دراسات وبحوث
حمزة مولخنيف: المعقول الديني عند ابن رشد
تحليل في بنية الحجاج في كتاب "الكشف عن مناهج الأدلة"
في المتون الكبرى التي تعيد ترتيب العلاقة بين العقل والوحي يبرز الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة بوصفه نصا مؤسِّسا لا في تاريخ الجدل العقدي فحسب، بل في تاريخ الوعي الإسلامي بذاته وهو يراجع أدواته ومناهجه ومسلّماته. فابن رشد لا يكتب هنا من موقع المتكلّم الذي يدافع عن مذهب داخل سوق الاختلاف ولا من موقع الفيلسوف الذي يفرض على الشريعة منطقا غريبا عن بنيتها، بل من موقع المفكّر الذي أدرك أنّ أزمة العقيدة في الثقافة الإسلامية قد استقرّت طويلا في مناهج النظر قبل أن تستقرّ في مضامين الاعتقاد، وأنّ العطب الذي أصاب المعنى الديني لم ينشأ من فقر النصّ ولا من قصور الوحي بل من تضخّم الجدل ومن سوء الترتيب بين مراتب الخطاب ومن الخلط بين ما يقتضيه البرهان وما يكتفي به الإقناع ومن توهّم أنّ كثافة الاعتراض دليل على قوة اليقين. ومن هنا جاء هذا الكتاب على صورة مراجعة عميقة لآلة الاستدلال ذاتها وعلى صورة مساءلة صارمة للطرق التي سلكها المتكلّمون في تقرير العقائد وعلى صورة استئنافٍ فلسفيّ رفيع يروم تخليص الدين من الأدلة التي أضعفته أكثر مما خدمته وردَّ الإيمان إلى أفقه الأصفى حيث يتعانق المعنى والبرهان وتلتقي الهداية بالنظر.تلك هي النقطة التي تمنح النصّ الرشدي فرادته الحقيقية. فالمسألة عنده لا تُختزل في إثبات وجود الله أو تقرير الصفات أو الدفاع عن النبوّة أو الحديث عن المعاد، لأنّ هذه الموضوعات كلّها تظلّ في مرتبة المقولات الجزئية ما لم تُفهم في ضوء السؤال الأعمق، بأيّ عقل تُدرَك العقيدة وبأيّ منهج تُبنى وبأيّ خطاب تُنقل من حيّز الحقيقة إلى حيّز التلقّي العام دون أن تفقد تماسكها أو تنقلب إلى مادة خصام؟ هنا يتقدّم ابن رشد بخطاب نادر الصرامة لأنّه ينقل البحث من "ماذا نعتقد؟" إلى "كيف نعتقد على وجه صحيح؟"، ومن مضمون القضية إلى شرعية الدليل ومن ظاهر الاختلافات المذهبية إلى البنية المعرفية التي صنعتها وأدامت سلطانها. ويعتبر الكشف عن مناهج الأدلة نصا يتجاوز علم الكلام من داخله ويخترق الفلسفة من غير أن يستسلم لها ويؤسّس إمكانا ثالثا للمعقول الديني إمكانا لا يخاصم النصّ ولا يستقيل من العقل ولا يسلّم الحقيقة إلى الجدل ولا يتركها أسيرة الظاهرية العمياء.
وانطلاقا من هذا المسار يتحدّد الرهان المركزي لهذا المقال الوجيز حول تفكيك مفهوم "المعقول الديني" عند ابن رشد عبر تحليل البنية الحجاجية التي تنتظم كتاب الكشف عن مناهج الأدلة بوصفها بنيةً تكشف عن مشروع فكري متكامل يروم إعادة بناء المجال العقدي على أساس من الانضباط البرهاني والوفاء لروح الشريعة معا. فالمقصود لا يقف عند تتبّع مواقف ابن رشد في قضايا الإلهيات والنبوات والسمعيات بل يتجاوز ذلك إلى استجلاء المنطق الداخلي الذي يحكم انتقاله من نقد أدلة المتكلّمين إلى استخراج مناهج القرآن في الاستدلال، ومن تفكيك الصناعات الجدلية إلى إرساء نموذج معرفي يرى في الدين خطابا مؤسَّسا على المعقول في جوهره وفي العقل أداةً للهداية لا آلةً للمشاغبة وفي التأويل حدا معرفيا مضبوطا لا ممرا للفوضى وفي البرهان قيمةً حضاريةً تحفظ وحدة الحقيقة من التمزّق بين الفرق والاصطلاحات. وعلى هذا الأساس يتبدّى ابن رشد في هذا النصّ الكبير واحدا من أعمق من وعى أنّ معركة الفكر لا تُحسم عند حدود النتائج بل تُحسم في طرائق الوصول إليها وأنّ فساد الدليل قد يسيء إلى الحقّ أكثر ممّا يسيء إليه خصومه وأنّ الدين كلّما استعاد معقوله الأصيل استعاد قدرته على أن يكون مصدر يقين لا مادة انقسام وأفقَ بناءٍ لا ساحةَ تنازع.
ليس من اليسير أن يُقرأ كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة قراءةً خارج الأفق الذي أنشأه ابن رشد لنفسه بوصفه فقيها وأصوليا ومتكلما وشارحا لأرسطو في آن. فالنص الرشدي هنا لا يقدّم نفسه مجرد رسالة في العقيدة ولا مجرّد ردّ على المتكلمين ولا مجرد ملحق بكتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بل يكشف عن مشروع أعمق يتعلّق بإعادة بناء المجال الديني من الداخل على أساس عقلاني برهاني يردّ الاعتبار إلى "المعقول" في الدين ويُنقذه من أسر الجدل الخطابي الذي استبدّ بمناهج النظر في قضايا الإلهيات والنبوات والمعاد. وإنّ قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في موضوعاته المعلومة التي تتصل بإثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه وإثبات النبوة وتأويل الصفات والحديث عن السعادة الأخروية، وإنما تكمن على نحو أخص في بنية الحجاج التي تنتظم الكتاب كله وتجعل منه وثيقة فكرية كاشفة عن مفهوم مخصوص للمعقول الديني عند ابن رشد.
وإذا كان كثير من الدارسين قد تعاملوا مع الكشف بوصفه نصا "كلاميا" في ظاهر بنيته الموضوعية فإنّ النظر المتأني يكشف أنّ الرجل إنما كان بصدد تفكيك البنية الداخلية لعلم الكلام نفسه لا من أجل الانتصار لمذهب كلامي على آخر، بل من أجل مساءلة الأصل المنهجي الذي قامت عليه طرائق المتكلمين في الاستدلال. ولذلك فإنّ ابن رشد لا يدخل إلى المسألة من باب النتائج الاعتقادية فقط، بل من باب مناهج الأدلة. وهذا العنوان نفسه بالغ الدلالة لأنّه لا يَعِدُ القارئ بتقرير عقائد الملة على نحو تلقيني بل يعده بـ"كشف" المناهج التي ينبغي أن تُسلك في إقامة الأدلة عليها. والفرق بعيد بين من ينشغل بتقرير مضمون المعتقد وبين من ينشغل بفحص آلة الوصول إليه. هنا يتبدّى الطابع الفلسفي الأصيل للنص الرشدي إذ لا قيمة للحقيقة ما لم تُدرَك من طريق يليق بها ولا معنى للمعقول الديني إن لم يكن مصحوبا بنقد للمسالك التي تُفضي إليه أو تحول دونه.
إنّ ابن رشد في هذا الكتاب لا ينطلق من افتراض التعارض بين العقل والدين حتى يسعى إلى التوفيق بينهما كما شاع في كثير من القراءات التبسيطية، بل ينطلق من فرضية أعمق وأشد إحكاما وهي أنّ الشريعة في أصلها مبنية على المعقول، وأنّ ما يبدو من خصومة بين الدين والعقل إنما هو ثمرة خلل في الفهم أو فساد في المنهج أو انحراف في الترتيب بين مراتب الخطاب. وهذا ما يجعل مشروعه في الكشف امتدادا عضويا لما قرره في فصل المقال من أنّ "الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له". وهذه العبارة الموجزة ليست شعارا تلفيقيا كما قد يتوهم بعضهم بل هي قاعدة إبستمولوجية ذات لوازم ثقيلة، لأنّ مقتضاها أنّ التعارض المزعوم ليس بين حقّين بل بين حق ووهم أو بين نص أسيء فهمه وعقل أسيء استعماله، أو بين ظاهر خطاب أُخرج عن مقصوده ومنهج نظر لم يراعِ شروط البرهان.
ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ ابن رشد لم يكن خصمه الحقيقي هو النص الديني، بل التأويل الكلامي الذي صادر إمكانات النص وأغلقها داخل قوالب جدلية. إنّه هنا قريب من ذلك الذي عبّر عنه أبو الوليد نفسه في أكثر من موضع حين جعل فساد النظر تابعا لفساد القياس وكأنّه يردّد بطريقة أخرى ما قرره أرسطو من أنّ الخطأ ليس في الأشياء بل في الأحكام التي نصوغها عنها. وقد أدرك ابن رشد أنّ الأزمة التي أصابت المعقول الديني في الثقافة الإسلامية لم تكن أزمة "مضمون" فحسب، بل كانت قبل ذلك أزمة "صورة" و"منهج" و"صناعة". لذلك لم يكن غريبا أن يوجّه سهام نقده إلى المتكلمين من حيث هم أهل جدل لا من حيث هم متدينون، وأن يرى أنّ ما أحدثوه من اضطراب في العقائد راجع إلى كونهم نقلوا مسائل الإيمان من ساحة الإقناع الشرعي المركّب إلى ساحة الخصومة المدرسية التي يتضخم فيها الاعتراض أكثر مما يتضح فيها البرهان.
إنّ المعقول الديني عند ابن رشد لا يعني اختزال الدين في العقل المجرد ولا تفريغه من أبعاده الرمزية والتربوية والروحية، وإنما يعني أنّ للدين بنية عقلية داخلية وأنّ الشريعة إنما تخاطب الإنسان بما هو كائن عاقل قابل للفهم والترتيب والتمييز. وإذا كانت مراتب الناس مختلفة في القدرة على الإدراك فإنّ هذا الاختلاف لا ينفي المعقول بل يفرض تعدد طرائق عرضه. وقد كان الفارابي أحد السباقين إلى تقرير هذا المعنى حين فرّق بين البرهان والجدل والخطابة وجعل المدينة الفاضلة محتاجة إلى صور مختلفة من الإقناع بحسب استعدادات الجمهور. غير أنّ ابن رشد يمنح هذا التصور بعدا شرعيا صريحا إذ يجعل الخطاب القرآني نفسه مشتملاً على هذه المراتب ويعتبر أنّ الخلل نشأ حين خلط المتكلمون بين ما خوطب به الجمهور وما ينبغي أن يُطلب فيه البرهان لأهل النظر، ثم زادوا على ذلك بأن حوّلوا العقائد إلى موضوعات سجالية تتنازعها الاصطلاحات.
ويعد الكشف كتابا في "نقد العقل الكلامي" قبل أن يكون كتابا في العقيدة، وإن جاز لنا أن نستعير عبارة حديثة على سبيل التقريب. فهو لا يكتفي بأن يقول إنّ أدلة المتكلمين ضعيفة بل يبيّن أن ضعفها بنيوي لأنها لا تستند إلى المناسبة بين طبيعة الموضوع وطبيعة الدليل. فالموضوع الإلهي بما هو أعلى الموجودات وأشرفها لا يليق به إلا ما كان من الأدلة أشرفَ وأوضحَ وأقربَ إلى الفطرة. أما الأدلة الصناعية المعقدة التي لا يفهمها الجمهور ولا يطمئن إليها الخاصة إلا بعد تكلفات طويلة فإنها في نظره لا تصلح أن تكون عمادا للعقيدة العامة. وقد كان ابن رشد شديد العناية بما يمكن أن نسميه "الاقتصاد البرهاني" في الدين، أي طلب الدليل الأوضح والأقرب إلى مقتضى الفطرة السليمة والنظر الصحيح. وهو بهذا يلتقي مع ما قرره الشاطبي لاحقا من أنّ الشريعة "أمية" بالمعنى الإيجابي، أي أنها جارية على مقتضى العموم البشري ومراعية لما يطيقه الجمهور في الإدراك والتلقي وإن اختلف السياق والاصطلاح.
غير أنّ هذا "الاقتصاد البرهاني" لا يعني التبسيط المخل ولا الاستقالة من التعقيد حين يقتضيه البحث، بل يعني ردّ كل مقام إلى ما يلائمه. فابن رشد لا ينكر البرهان العقلي الدقيق من حيث هو كذلك بل هو من أشد الناس انتصارا له، لكنه ينكر أن تتحول العقيدة العامة إلى ميدان لاستعراض الصناعات المنطقية التي لا تخدم اليقين بقدر ما تثير التشويش. ولأجل ذلك يميّز تمييزا حاسما بين البرهان بوصفه صناعة خاصة بأهل النظر وبين الخطاب الشرعي الذي يقيم للناس من الأدلة ما يكفيهم على حسب طبائعهم. إنّ المعقول الديني عنده ليس "عقلانية نخبوية" منقطعة عن جمهور الأمة كما أنه ليس "تدينا شعبيا" معاديا للنظر، بل هو بناء هرمي تتكامل فيه مستويات الإدراك من غير أن ينقض بعضها بعضا.
ومن أدقّ ما يلفت النظر في الكشف أنّ ابن رشد لا يعامل النص القرآني معاملة المتكلمين الذين يبدؤون بمقدمات عقلية ثم يجرّون النصوص إليها جرا، بل يعامل القرآن نفسه بوصفه حقلا دلاليا غنيا يشتمل على أنماط من الاستدلال ينبغي استخراجها وفهم نظامها الداخلي. ولذلك فإنّ كتابه في جوهره محاولة لاكتشاف "العقلانية الكامنة" في الخطاب القرآني. إنّه لا يفرض على النص بنية برهانية خارجية بل يحاول أن يستخرج منه ما يسميه مناهج الأدلة التي سلكها الشرع في تقرير أصول العقائد. وهذا المسلك بالغ الأهمية لأنه يكشف أنّ ابن رشد لا يدافع عن الفلسفة في مواجهة الدين بل يدافع عن الدين في مواجهة التأويلات التي حجبت معقوليته الأصلية.
ولذلك نجده يرفض كثيرا من الأدلة الكلامية الشهيرة لا لأنها عقلية أكثر مما ينبغي، بل لأنها ليست عقلية بما يكفي أو لأنها عقلية ناقصة أو لأنها عقلانية جدلية لا برهانية وهذا فرق جوهري، فليس كل ما نُسب إلى العقل عقلا بالمعنى الرشدي. إنّ العقل عنده صناعة مضبوطة لها شروطها ومقدماتها ومراتبها، ومن لم يلتزم ذلك كان في حكم المتشبه بالحكماء وليس منهم. وهنا نستحضر ما قاله ابن باجة في نقده لفساد التعليم حين نبّه إلى أنّ كثيرا من الناس "يظنون أنهم يعلمون وليسوا بعالمين"، لأنهم لم يدركوا حدود الصناعات ولا مقتضياتها. ويكاد ابن رشد في الكشف يطبق هذا المعنى على المتكلمين الذين ادعوا الدفاع عن العقيدة لكنهم أدخلوها في مسالك لم يشرعها الوحي ولم يقتضها البرهان.
إنّ المعقول الديني عند ابن رشد يقوم على ثلاث دعائم متلازمة: ردّ العقيدة إلى أصولها الشرعية البيانية وتنقيح مناهج الاستدلال بما يوافق مقتضى البرهان والتمييز بين مراتب الخطاب بحسب مراتب الناس في الإدراك. وهذه الدعائم ليست متجاورة فحسب بل هي متشابكة في نسيج واحد. فلو اكتفى بردّ العقيدة إلى النص دون نقد للمناهج لبقي أسير القراءة الظاهرية أو الخطابية المحضة. ولو اكتفى بنقد المناهج دون مراعاة مراتب الخطاب لتحول الدين إلى فلسفة مدرسية نخبوية. ولو ميّز بين مراتب الناس دون ردّ ذلك إلى أصل شرعي لانفتح الباب لفصلٍ بين "حقيقة" للفلاسفة و"رمز" للعامة على نحو قد يُفضي إلى الازدواجية. لكنّ ابن رشد يحاول أن يتفادى كل ذلك ببناء توازن دقيق بين وحدة الحقيقة وتعدد طرائق عرضها.
وهذا ما يفسّر أيضا موقفه من التأويل. فالتأويل عنده ليس عبثا بالنصوص ولا رخصة مفتوحة للفرار من ظواهر الشرع، بل هو ضرورة منهجية لا تُستعمل إلا عند قيام البرهان القطعي على أنّ الظاهر غير مراد في حقّ من ثبت له ذلك البرهان. وهو بهذا يضع التأويل داخل نظام معرفي مضبوط لا داخل مزاج مذهبي أو رغبة جدلية. وقد نبّه الغزالي نفسه في غير ما موضع إلى خطورة التسرع في التكفير بسبب مسائل التأويل، غير أنّه لم يخرج نهائيا من الإطار الكلامي الذي ظلّ ابن رشد يراه جزءا من المشكلة. وتبدو مفارقة عميقة بين الرجلين، فالغزالي أراد إنقاذ الإيمان من الفلسفة بينما أراد ابن رشد إنقاذ المعقول الديني من الكلام ومن سوء فهم الفلسفة معا.
إنّ قراءة الكشف على هذا النحو تبيّن أنّ ابن رشد لم يكن مشغولا فقط بإثبات أنّ العقائد الإسلامية قابلة للدفاع العقلي، بل كان مشغولا قبل ذلك بتأسيس صورة مخصوصة للعقلانية الدينية. وهذه الصورة لا تقوم على مبدأ "العقل فوق النص" ولا على مبدأ "النص ضد العقل"، وإنما تقوم على مبدأ أدقّ هو أنّ النص الحق لا يفهم إلا بعقل سليم وأن العقل السليم لا يكتمل إلا إذا أدرك مقاصد الخطاب ومراتبه. ولعلّ هذا المعنى يلتقي مع ما سيقوله لاحقا ابن تيمية في سياق مختلف حين يقرر أنّ "صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول". وعلى الرغم من التباين الكبير بين المشروعين فإنّ الجامع بينهما هو رفض الثنائية المفتعلة بين العقل والوحي مع اختلاف بيّن في طبيعة العقل المقصود وفي أدوات التحليل.
وفي صميم هذا المشروع يبرز نقد ابن رشد للمتكلمين بوصفه نقدا معرفيا لا مجرد خصومة مذهبية. فهو لا يخاصمهم لأنهم أشاعرة أو معتزلة أو غير ذلك فحسب بل لأنّ الصناعة التي غلبت عليهم هي صناعة الجدل لا البرهان. والجدل عند أرسطو وعند الشراح من بعده ليس باطلا من حيث الأصل، لكنه أدنى مرتبة من البرهان لأنه يتعامل مع المشهورات والمسلّمات الظنية لا مع المبادئ اليقينية. فإذا نُقلت قضايا العقيدة التي يُراد لها اليقين إلى فضاء الجدل نشأ الاضطراب من حيث لا يشعر المتكلم. ولذلك كان ابن رشد يرى أنّ علم الكلام لم يزد الناس في كثير من الأحيان إلا حيرة وأنّ ما سُمّي أدلة عقلية لم يكن في أحوال كثيرة إلا تعقيدات اصطلاحية بعيدة عن روح الشرع وعن مقتضى البرهان معا. وهنا تكتسب بنية الحجاج في الكشف معناها الحقيقي، فابن رشد لا يقدّم نتائج ثم يطلب التسليم بها، بل يبني خطابه على مسار تفكيكي تركيبي يبدأ بتشخيص فساد المناهج السائدة ثم ينتقل إلى بيان المناهج التي اعتمدها الشرع، ثم يبيّن أنّ هذه المناهج ليست مجرد وسائل وعظية بل تتضمن من المعقولية ما يفوق كثيرا من المصنوعات الكلامية. وهذا التحول من النقد إلى الاستخراج ثم إلى التأسيس هو الذي يمنح النص قوته. إنه لا يكتفي بهدم الخصم بل يعيد بناء الأرضية التي ينبغي أن يقوم عليها النظر الديني. ولذلك فإنّ "الكشف" هنا ليس كشفا عن أدلة فحسب، بل كشفٌ عن بنية عقلانية في صميم الوحي.
ولئن كان بعض الباحثين المحدثين قد رأى في هذا المسلك نزعة "إصلاحية" مبكرة داخل التراث الإسلامي فإنّ الأدقّ من ذلك أن نقول إنّ ابن رشد كان بصدد استعادة التوازن المفقود بين البيان والبرهان. فالحضارة الإسلامية في أوجها لم تكن قد عرفت هذا الانفصال الحاد بين علوم الشرع وعلوم العقل بالصورة التي استقرّت لاحقا في الوعي المدرسي. بل إنّ أئمة كبارا مثل الشافعي حين بنى أصول النظر الفقهي إنما كان يؤسس لصرامة استدلالية لا تقل في جوهرها عن مطلب الانضباط العقلي وإن اختلفت موضوعاتها وأدواتها. وكذلك فعل المالكية في باب المقاصد والمصالح حين ربطوا الأحكام بمعانيها وحِكمها. وابن رشد وهو الفقيه المالكي العارف بصناعة الأصول لم يكن بعيدا عن هذا الأفق. لذلك فإنّ معقوله الديني ليس طارئا مستوردا من خارج الشريعة بل هو استنطاق لأبعاد عقلية كامنة فيها.
بل يمكن القول إنّ إحدى عبقريات ابن رشد في هذا الكتاب أنه لا يفصل بين "المعقول" و"المشروع". فليس كل ما يمكن للعقل أن يتصوره صالحا لأن يكون جزءًا من البناء الديني العام. ولهذا يظلّ وفيا لمقتضى الشرع من حيث هو خطاب هداية لا مجرد نسق ميتافيزيقي. إنّه يعرف أنّ الدين ليس كتابا في المنطق ولا في الطبيعيات وأنّ المقصود الأسمى منه هو هداية الإنسان إلى السعادة العملية والنظرية. غير أنّ هذه الهداية نفسها لا يمكن أن تستقيم إذا ساد فيها اضطراب المناهج. ولذلك كان إصلاح مناهج النظر في العقائد جزءا من إصلاح العمران المعرفي للأمة. وهنا يبدو ابن رشد قريبا من الروح المدنية للفلسفة الكلاسيكية حيث لا تكون الحقيقة شأنا فرديا محضا بل ركيزة لنظام المدينة واستقامة الاجتماع.
وهذا يقودنا إلى ملاحظة أخرى، وهي أنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس مجرد مسألة معرفية محضة، بل له بعد تربوي وسياسي وثقافي. فحين ينتقد المتكلمين لأنهّم نشروا بين الناس أدلة لا يفهمونها فهو لا يشتكي فقط من ضعف البرهان بل من الأثر الاجتماعي لهذا الضعف. إنّ العقائد حين تُصاغ في قوالب جدلية عسيرة تنشأ عنها الفرق والانقسامات ويضعف اليقين ويحلّ محلّ الطمأنينة اضطرابٌ مذهبي لا ينتهي. لذلك كان ابن رشد حريصا على أن يردّ العامة إلى ما ينفعهم من ظاهر الشرع الصحيح وأن يردّ الخاصة إلى ما يليق بهم من البرهان وأن يمنع التداخل الفاسد بين المقامين. وهذه الفكرة في غاية العمق لأنها تجعل من تدبير المعرفة الدينية جزءا من تدبير السلم الرمزي داخل الجماعة.
وقد عبّر ابن خلدون بعده بقرون عن شيء من هذا المعنى حين رأى أنّ علم الكلام لما استقرّت العقائد وصار الإيمان مندرجا في تقاليد الأمة خفّت الحاجة إلى كثير من صنائعه الأولى وصار الاشتغال به على النحو الجدلي القديم قليل الجدوى إلا في مواطن مخصوصة. وعلى الرغم من اختلاف السياق بين الرجلين، فإنّ في كلام ابن خلدون صدى بعيدا للنقد الرشدي الذي كان يرى أنّ الإغراق في الجدل لا يبني يقينا راسخا بقدر ما يُنشئ عادات سجالية.
ويتضح أنّ كتاب الكشف عن مناهج الأدلة ليس نصا ثانويا في المشروع الرشدي كما ظنّ بعضهم، بل هو من أكثر نصوصه التصاقا بجوهر معركته الفكرية. ففيه تتقاطع الفلسفة بالأصول والفقه بالكلام والتأويل بالبرهان. وفيه يظهر ابن رشد لا شارحا لأرسطو فحسب بل مفكرا مسلما كبيرا يسعى إلى تحرير العقل الديني من الانحباس داخل الصيغ التي حجبت فاعليته. إنّ "المعقول الديني" عنده ليس تسمية طارئة بل هو جوهر الرهان، أن يعود الدين مجالا للحقيقة المضيئة لا ساحةً للخصومات العمياء وأن يُفهم الوحي في ضوء ما أودعه الله في الإنسان من قوة النظر لا في ضوء ما راكمته المدارس من أغلال الجدل. وإذا كان هذا هو الإطار العام الذي تنتظم فيه بنية الحجاج في الكتاب، فإنّ الانتقال إلى تحليل المباحث الداخلية وبخاصة طريقة ابن رشد في نقد دليل الحدوث ثم بنائه لأدلة العناية والاختراع ثم معالجته لمسألة الصفات والتأويل والنبوة، يكشف بدرجة أوضح عن أن الرجل لا يبدّل الأدلة فقط، بل يبدّل تصورنا ذاته لماهية الدليل الديني. وهو ما يجعل الكشف نصا تأسيسيا في تاريخ العقلانية الإسلامية، لا لأنه يكرّر الفلسفة داخل الدين، بل لأنه يعيد اكتشاف المعقول الذي في صلب الدين نفسه.
إنّ الدخول إلى البنية الداخلية للحجاج في الكشف عن مناهج الأدلة يبيّن بجلاء أنّ ابن رشد لم يكن بصدد استبدال دليل بدليل فحسب، بل كان يباشر مراجعةً جذرية للكيفية التي تُبنى بها الحقيقة الدينية في الوعي الإسلامي. فالمسألة عنده لا تتعلق بمجرّد ترجيح مذهبي بين متكلم وفيلسوف وإنما تتصل بإعادة ترتيب العلاقة بين النص والعقل والبرهان والجمهور. لذلك كان أول ما وجّهه بالنقد هو ذلك النمط من الأدلة الذي شاع عند المتكلمين تحت اسم "دليل الحدوث"، لأنّه رأى فيه مثالا ساطعا على انتقال العقيدة من فضاء البداهة الهادية إلى فضاء الصناعة الجدلية الملتبسة.
لقد أدرك ابن رشد أنّ دليل الحدوث كما صاغه المتكلمون سواء في صيغته المبنية على حدوث الأجسام أو في صيغته المتوسلة بإبطال التسلسل أو في وجوهه المتعددة القائمة على تقسيمات الجوهر والعرض، ليس دليلا صالحا لأن يكون أصلا عاما في تقرير الإيمان لا من جهة وضوحه ولا من جهة مطابقته لسنن الخطاب القرآني. فهو عنده دليل عسير المأخذ لا يسلكه إلا من تمرّس بالاصطلاحات المدرسية، ثم هو فوق ذلك ليس برهانيا خالصا بل جدليٌّ في أكثر مواضعه، لأن مقدماته نفسها ليست يقينية على النحو الذي يقتضيه البرهان. وحين تصبح المقدمات مظنونة أو مختلفا فيها فإنّ النتيجة لا تتجاوز رتبة الظن الغالب مهما اشتدّ التزويق المنطقي في عرضها. إنّ اعتراض ابن رشد ليس اعتراضا على استعمال العقل في إثبات الصانع بل اعتراض على عقلٍ لم يُحسن اختيار موضعه ولا مادته ولا صورته.
إنّ في هذا النقد بعدا منهجيا بالغ العمق، فابن رشد يميّز بين العقل من حيث هو قوة إدراك وبين "الصناعة" التي تنظّم هذه القوة وتمنعها من التخبّط. ولذلك فإنّ كثيرا مما يسميه الناس عقلا قد لا يكون عنده إلا توهّما عقليا أو شبهة منطقية لا ترقى إلى رتبة البرهان. وهو هنا يظلّ وفيا للميراث الأرسطي الذي يربط اليقين بنوع المقدّمات لا بمجرد صورة الاستدلال. وإذا كانت العقائد أصولا كبرى يُراد لها الرسوخ في النفس فإنّ بناءها على مقدمات دقيقة متنازع فيها يفضي إلى نقيض المقصود، لأنّ ما لا يرسخ إلا بصناعة شاقة سرعان ما يتزلزل بأدنى اعتراض. ويمكن هنا فهم حرصه على أن تكون الأدلة الدينية الكبرى أقرب إلى الفطرة وأظهر في الحسّ والنظر لأنّ ما كان أقرب إلى نظام الوجود وإلى التجربة الإنسانية أرسخ في النفس وأدعى إلى الطمأنينة.
على هذا الأساس ينتقل ابن رشد إلى ما يعدّه الطريق الأقوم في الاستدلال، وهو ما اصطلح عليه بـ"دليل العناية" و"دليل الاختراع". وهذان الدليلان لا ينبغي فهمهما على أنهما مجرد بديلين تقنيين عن دليل الحدوث، بل هما في الحقيقة ترجمة لرؤية مخصوصة للعالم وللعلاقة بين الإنسان والوجود. فدليل العناية يقوم على النظر في مناسبة الموجودات لوجود الإنسان وانتظامها على نحو يدلّ على قصد وحكمة وتقدير. ليس المقصود هنا مجرد المنفعة السطحية بل الكشف عن كون العالم مبنيا على نظام يمكن للعقل أن يدرك فيه جهة الغائية والملاءمة. فتعاقب الليل والنهار وتقدير الفصول وتناسب عناصر الحياة وتهيؤ الموجودات لما به قوام الإنسان والحيوان والنبات ليست عند ابن رشد مظاهر عشوائية، بل علامات على عناية سابقة في الوجود. وهنا يبدو قريبا من تلك الحكمة التي تجعل الكون كتابا مفتوحا للقراءة، لا كتلةً صمّاء من الوقائع.
أما دليل الاختراع فيقوم على النظر في نفس الموجودات من حيث تركيبها وصورها وخصائصها العجيبة التي تشهد بأنّها صادرة عن فاعل مبدع. فإذا كان دليل العناية ينظر إلى العالم من حيث ملاءمته وغائيته فإنّ دليل الاختراع ينظر إليه من حيث بناؤه وتكوينه وإبداع صورته. وبهذا المعنى يتكامل الدليلان، أحدهما يقرأ النظام من جهة الغاية والآخر يقرأه من جهة الصنعة. وكلاهما أقرب إلى البيان القرآني الذي يردّد النظر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير البحر وإنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها وتصريف الرياح وخلق الإنسان في أحسن تقويم. إنّ ابن رشد لا يبتدع هذين الدليلين من خارج النص بل يستنبطهما من صميم الحسّ القرآني في الاستدلال، ولذلك كان يراهما أصلحَ للعامة وأقربَ إلى الخاصة معا.
والحق أنّ هذا الموضع من أخصب مواضع الفكر الرشدي، فهنا لا يدافع عن الفلسفة باسم الفلسفة بل يبيّن أنّ الشرع نفسه أكثر عقلانية من المتكلمين الذين ظنّوا أنهم يحمونه. إنّ القرآن عنده لا يجرّد الإنسان من حسّه ولا يطالبه بالقفز فوق العالم إلى تصورات مجرّدة بل يربّيه على النظر في الموجودات باعتبارها آيات. والآية في بنيتها العميقة ليست "شيئا" فقط، بل "شيئا يدلّ". وهذا الانتقال من الشيء إلى دلالته هو عين الفعل العقلي. لذلك فإنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس تمرينا ذهنيا منفصلا عن الوجود بل هو فعل تأمّل في العالم بما هو مشحون بالمعنى. وهنا أيضا تتجلّى مسافة الرجل عن كل نزعة حرفية جامدة لأنّ الحرفية تقف عند ظاهر اللفظ كما تقف الحسّية الغافلة عند ظاهر الشيء بينما الرشدية تطلب باطن الدلالة من غير أن تنقض ظاهر الخطاب.
وإذا انتقلنا إلى مسألة الصفات الإلهية ظهر وجه آخر من وجوه إحكامه الحجاجي. فهذه القضية كانت من أعقد قضايا الكلام الإسلامي وأشدّها إنتاجا للانقسام المذهبي إذ تنازعتها اتجاهات التعطيل والتشبيه والتفويض والتأويل. وابن رشد لا ينخرط فيها على الطريقة الجدلية الموروثة بل يحاول ردّها إلى مقتضى الشرع ومقتضى البرهان معا. فهو يرى أنّ النصوص الواردة في الصفات لا يجوز أن تُفهم على نحو يفضي إلى التجسيم ولا على نحو يفضي إلى تعطيل مدلولاتها رأسا، وإنما تُفهم بحسب القاعدة التي تحفظ التنزيه وتراعي مستويات المخاطبين. فالشرع خاطب الجمهور بما يقرب إلى أفهامهم من غير أن يلزم من ذلك حمل الصفات على المعاني الحسية التي تليق بالمخلوقات. أما الخاصة الذين قام عندهم البرهان على تنزّه الباري عن مشابهة الحوادث فإنّهم يعلمون أنّ هذه الألفاظ جارية على سبيل التمثيل أو التقريب أو المجاز الذي تقتضيه اللغة الدينية في خطابها البشري، وهنا تتجلى دقة تصوره للتأويل. فالتأويل عنده ليس موقفا ميتافيزيقيا سابقا على النص بل هو نتيجة لقيام البرهان. فإذا ثبت برهان قطعي في باب من الأبواب امتنع حمل النص على ما يناقضه لأنّ الحق لا يتناقض. لكنّ هذا لا يفتح الباب لكل أحد أن يؤوّل بحسب هواه، لأنّ التأويل صناعة لها أهلها وحدودها ونشرها بين العامة فساد مضاعف. ولا يكون التأويل أداة لهدم الظاهر بل وسيلة لحفظ الحقيقة من أن تُفهم على وجه مستحيل. وقد أحسن ابن رشد هنا ضبط الموازنة بين حرمة النص وحرمة البرهان. فلا النص يُستباح باسم العقل ولا العقل يُلغى باسم الظاهر. وإذا كان الغزالي قد قال في بعض مقاماته إنّ "من ظنّ أنّ المنقول يعارض المعقول فقد ظنّ بالمصدرين جميعا سوءا"، فإنّ ابن رشد يذهب أبعد من ذلك بجعل هذا التوافق أصلا بنيويا في فهم الدين لا مجرد حلّ اضطراري عند التعارض.
وتبلغ بنية الحجاج الرشدي درجة أعمق من الإحكام حين يتناول مسألة النبوة. فهو لا يتعامل معها باعتبارها معجزة خارقة فحسب، بل باعتبارها ضرورة في نظام الاجتماع الإنساني وفي كمال النوع البشري. فالإنسان عنده لا يكتمل بمجرد العقل النظري لأنّ أكثر الناس لا يطيقون إدراك الحقائق في صورتها البرهانية الخالصة. ومن هنا كانت النبوة رحمةً معرفيةً وتشريعيةً وتربويةً في آن. إنها تنقل الحقائق الكبرى إلى مستوى يمكن للجماعة البشرية أن تتلقاه في صورة أمثال وصور وتشريعات ومواعظ وعبادات. وتبدو النبوة عند ابن رشد ذروة الحكمة العملية الإلهية في تدبير البشر. إنها ليست نقيض العقل بل صورته العليا في أفق الهداية العامة. فالفيلسوف يدرك الحقيقة بالبرهان، أما النبي فيجمع إلى ذلك القدرة على تمثيلها للناس في صور تخاطب خيالهم وعقولهم وضمائرهم.
وهذا التصور يجعل من الدين بنيةً رمزيةً عميقة لا يمكن اختزالها في خطاب مفهومي مجرد. وهنا نفهم لماذا لم يكن ابن رشد من دعاة تحويل الشريعة إلى فلسفة مدرسية، لأنّه يعلم أنّ الحقيقة إذا نزعت عنها قدرتها على التمثيل والتخييل والتربية فقدت أثرها في الجمهور. وقد سبق الفارابي إلى تقرير هذا المعنى حين جعل الملّة محاكاةً فلسفيةً للحقائق النظرية بلغة المدينة، لكنّ ابن رشد يحرص على ألا يُفهم هذا في اتجاه ينتقص من الوحي أو يجعله مجرد صورة أدنى من الحقيقة. بل الحقيقة واحدة غير أنّ طرق إفادتها مختلفة بحسب المقامات. والنبوة ليست منزلة أدنى من البرهان بل هي نمط أعلى من الإفاضة الإلهية يجمع ما تفرّق في الصناعات البشرية.
أما في باب المعاد فإنّ ابن رشد يتجنب الانزلاق إلى تفصيلات جدلية أنهكت التراث وأنتجت خصومات لا تنتهي. فهو يثبت للشرع ما أثبته من الجزاء والسعادة والشقاء، لكنه لا يرى أن كل الصور الواردة في النصوص يجب أن تُحمل على ظاهر حسّي واحد عند جميع الناس. فالمقصد الأسمى هو تقرير المعنى الأخلاقي والوجودي للمعاد ، أي أنّ الإنسان ليس كائنا عابرا منقطع الصلة بمصيره وأنّ أفعاله مندرجة في نظام عدل كوني لا يضيع فيه خير ولا شر. وإذا كانت اللغة الدينية قد صاغت ذلك بصور محسوسة في كثير من المواضع فإنما فعلت ذلك لأنّ الجمهور لا ينهض أكثره إلى المعاني المجردة. أما أهل النظر فقد يدركون من هذه الصور ما وراءها من الحقائق المناسبة لمراتبهم. وبهذا يظلّ ابن رشد وفيا لقاعدته الكبرى، وحدة الحقيقة وتعدد طرائق التعبير عنها.
إنّ الذي يلفت النظر في كل هذه المباحث أنّ ابن رشد لا يسلك مسلك الهجوم الانفعالي على مخالفيه، بل يبني اعتراضه على قاعدة منهجية صارمة، فساد الدليل يفسد المدلول في الوعي ولو صحّ المدلول في نفسه، وهذا من أدقّ ما في فلسفته. فكم من حق أفسدته طرائق الدفاع عنه، وكم من عقيدة صحيحة أضعفتها صناعة سيئة. ولذلك كان همه منصبا على "تخليص" العقائد من الأدلة التي شوّهت صورتها. وهنا يتجاوز ابن رشد مجرّد الجدل المذهبي إلى ما يمكن تسميته أخلاقا للبرهان. فالبرهان ليس مجرد آلة معرفية بل هو أيضا مسؤولية حضارية لأنّ طريقة عرض الحقيقة قد تحفظها في الأمة أو تُفسدها في وجدانها.
ومن ثم فإنّ الكشف عن مناهج الأدلة ليس كتابا في الرد على الأشاعرة أو المعتزلة وحسب، ولا كتابا في التوفيق بين الحكمة والشريعة بالمعنى المدرسي الضيق، بل هو نصّ تأسيسي في إصلاح العقل الديني الإسلامي. إنه يعلن أن الأزمة ليست في وفرة النصوص ولا في ضعف الإيمان من حيث المبدأ، بل في سوء ترتيب العلاقة بين النصوص ومناهج فهمها. وما لم يُصلح هذا الموضع ظلّت الثقافة الدينية عرضة للتنازع بين حرفية تقتل المعنى وجدلية تقتل اليقين وفلسفة مغلقة على نخبويتها. أما الرشدية فإنها تقترح طريقا ثالثا أكثر توازنا، عقلٌ برهاني لا يستنكف عن الشرع وشرعٌ بياني لا يعادي البرهان.
ولعلّ هذه هي النقطة التي تجعل ابن رشد حاضرا في كل لحظة فكرية يُعاد فيها طرح سؤال الدين والعقل. فالرجل لا يقدّم وصفة جاهزة ولا يسلّمنا مذهبا مكتملا بقدر ما يعلّمنا فضيلةً منهجية، أن نفحص الطريق قبل أن نتشبث بالنتيجة وأن نميّز بين مراتب الخطاب قبل أن نعمّم أحكامنا وأن نعرف أنّ الدفاع عن الدين قد يكون أحيانا بإبعاد بعض المدافعين عنه عن صدارته المعرفية. وهذه جرأة نادرة لا يقدر عليها إلا من جمع بين التديّن العميق والثقة الصارمة في العقل.
إنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس مجرد مفهوم فلسفي بل هو رؤية للإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس متلقيا سلبيا للوحي ولا صانعا مستقلا للحقيقة، بل هو كائن أُعطي من العقل ما يؤهله لفهم الدلالة، وأُعطي من الوحي ما يهديه إلى تمام المقصد. وإذا انفصل العقل عن الوحي استحال دهاءً باردا أو جدلا عقيما، وإذا انفصل الوحي عن العقل انقلب إلى ألفاظ تتنازعها الأهواء والظواهر. أما حين يلتقيان في أفقهما الصحيح فإنّ الدين يغدو معقولا من غير أن يفقد قدسيته ويغدو العقل متدينا من غير أن يفقد حريته، وفي هذا تكمن فرادة ابن رشد. ولم يكن همه أن يجعل الدين تابعا للفلسفة ولا أن يجعل الفلسفة خادمةً ذليلة للدين، بل أن يكشف عن المجال الذي يلتقي فيه الاثنان في صورة أرفع، صورة الحقيقة التي تتسع للبرهان وتفيض بالهداية. لذلك ظلّ الكشف كتابا يتجاوز زمانه لأنّه لا يعالج خلافات المدارس فقط، بل يمسّ السؤال الأبقى، كيف يمكن أن يكون الإيمان عقلانيا من غير أن يفقد حرارة الإيمان، وكيف يمكن أن يكون العقل وفيا للحقيقة من غير أن يتحول إلى خصم للمعنى؟.
إنّ ابن رشد أعاد للدين حقّه في أن يُفهم لا أن يُردَّد فقط، وأعاد للعقل حقّه في أن يهتدي لا أن يتسلّط، وأعاد للبرهان كرامته في ساحة امتلأت طويلا بصخب الجدل. لقد كان يرى أن الله الذي خلق العقل لا يمكن أن يشرع ما يهدمه وأن الشريعة التي جاءت لهداية الإنسان لا يمكن أن تؤسس ذاتها على ما يعجز أكثر الناس عن إدراكه أو يفضي إلى اضطرابهم. لذلك كانت عنايته بمناهج الأدلة عنايةً بجوهر الدين لا بهامشه وبمستقبل الثقافة الإسلامية لا بمسألة مدرسية عابرة.
وينتهي النظر في الكشف عن مناهج الأدلة إلى أن ابن رشد لم يكن يكتب في العقيدة وحسب بل كان يكتب في شروط إمكان العقل الديني نفسه. كان يفتّش عن دينٍ قادر على أن يسكن العالم من غير أن يستسلم له وعن عقلٍ قادر على أن ينظر في الوجود من غير أن يتكبّر على الوحي وعن لغةٍ تقدر أن تحمل الحقيقة إلى العامة والخاصة معا من غير أن تخونها. وتلك منزلة لا يبلغها إلا فكر كبير لأنّ الفكر الكبير ليس هو الذي يكثر من الأجوبة، بل الذي يعيد صياغة السؤال في مستوى أعمق. وابن رشد في هذا الكتاب لم يسأل فقط كيف نثبت العقائد؟ بل سأل قبل ذلك بأي عقل نثبتها وبأي خطاب نحفظها وبأي منهج نجعلها مصدرا للوحدة لا مادةً للفرقة.
لهذا السبب يظلّ الكشف نصا حيا في كل مشروع يروم تجديد النظر الديني من الداخل. إنه لا يمنحنا مجرد تراث نقرأه بل يهبنا معيارا نحاكم به طرائقنا نحن في التفكير والإقناع والتعليم. وحين نقرأه اليوم ندرك أنّ أزمتنا ليست بعيدة عن أزمته، ما زلنا نتنازع بين ظاهرية تضيق بالمعنى وبين عقلانية سطحية لا تعرف من العقل إلا الاعتراض. أما ابن رشد فيعلّمنا أنّ العقل الحق ليس خصومةً بل إنصاف، وأنّ الدين الحق ليس انغلاقا بل انكشاف، وأنّ البرهان إذا اقترن بالحكمة صار طريقا إلى السكينة لا إلى الشقاق.
***
د. حمزة مولخنيف






