانت الليالي دافئة حالكة السواد، وفي الظلمة السوداء كانت الحشرات المضيئة تسبح وتتلألأ وتشع بضوء بلون التوباز، فيما كانت ضفادع الأشجار ترن كأنها أجراس زجاجية صغيرة. وحين تعتاد العين الظلام، كانت النجوم وقمم الجبال تبرز في الأعالي، وتتضح معالم الأشجار التي لم نلحظها نهارًا فوق القرية. وطوال الليل، كان يتردد صدى قرعٍ مكتومٍ لطبلٍ ونحيبٍ عميقٍ وموحشٍ -ومفعمٍ بسعادة يائسة في آن واحد- وكأنه جزء من أغنية أبدية لا تنتهي، كل ذلك كان يتصاعد من الحانة القريبة. وعلى مسافة غير بعيدة منا، في وادٍ ساحلي ينحدر من الغابة نحو البحر، كان جدول صغير شفاف يقفز سريعاً فوق مجراه الحجري. ما اروع ما كان يتراقص ويفورلمعانه في تلك الساعة الآسرة عندما كان البدر يحدق من وراء الجبال والغابات مثل كائن عجيب. وأحياناً، في الليل، كانت غيوم مخيفة تهبط من الجبال، وتندلع عاصفة هوجاء، وفي السواد الجنائزي الصاخب للغابات كانت تنفتح بين حين وآخر هاويات خضراء ساحرة، بينما كانت ضربات الرعد البدائية، كأنها من عصور ما قبل التاريخ، تشق أعالي السماء. عندها كانت فراخ النسور تستيقظ في الغابات وتطلق مواءها، وكان النمر يزأر،... وكانت الـ"تشيكالكي"، وهي حيوانات برية صغيرة، تطلق نباحها. وفي إحدى المرات هرعت قطيع كامل منها إلى نافذتنا المضيئة؛ فهي كانت تتجمع دائماً قرب مساكن البشر في مثل هذه الليالي. فتحنا النافذة وأخذنا ننظر إليها من علٍ، بينما وقفت هي تحت المطر اللامع المنهمر، تنبح وتطلب أن ندخلها إلينا... وكانت هي تبكي فرحاً وهي تنظر إليها.
كان يبحث عنها في غيلينجيك، وفي غاغرا، وفي سوتشي. وفي اليوم التالي لوصوله إلى سوتشي، نزل صباحاً إلى البحر وسبح، ثم حلق ذقنه، وارتدى ملابس داخلية نظيفة وسترة بيضاء ناصعة، وتناول إفطاره في فندقِه، على شرفة المطعم. شرب زجاجة من الشمبانيا، واحتسى القهوة مع الشارتروز، ثم دخّن سيجاراً على مهل.
وعندما عاد إلى غرفته، تمدد على الأريكة وأطلق النار على صدغيه من مسدسين.
12 تشرين الثاني/نوفمبر 1937
***
...................
(1) - نارزان هي مياه معدنية طبيعية (تجمع بين الخصائص العلاجية ومواصفات مياه المائدة) تُستخرج من آبار في منطقة كيسلوفودسك- المترجم








