دراسات وبحوث

خليل إبراهيم الحمداني: ديالكتيك التحلل

المادية التاريخية لإنتاج الأوليغارشية وفخ الريع في العراق.. دراسة في انتقال الاستبداد من الفرد إلى الطبقة ومصير «الفتات المتبقي»

المقدمة: ماديّة الاستبداد وديالكتيك التحلل

الاستهلال: «الشسمه» كصورة جدلية للنظام العراقي

- في أزقة بغداد المنهكة التي رسمها أحمد سعداوي في روايته الاستثنائية، يجمع «هادي العتّاق» أشلاء ضحايا الانفجارات؛ ساقٌ من «الكرادة»، وذراعٌ من «الصدر»، وصدرٌ من «الأعظمية»، ليخلق كائناً مُركَّباً أطلق عليه الناس اسم «الشسمه» — الذي لا اسم له. كان الهدف «إكرامَ الموتى»، لكن الكائن نهض فجأةً ليبدأ رحلةً دموية، مدّعياً أنه يثأر لأصحاب الأشلاء التي يتكوّن منها (سعداوي، أحمد، فرانكشتاين في بغداد، بيروت: دار الآداب، 2013، ص 201).

- هذا الكائن ليس مجرد شخصية روائية؛ إنه «المانيفستو» المادي للنظام العراقي بعد 2003: قامت الأوليغارشية بجمع أشلاء الدولة المحطَّمة وخياطة «المحاصصة الطائفية» بخيوط خارجية لتصنع «دكتاتوراً جماعياً» مشوَّهاً. وحشٌ يتكوّن من هويات متصارعة في الظاهر، لكنه في جوهره «جسدٌ واحد» يقتات على دماء الريع النفطي. وهذا ما يُسمّيه البحث — مستعيناً بمصطلح والتر بنيامين — «الصورة الجدلية»: تلك اللحظة التي تتكثّف فيها الحقيقة التاريخية في صورة واحدة قادرة على اختراق الوعي الزائف.

الإشكالية المركزية وفرضية البحث

- إن الإشكالية التي يطرحها هذا البحث لا تتعلق بـ«فشل الديمقراطية» كقيمة إجرائية، بل بشيء أكثر جوهرية: كيف تحوَّل الشكلُ الديمقراطي إلى غرفة عمليات لإعادة إنتاج الاستبداد على شكل طبقي؟ وما الأدوات المادية والأيديولوجية التي تُبقي هذا النظام قائماً رغم أزمته البنيوية المتعمّقة؟

- ينطلق البحث من الفرضية التالية: إن الأزمة البنيوية للعراق بعد 2003 ليست أزمة حوكمة أو تنمية قابلة للإصلاح بآليات تقنية، بل هي أزمة طبقية بامتياز تعكس تناقضاً جوهرياً بين نمط الإنتاج الريعي-التوزيعي وضرورات إعادة الإنتاج الاجتماعي للمجتمع. وإن ما يبدو «فساداً» أو «طائفيةً» هو في حقيقته ضرورة مادية لنظام لا يستطيع البقاء إلا بشراء الولاءات ونهب الموارد.

الإطار النظري: المادية التاريخية

- ينتمي هذا البحث منهجياً إلى تقليد المادية التاريخية، موظِّفاً — لتحاشي الاختزالية الميكانيكية وتوسيع الأدوات التحليلية — إسهامات مفكرين متعددين: غرامشي في نظريتَي الهيمنة والمثقف العضوي، وبورديو في مفاهيم رأس المال الرمزي والعنف الرمزي، وسمير أمين في نقد التبعية والاقتصاد المحيطي، وفالح عبد الجبار وحنّا بطاطو وعلي علاوي في التحليل التاريخي الخاص بالسياق العراقي. المنهج هنا ليس تطبيقاً ميكانيكياً لمخطط جاهز، بل هو بحث في الخصوصية التاريخية الملموسة بأدوات مادية تحليلية دقيقة.

هيكل البحث

- يسير البحث في مسار جدلي من خمسة فصول: يبدأ بتحليل الانتقال الطبقي بعد 2003 (الفصل الأول)، ثم آليات إعادة الإنتاج الهيمني وظاهرة الأنتلجنسيا الرثة (الفصل الثاني)، ثم بنية الارتهان الخارجي والكومبرادور السياسي (الفصل الثالث)، ثم ديناميكيات انسداد أفق الريع ومرحلة الكانيبالية المادية (الفصل الرابع)، وصولاً إلى معضلة البديل الغائب وشروط إنتاجه (الفصل الخامس)، ليُختتم بسيناريوهات مادية للمآل الممكن.

الفصل الأول: من الدكتاتور الفرد إلى مجلس إدارة الاستبداد

تمهيد: السؤال الجوهري

- حين سقط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في التاسع من نيسان 2003، بدا المشهد في سطحه الإعلامي وكأنه لحظة تحرّر تاريخية. غير أن المادية التاريخية تُعلّمنا أن نسأل: ماذا سقط فعلاً؟ هل سقط الاستبداد، أم سقط شكلٌ واحد من أشكاله؟ وهل مع سقوط الفرد-الدكتاتور تفككت علاقات الإنتاج التي أنتجته وأعادت إنتاجه؟

- هذا الفصل يطرح أطروحة جوهرية: إن ما جرى في العراق بعد 2003 لم يكن انتقالاً من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل كان انتقالاً من نمطٍ في الاستبداد إلى نمطٍ آخر؛ من الاستبداد الفردي حيث يتمركز الريع في يد شخص واحد وشبكته الضيّقة، إلى ما يمكن تسميته «مجلس إدارة الاستبداد»: أوليغارشية مُركَّبة تتوزّع فيها الحصص الريعية بين كارتيلات طائفية-سياسية-عسكرية متنافسة في الشكل ومتآمرة في الجوهر.

المبحث الأول: الدولة الريعية العراقية — التشكّل التاريخي

أولاً: النفط كعلاقة إنتاج — بنية الريع

- يُعرّف الاقتصادي حازم الببلاوي الريع بأنه «دخل يتحقق دون أن يستلزم عملية إنتاج داخلية منظّمة»، مُميِّزاً بين أثرين: الأثر الاقتصادي في «تشويه بنية الحوافز الإنتاجية»، والأثر السياسي في «إعفاء الدولة من الحاجة إلى الخضوع لضغط الضريبة الذي يُولّد تاريخياً الديمقراطية» (الببلاوي، حازم والمبيض، غسّان، الدولة الريعية في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987، ص 48-52). وبحلول عام 1973، باتت عائدات النفط تُشكّل ما بين 85 و95% من إيرادات الموازنة العراقية.

- يُبيّن علي علاوي أن «نظام صدام لم يكن استثناءً من الدولة الريعية العراقية بل كان تطرّفها الأقصى؛ إذ تمركزت الثروة النفطية في يد الفرد الدكتاتور ومحيطه الضيّق، فأنتج نمطاً من الدولة لا تعكس مؤسساتها توازناً اجتماعياً بل تعكس إرادة مالك العائد الريعي» (علاوي، علي أ.، احتلال العراق: انتصار الكوارث، ترجمة أحمد محمود، بيروت: الدار العربية للعلوم، 2009، ص 71).

ثانياً: حنّا بطاطو والبنية الطبقية التاريخية

- يُبيّن بطاطو في عمله الموسوعي أن الدولة العراقية لم تنبثق من صراع طبقي داخلي ناضج، بل نُزرعت بقرار خارجي فوق بنية قبلية متشققة، مما أنتج «طبقة إدارية» لا «طبقة رأسمالية» بالمعنى الكلاسيكي. وأن «الولاء في ظل نظام صدام لم يكن ظاهرة أيديولوجية بحتة، بل كان قبل كل شيء مصلحةً اقتصادية مادية ملموسة» (بطاطو، حنّا، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، ترجمة عفيف الرزاز، المجلد الثالث، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1990، ص 1082-1085).

المبحث الثاني: الانتقال الطبقي بعد 2003

أولاً: المحاصصة كآلية لإنتاج علاقات إنتاج جديدة

- «المحاصصة» في جوهرها آليةٌ لتوزيع «حصص الريع» بين مراكز القوى المتنافسة؛ إنها عقدٌ بين كارتيلات سياسية طائفية-عسكرية على «تقاسم الغنيمة المادية» التي تمثّلها موارد الدولة الريعية. يُوثّق الرفاعي أن «الهدر التراكمي في ميزانية الاستثمار بلغ 240 مليار دولار خلال 2004-2014، لم تُستثمر منها سوى 30% في مشاريع فعلية» (الرفاعي، خضير، اقتصاد المحاصصة، بغداد: دار الرافدين، 2019، ص 78-82).

ثانياً: تشريح مجلس إدارة الاستبداد — ثلاث طبقات

- تتكوّن الأوليغارشية العراقية من ثلاث طبقات متداخلة: قادة الكارتيلات السياسية-الطائفية الذين حوّلوا  رأس المال السياسي إلى ريعي. والبرجوازية الكومبرادورية التي يصفها سمير أمين بأنها «تتوسّط بين رأس المال الأجنبي أو الريع الخارجي والاقتصاد المحلي مستخلصةً فائضاً دون أن تُضيف أي قيمة مُنتَجة» (أمين، سمير، في مواجهة أزمة عصرنا، ترجمة حسن قبيسي، بيروت: دار الفارابي، 2009، ص 203-207). والميليشيات التي تحوّلت إلى «إمبراطوريات اقتصادية» موازية تسيطر على المنافذ والعقارات والتعاقدات.

المبحث الثالث: غياب التراكم الرأسمالي الإنتاجي

- لم تتجاوز نسبة الاستثمار الخاص العراقي غير النفطي 8% من الناتج المحلي حتى في أفضل السنوات، مقارنةً بـ22% في ماليزيا وأكثر من 28% في كوريا الجنوبية في مراحل مماثلة (الشهرستاني، مصطفى كاظم، الاقتصاد العراقي: التشخيص والإصلاح، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 2018، ص 119-123). هذا الأثر الريعي الطارد للاستثمار الإنتاجي هو المؤشر الأقوى على أن الإشكالية بنيوية لا ظرفية.

خلاصة الفصل الأول

- ما توصّل إليه هذا الفصل: إن الانتقال الذي شهده العراق من 2003 إلى الحاضر هو انتقالٌ في شكل الاستبداد مع الحفاظ على جوهره المادي. انتقل الريع النفطي من قبضة الفرد-الدكتاتور إلى قبضة الكارتيل الأوليغارشي، وانتقلت آلية تحويله إلى سلطة من «أمر الدكتاتور المباشر» إلى «عقد المحاصصة المُركَّب». هذا التحوّل في الشكل مع الثبات في الجوهر هو ما يُسمّيه المنهج الجدلي «النفي غير المكتمل».

الفصل الثاني: آليات إعادة الإنتاج: الرشوة والولاء والأنتلجنسيا الرثة

كيف يُعيد النظام الريعي إنتاج هيمنته اجتماعياً وأيديولوجياً؟

تمهيد: إشكالية الاستمرارية

- يطرح أي نظام تسلطي سؤالاً أساسياً: كيف يستمر؟ السلطة لا تقوم على القوة العسكرية وحدها. ميّز غرامشي بين نوعين من ممارسة السلطة: السلطة بالقسر والسلطة بالموافقة، كاتباً: «الهيمنة هي حكمٌ بالموافقة، والديكتاتورية حكمٌ بالقوة» (غرامشي، أنطونيو، دفاتر السجن: المثقفون والمسألة الوطنية، ترجمة عادل العامل، بيروت: دار الفارابي، 1994، ص 57). هذا الفصل يكشف الآليات المحددة التي يُعيد بها النظام الريعي إنتاج هيمنته.

المبحث الأول: فخ الصرف الزائد — الرشوة الاجتماعية

أولاً: التوظيف الحكومي المترهل

- كشف تقرير البنك الدولي لعام 2022 أن فاتورة رواتب القطاع العام بلغت أكثر من 23 مليار دولار سنوياً. وتُبيّن دراسة مظهر محمد صالح أن نسبة العمالة الحكومية ارتفعت من 17% عام 2003 إلى أكثر من 42% عام 2020، مستخلصاً أن «هذا التضخم لا يُفسَّر بالنمو الطبيعي للجهاز الإداري، بل بالدور الوظيفي للتعيين الحكومي كأداة لاحتواء الضغط الاجتماعي وشراء الولاء الانتخابي» (صالح، مظهر محمد، الاقتصاد العراقي بين الريع والتنويع، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2021، ص 88-94).

ثانياً: الزبائنية السياسية — بنية الولاء الهرمي

- يُعرّف جيمس سكوت الزبائنية بأنها «علاقة تبادل شخصية غير متكافئة بين «الراعي» الذي يمتلك الموارد و«الزبون» الذي يمتلك الأصوات والولاء» (Scott, James C., «Patron-Client Politics», American Political Science Review, Vol. 66, No. 1, 1972, p. 92). وقد أسهم بورديو بمفهوم «رأس المال الاجتماعي» الذي يُشغّل آلة الزبائنية حين تشحّ الموارد المالية (بورديو، بيير، الأسباب العملية، ترجمة ماهر تريمش، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007، ص 103).

المبحث الثاني: الأنتلجنسيا الرثة — تشريح المثقف الزبائني

أولاً: من المثقف العضوي إلى المثقف الرث

ميّز غرامشي بين المثقف التقليدي المنفصل عن علاقات الإنتاج والمثقف العضوي الذي ينبثق من طبقة ليُعبّر عن وعيها (غرامشي، المرجع السابق، ص 9-10). يطرح هذا البحث مفهوماً نقيضاً: «الأنتلجنسيا الرثة» — المثقف الذي يرتبط عضوياً بطبقة ريعية طفيلية لا مشروع تاريخياً لها سوى الحفاظ على امتيازاتها، فيُنتج وعياً زائفاً يُخدّر ويُشوّه ويُبرّر بدل أن يُنير.

ثانياً: الوظائف الثلاث للأنتلجنسيا الرثة

- تُؤدي الأنتلجنسيا الرثة ثلاث وظائف بنيوية: إنتاج الأيديولوجيا المُشرعِنة عبر مسارات الخطاب الطائفي وخطاب المقاومة والمقاربة التكنوقراطية البراغماتية. وتدمير الذاكرة التاريخية الجمعية بالطمس والإسدال أو بإعادة الكتابة. وثالثاً «إنتاج اليأس النشط» — تحويل الإحباط إلى قناعة بانتفاء الجدوى، وهو ما وصفه فريري بـ«ثقافة الصمت» التي ينتجها المثقف الزبائني: «المقهور الذي تعمّقت فيه ثقافة الصمت يُطوّر وعياً سحرياً بواقعه، يراه قدراً لا حيلة فيه» (فريري، باولو، تربية المقهورين، ترجمة بدر الدين عرودكي، بيروت: دار الآداب، 2001، ص 61).

المبحث الثالث: الآليات الأيديولوجية للهيمنة

- يُقدّم مفهوم «رأس المال الرمزي» لبورديو أداةً نافذة لفهم كيف تُحوّل الأوليغارشية مصادر سيطرتها المادية إلى «طبيعة ثقافية» مُتقبَّلة اجتماعياً: «رأس المال الرمزي هو القوة الخفية التي تجعل العلاقات الاجتماعية غير المتكافئة تبدو طبيعية وعادلة» (بورديو، بيير، العنف الرمزي، ترجمة نظير جاهل، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1994، ص 161-164). كما أن أكثر من 63% من القنوات التلفزيونية العراقية تمتلكها أحزاب أو كتل سياسية دينية (IFJ, Iraq Media Landscape Report, Brussels, 2021, p. 17).

المبحث الرابع: تشرين — قراءة مادية في التعثّر

- واجهت انتفاضة تشرين 2019 حائطاً مادياً مُركَّباً من ثلاثة أبعاد: الارتهان المعيشي لأسر المحتجين بالراتب الحكومي ذاته الذي يُطعم من يثأرون منه. وغياب الذات الطبقية المنظّمة — «العقم التنظيمي للغضب التلقائي» بوصف أوتو باور (باور، أوتو، المسألة القومية والاشتراكية، ترجمة صلاح الدين المحسن، بيروت: دار الطليعة، 1979، ص 203-206). والتدخل المُحكم للأنتلجنسيا الرثة بكامل آلياتها لإعادة تأطير الحراك وتطييفه وتقزيمه.

خلاصة الفصل الثاني

- كشف هذا الفصل أن الأوليغارشية الريعية تُعيد إنتاج هيمنتها عبر منظومة متكاملة: الرشوة الهيكلية (التوظيف والإنفاق الاجتماعي)، والزبائنية الهرمية، والأنتلجنسيا الرثة التي تُزوّد الهيمنة بغلافها الثقافي والرمزي. غير أن كل آلية تحمل في بنيتها بذرة تناقضها: التوظيف يُثقل الميزانية، والزبائنية تُغذّي توقعات تتجاوز طاقة الوفاء، والأنتلجنسيا تفقد مصداقيتها حين يتّسع الفارق بين خطابها والواقع.

الفصل الثالث: الارتهان المادي والتبعية الخارجية

الكومبرادور السياسي العراقي: بنية التبعية وآليات الاشتراط الخارجي

المبحث الأول: الكومبرادور السياسي — إطار نظري

- يُصوّر سمير أمين العلاقة بين المركز والمحيط بأنها «علاقة استخلاص مزدوجة: يستخلص المركز فائض القيمة من المحيط، ويستخلص الكومبرادور ريعه المحلي من التيسير الذي يُقدّمه لهذه العملية» (أمين، سمير، التراكم على الصعيد العالمي، ترجمة حسن قبيسي، بيروت: دار ابن خلدون، 1975، ص 301-305). في العراق، الكومبرادور السياسي لا يتوسط فقط بين رأس المال الأجنبي والسوق المحلية، بل بين إرادة مراكز القوى الخارجية ومنظومة الحكم المحلية.

- يُوثّق علي علاوي بنزاهة نقدية نادرة: «لم يكن الكثير من القادة العائدين على دراية فعلية باقتصاد البلاد، لكنهم كانوا على دراية تامة بمزاج الجهات التي أوصلتهم ومتطلباتها. وقد ظل هذا التوجه الخارجي حاكماً لمنطق صنع القرار» (علاوي، المرجع السابق، ص 148-151).

المبحث الثاني: النموذج الإيراني — التبعية الأكثر عمقاً

أولاً: تمييز ثلاثة مستويات للنفوذ

- ينبغي التمييز بين النفوذ الثقافي-الديني التاريخي، والنفوذ الاستراتيجي الجيوسياسي المشروع، وبين النفوذ التبعوي-الريعي الذي يُصبح بنيوياً حين يرتبط بقاء شرائح من الأوليغارشية ارتباطاً عضوياً بالدعم الإيراني. يُبيّن فالح عبد الجبار أن «إيران بنت سوق علاقات: تُقدّم الحماية والشرعية الإقليمية، وشركاؤها العراقيون يُؤمّنون لها عمقاً استراتيجياً على حساب السيادة العراقية» (عبد الجبار، فالح، مجلة المستقبل العربي، العدد 423، 2014، ص 28-33).

ثانياً: الضريبة الاقتصادية للتبعية — ملف الطاقة

- يكشف باسم جميل أنطوان أن قيمة الغاز المُحرَق في حقول النفط العراقية تتجاوز ملياري دولار سنوياً، فيما تدفع العراق قرابة مليار دولار سنوياً ثمن الكهرباء المستوردة من إيران. هذه المفارقة لا تُفسَّر بغياب التقنية «بل في أن القيود التي تحول دون استثمار الغاز المحلي ترتبط باعتبارات تبعوية تجعل الاستيراد من إيران أنسب سياسياً من الاكتفاء الذاتي» (أنطوان، باسم جميل، ملف الطاقة العراقي، بغداد: دار المدى، 2022، ص 88-96).

المبحث الثالث: النفوذ الأمريكي — من الاحتلال إلى الاشتراط الريعي

- بعد 2011، تحوّل النفوذ الأمريكي من عسكري مباشر إلى «مزاد العملة» الذي يمنح الاحتياطي الفيدرالي رقابة شبه يومية على حركة السيولة العراقية. يُبيّن مظهر محمد صالح أن «الدولار هو العملة الحقيقية للاقتصاد العراقي دون إعلان ذلك رسمياً، وأي اضطراب في إمداده يتحوّل فوراً إلى أزمة معيشية مباشرة» (صالح، المرجع السابق، ص 134-138). وتصف الباحثة توبي دودج هذا الوضع بـ«فخ الحياد المستحيل»: الأوليغارشية محاصرة بين التبعيتين الإيرانية والأمريكية في آنٍ واحد فتنتج «النفاق الاستراتيجي الهيكلي» (دودج، توبي، العراق: من الحرب إلى استبداد جديد، ترجمة حسن الشيخ، بيروت: الشبكة العربية، 2014، ص 201).

المبحث الرابع: تضارب المصالح ومضيق هرمز

- الأطروحة الجوهرية: إن إبقاء مسار تصدير النفط العراقي رهيناً بمضيق هرمز ليس قصوراً إدارياً بل هو ضمانة تبعوية بنيوية. فطالما أن قطع هذا المسار يُشكّل تهديداً وجودياً للاقتصاد العراقي، تظل إيران تمتلك ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها في كل تفاوض لفرض شروطها.

- يُبيّن وليد خدوري أن خط الأنابيب العراقي-السعودي (IPSA) بطاقة 1.65 مليون برميل يومياً أُغلق منذ 1990 ولم يُعَد تشغيله رغم أن تأهيله لا يكلّف أكثر من ملياري دولار — أقل من أسبوع من عائدات النفط. «وغياب الإرادة السياسية لعشرين عاماً لا يُمكن تفسيره بأي منطق اقتصادي، بل ينكشف حين يُقرأ في ضوء الالتزامات التبعوية» (خدوري، وليد، النفط العراقي في المعادلة الإقليمية، بيروت: الشركة العربية للنشر، 2018، ص 112-119).

خلاصة الفصل الثالث

- السيادة الوطنية في العراق مُجزَّأة ومُوزَّعة بين مراكز نفوذ متعددة بصورة مُنهِكة للموارد الوطنية. لكن هذا الارتهان يحمل بُعداً جدلياً: حين يُهدَّد المسار الخارجي — أزمة إقليمية كبرى أو انهيار نفطي — تنكشف هشاشة النظام بكاملها دفعةً واحدة. وهذا التقاطع بين الأزمة الداخلية وهشاشة الارتهان الخارجي هو لحظة الانفجار التي يُحلّلها الفصل الرابع.

الفصل الرابع: لحظة الانفجار: انسداد أفق الريع

السكتة القلبية للنظام الريعي وانتقاله من توزيع الفائض إلى نهب الأصول

«الأزمة تحدث بالضبط حين يستحيل استمرار القديم وتعجز قوى التجديد عن الوصول. هذا الفراغ هو حقبة الأعراض الشديدة» (غرامشي، أنطونيو، دفاتر السجن، المرجع السابق، ص 276)

المبحث الأول: السكتة القلبية المالية

- وثّق صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2023 أن «سعر التعادل» — أي سعر برميل النفط اللازم لموازنة متوازنة — ارتفع من 60 دولاراً عام 2010 إلى أكثر من 96 دولاراً عام 2023، وهو ارتفاع يعكس تضخّم الالتزامات بمعدل يفوق أي نمو في الطاقة الإنتاجية (IMF, Iraq: 2023 Article IV Consultation Report, Washington: IMF, 2023, p. 14). ويُحلّل أحمد موسى جياد أن الصدمة النفطية لعام 2014 دفعت الحكومة إلى إصدارِ سندات خزينة بـ20 تريليون دينار لتسديد الرواتب، محوّلةً «إنفاق الريع» إلى «إنفاق الديون» للمرة الأولى (جياد، أحمد موسى، الاقتصاد العراقي وتداعيات انهيار أسعار النفط، أبو ظبي: مركز الخليج للأبحاث، 2017، ص 63-68).

المبحث الثاني: الكانيبالية المادية

أولاً: مفهوم الكانيبالية المادية

- يطرح هذا البحث مفهوم «الكانيبالية المادية» لوصف الانتقال من نهب الريع الجاري إلى التهام أصول الدولة المتبقية. إنها مرحلة «التفكيك الذاتي» التي وصفها كارل بولاني: حين يبدأ النظام في استهلاك الموارد التي تُتيح له إعادة إنتاج نفسه (بولاني، كارل، التحوّل الكبير، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، 2008، ص 136).

ثانياً: التجليات الثلاثة

- أولاً نهب عقود البنية التحتية: ما يزيد على 40 مليار دولار لملف الكهرباء خلال 2006-2021 مع هدر تراكمي يُقدّر بـ25-30 مليار دولار، يتوزّع على عقود مُضخَّمة بـ40% ومشاريع مدفوعة غير منجزة (Global Integrity, Iraq Electricity Sector Integrity Assessment, Washington, 2020, p. 22). ثانياً التهام الاحتياطيات السيادية: تراجعت من 90 إلى 53 مليار دولار بين 2014 و2020. ثالثاً إفراغ صناديق التقاعد عبر استثمارات خاسرة في مشاريع حزبية مرتبطة بالكارتيلات (الموسوي، محمد، حقوق التقاعد في العراق، بغداد: هيومن رايتس ووتش، 2022، ص 18).

المبحث الثالث: معادلة هرمز — جغرافيا الهشاشة

- يمرّ عبر مضيق هرمز (34 كم في أضيق نقاطه) أكثر من 90% من صادرات النفط العراقي. ومحاكاة خدوري الحسابية تُشير إلى أن تراجع الصادرات بنسبة 30% لستة أشهر سيُنتج عجزاً يبلغ 18 مليار دولار «يُجاوز كل الاحتياطيات المتاحة للضخ الطارئ» (خدوري، المرجع السابق، ص 163-167). وهذا الانكشاف ليس عجزاً تقنياً بل ضمانة تبعوية بنيوية محسوبة.

المبحث الرابع: ما بعد الذروة النفطية

- تتجاوز الأزمة دورات الأسعار لتُواجه تحدياً بنيوياً: التحوّل الطاقوي العالمي. يُقدّر تقرير IEA لعام 2023 أن الطلب العالمي على النفط سيبلغ ذروته قبل عام 2030 (IEA, World Energy Outlook 2023, Paris, 2023, p. 41). وعلى المستوى التنافسي، يُضيق صعود النفط الصخري الأمريكي مساحة المناورة السعرية لأوبك+ مُضيّقاً بدوره العائد العراقي المتوقع. «الدول الريعية التي تُفوّت فرصة التحوّل تُشبه إقطاعياً يبيع أراضيه لتمويل حفلة طويلة» (قرم، جورج، الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، بيروت: دار الطليعة، 2011، ص 248-253).

المبحث الخامس: سلوك المُحاصَر

- يُحدّد مايكل روس في «لعنة النفط» أربعة أنماط استجابة للأوليغارشيات في مواجهة أزمات الموارد: التقشف الانتقائي، والاستدانة الخارجية، وتصعيد القمع، وتسارع نهب الأصول. ويُلاحَظ في العراق الراهن حضور الأنماط الأربعة بصورة متزامنة (روس، مايكل، لعنة النفط، ترجمة أيمن شكر، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2015، ص 88). والأهم أن تسارع النهب يعكس وعياً ضمنياً لدى النخبة بحتمية الانهيار — وهو ما يُسمّى «استراتيجية الخروج».

خلاصة الفصل الرابع

- الأدلة جميعها — من منحنيات سعر التعادل إلى تراجع الاحتياطيات إلى الكانيبالية المادية إلى هشاشة الممر الهرمزي — تُشير إلى نظام يقترب من عتبة اللاعودة في قدرته على إعادة إنتاج بنيته الريعية. لكن المادية التاريخية تُذكّرنا أن الأزمة البنيوية ليست سقوطاً آلياً مبرمجاً. وهنا تبرز إشكالية الفصل الخامس: غياب البديل المنظّم القادر على تحويل اللحظة الانفجارية إلى لحظة تأسيسية.

الفصل الخامس

معضلة البديل الغائب

غياب الذات الواعية: لماذا لا تُنتج الأزمة البنيوية تحوّلاً تلقائياً؟

تمهيد: المفارقة الجوهرية

- إذا كانت الأزمة البنيوية للنظام الريعي بهذه الحدة والعمق — فلماذا لا يتحوّل؟ التناقض البنيوي شرطٌ ضروري لكنه ليس كافياً. الشرط الكافي هو الذات الواعية المنظّمة القادرة على تحويل الأزمة من ألم مُعاش إلى مشروع تاريخي مُصاغ. وهذا بالضبط ما يغيب في الحالة العراقية.

المبحث الأول: تجريف الطبقات المنتجة

- بيانات الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2021 تكشف أن نسبة العاملين في الصناعات التحويلية الخاصة لا تتجاوز 6% من القوى العاملة، مقابل 42% في القطاع الحكومي (الجهاز المركزي للإحصاء، مسح سوق العمل، بغداد، 2021، ص 17-19). يُضيف إبراهيم الحيدري أن الريعية أنتجت «طبقة عاملة مُفتَّتة هوياتياً: يرى الكثيرون أنفسهم أبناء طائفة أو عشيرة لا أعضاء في طبقة ذات مصالح مشتركة» (الحيدري، إبراهيم، سوسيولوجيا المجتمع العراقي، بيروت: دار الساقي، 2020، ص 178-183).

- ويرصد فالح عبد الجبار غياب «التنظيم المدني المستقل مالياً وعقائدياً، النابع من المصالح الطبقية المحلية وخادم لها» بين التنظيمات الحزبية المُغلَّفة مدنياً والتنظيمات الممولة دولياً بأجندات خارجية (عبد الجبار، فالح، المجتمع المدني والتحوّل الديمقراطي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012، ص 211-215). وتُقدّر أرقام IOM أن 5-7 ملايين عراقي يعيشون خارج البلاد وأن أكثر من 60% من الكفاءات المتخصصة غادروا البلاد خلال العشر سنوات الأولى بعد تخرجهم (IOM, Iraq Migration Report, Geneva, 2022, pp. 11-14).

المبحث الثاني: الوعي الزائف وإشكالية تشرين

- وصف لوكاتش هذا النوع من الحالات بـ«الوعي في طور التشكّل»: مرحلة يُدرك فيها أفراد الطبقة المقهورة واقع استغلالها دون أن يمتلكوا الإطار المفاهيمي لترجمة هذا الإدراك إلى استراتيجية تحرر (لوكاتش، جورج، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة حنا الشيخ، بيروت: دار الطليعة، 1983، ص 97-102). في تشرين، الشعارات كانت طبقية في روحها لكنها ظلت أعراضاً تعبيرية لا مشروعاً سياسياً، ويعكس ذلك مباشرةً غياب المثقف العضوي الغرامشي الذي يُترجم «الغضب إلى برنامج». يُبيّن حيدر سعيد أن المثقف العراقي يواجه معادلة قاسية: «إما الانضمام إلى الزبائنية الحزبية فيحصل على الموارد ويفقد الاستقلالية، وإما أن يظل مستقلاً فيُعزل ويُهمَّش مادياً» (سعيد، حيدر، السياسة والثقافة في العراق المعاصر، بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2018، ص 134-140).

المبحث الثالث: معضلة الاستقلال الاقتصادي

- كل مصادر التمويل المتاحة للبديل السياسي مُرتهِنة للمنظومة: الحكومي يعني الزبائنية، والخارجي يعني الأجندات المستوردة والتشكيك الوطني، والخاص يعني الارتهان لمزاج الثروات المرتبطة بشبكة الريع. وفي غياب قطاع إنتاجي مستقل يُولّد ثروات بمعزل عن الريع الحكومي، تظل القوى البديلة رهينة هذا المثلث المسموم.

المبحث الرابع: شروط إنتاج البديل الممكن

- يستلزم بناء «الكتلة التاريخية» بمفهوم غرامشي ثلاثة عناصر مادية: نواة تنظيمية مستقلة مادياً، وبرنامج اقتصادي بديل محدد لـ«ما بعد الريع»، ولغة سياسية تُخاطب المواطن في مصلحته الاقتصادية لا «ابن المكوّن» في هواجسه الهوياتية. وتُوفّر تجربة بوليفيا مع إيفو موراليس درساً قيّماً: وجود «قاعدة إنتاجية مستقلة ولو جزئية» كان العمود الفقري للتحوّل (Rees, Gilbert, «Extractivism and Social Change in Bolivia», Latin American Politics and Society, Vol. 55, No. 3, 2013, p. 47).

- في قلب المشهد القاتم، ثمة عامل واحد يستحق قراءةً متأنية: أكثر من 60% من السكان دون سن الثلاثين، يحمل معظمهم «وعياً نقدياً مقارناً» غير مسبوق في التاريخ العراقي. يُحلّل حارث حسن أن «هذا الجيل يُطوّر وعياً نقدياً يرى في الواقع سياسةً قابلة للتغيير لا حتمية مُسلَّماً بها» (حسن، حارث، مجلة سياسة دولية، العدد 214، بيروت، 2020، ص 48-52).

خلاصة الفصل الخامس

- بذور التجاوز موجودة — في تراكم الوعي التشريني النقدي وفي الحاجة الموضوعية المتصاعدة وفي الجيل الجديد — لكنها تحتاج إلى شروط مادية لنموّها: استقلالية اقتصادية تُتيح التنظيم المستقل، ومشروع اقتصادي بديل محدد الملامح. وفي غياب هذه الشروط لا تنتهي الأزمة بثورة بل بسيناريوهات متعددة الأشكال.

الخاتمة: السيناريوهات المادية القادمة

التغيير في البنية الفوقية مستحيل دون زلزال في القاعدة المادية

أولاً: تكثيف الأطروحة — ما أثبته البحث

على مسار فصوله الخمسة، أثبت هذا البحث بالتحليل المادي التاريخي الموثَّق أربع أطروحات مترابطة:

1. الأطروحة الأولى: إن ما جرى في العراق بعد 2003 ليس انتقالاً من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل تحوّلٌ في شكل الاستبداد مع الحفاظ على جوهره الريعي. انتقلت السلطة من «فرد-دكتاتور» إلى «مجلس إدارة أوليغارشي»، لكن علاقة الإنتاج الريعية لم تتغيّر.

2. الأطروحة الثانية: إن الأوليغارشية تُعيد إنتاج هيمنتها عبر منظومة مُركَّبة من الرشوة الاجتماعية والزبائنية والأنتلجنسيا الرثة والارتهان الخارجي الذي يُحوّل التبعية إلى ضرورة بقاء.

3. الأطروحة الثالثة: إن النظام يعيش الآن مرحلة «التعفن البنيوي» المتسارع، يُجسّدها ارتفاع سعر التعادل المالي وتراجع الاحتياطيات والانتقال إلى الكانيبالية المادية. هذا المسار لا رجعة عنه في إطار البنية القائمة.

4. الأطروحة الرابعة: إن الأزمة البنيوية لا تُنتج تلقائياً بديلاً تحرريّاً؛ لأن الذات الطبقية القادرة على تحويل الأزمة إلى مشروع تاريخي غائبة أو مُجزَّأة نتيجة عقود من تجريف الطبقات المنتجة وتدمير المجتمع المدني المستقل.

ثانياً: السيناريوهات المادية الثلاثة

1. السيناريو الأول ك التحلل الشامل والفوضى المُركَّبة (الأعلى احتمالاً على المدى المتوسط)

تصاعد متوازٍ بين عجز مالي متنامٍ وتدهور الخدمات، وتفكّك تدريجي لسلطة الدولة المركزية لصالح أمراء الحرب المحليين وشبكات الميليشيات الاقتصادية، وتسارع الكانيبالية المادية في سباق يؤجّج ذاته. لا انهيار مفاجئ بل تحلّل بطيء متسارع — ما وصفه ابن خلدون بـ«الترهل»: حين يفقد الجسم السياسي عصبيته الجامعة ويبدأ في الانحلال من الأطراف قبل المركز (ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق درويش الجويدي، بيروت: المكتبة العصرية، 2005، ص 174).

2. السيناريو الثاني البونابرتية المادية (ممكن في لحظة الأزمة الحادة)

ظهور زعيم فردي قوي يُطيح بالأوليغارشية مُدَّعياً تمثيل الإرادة الشعبية، مستغلاً حاجة الجماهير الحادة إلى الأمان والخبز في لحظة انهيار نظام الولاء الزبائني. لا تحرر حقيقي بل إعادة تمركز السلطة في يد الفرد. يُلفت عزمي بشارة إلى أن «الشعب المُرهَق والجائع يميل في لحظات الاستعصاء إلى القبول بالقوي الذي يُوقف الفوضى حتى لو كان ذلك على حساب حريته» (بشارة، عزمي، في المسألة العربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007، ص 233).

3. السيناريو الثالث الكتلة التاريخية والتحوّل البنيوي (الأصعب تحقيقاً والأكثر عدالةً)

نشوء قوى اجتماعية منظّمة تمتلك استقلالية اقتصادية كافية، وقادرة على بناء تحالف طبقي عابر للهويات حول مشروع اقتصادي بديل واضح المعالم. يستلزم: الاستمرار الصبور في بناء التنظيم المستقل، وانتهاز لحظة الأزمة المالية الحادة، ووجود برنامج اقتصادي يُجيب على سؤال «ماذا بعد الريع». إنه سيناريو الأمل المحفور في المنطق الجدلي: فكل نظام يحمل في تناقضاته بذور تجاوزه.

ثالثاً: الاستنتاج النهائي

- الأوليغارشية في العراق ليست «قدراً سياسياً» ولا «خصوصيةً ثقافية» ولا «عاهةً أخلاقية» في أبناء هذا البلد. إنها «ضرورة مادية» تُنتِجها وتُعيد إنتاجها علاقاتُ إنتاج ريعية محددة لم تتغيّر في جوهرها منذ عقود. وإن نهايتها — متى جاءت — لن تكون بتغيير الأشخاص أو بإجراء انتخابات أو بضخ خطاب وطني جديد؛ بل ستكون حصراً بتفكيك هذه العلاقات الريعية وبناء قاعدة إنتاجية مستقلة تُولّد ثروةً حقيقية وتُنتج بالضرورة طبقةً اجتماعية ذات مصالح مادية في دولة قانون وحوكمة ومحاسبة.

- في النهاية نستعير من «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي: «أنا لستُ ما صنعني هادي؛ أنا ما صنعتْه الحرب». بالقياس: الأوليغارشية العراقية ليست ما صنعه هذا الزعيم أو ذاك، إنها ما صنعه الريع النفطي والتبعية الخارجية والتفكيك المنظّم للمجتمع المنتج. وهذا التمييز بين الفرد والبنية هو ما يجعل تغيير الوجوه دون تغيير البنية مجرد إعادة إنتاج للأشلاء ذاتها بترتيب جديد (سعداوي، أحمد، فرانكشتاين في بغداد، بيروت: دار الآداب، 2013، ص 287).

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الانسان

في المثقف اليوم