دراسات وبحوث
حمزة مولخنيف: ابن رشد وإشكالية الجمهور الفلسفي
حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط
حين تلوح الفلسفة في أفق الحضارات الكبرى فإنها لا تظهر بوصفها علما من علوم النظر فحسب، بل تنبثق باعتبارها امتحانا دقيقا لمدى قدرة المجتمع على احتمال الحقيقة في صورتها العارية وعلى تدبير العلاقة الشائكة بين المعرفة وسلطتها وبين البرهان وحدود تداوله وبين النخبة العالمة والجماعة الحاملة للمعنى الديني والأخلاقي. وتغدو مسألة الفلسفة في المجال الإسلامي الوسيط أعمق من أن تُختزل في نزاع مدرسي بين الفقهاء والحكماء أو أن تُقرأ في ضوء ثنائية مكرورة بين العقل والنقل. فالأمر يتعلق في جوهره بسؤال ثقيل الوطأة، نافذ الأثر، متصل ببنية الاجتماع الإسلامي نفسه، كيف يمكن للمعرفة البرهانية أن تجد موطئ قدمها داخل مجتمع تشكّلت وحدته الرمزية في كنف الوحي وتحددت فيه مراتب القول وشرائط الفهم ومقامات التلقي على نحو بالغ الحساسية؟.
وفي قلب هذا السؤال ينهض ابن رشد بوصفه أحد أكثر العقول الإسلامية وعيا بطبيعة المعضلة وأشدها إدراكا لما يترتب عنها من آثار معرفية وسياسية وتربوية. فالرجل لم يقتصر جهده على الذب عن الفلسفة من تهم الزندقة والابتداع ولم يحصر همه في إقامة الصلح النظري بين الحكمة والشريعة، بل مضى إلى مستوى أبعد وأدق، وهو مستوى مساءلة شروط تعليم الفلسفة نفسها والبحث في حدود بثها وتعيين جمهورها والتمييز بين من يطيق حمل البرهان ومن يقف به الخطاب عند أفق التمثيل والإقناع. ويتجاوز ابن رشد صورة الشارح الكبير لأرسطو إلى صورة المفكر الذي أدرك أن الحقيقة لا تُقاس بمضمونها المجرد وحده، بل بما تقتضيه من آداب في التبليغ وما تستلزمه من حكمة في ترتيب الخطابات وما تستدعيه من فقه دقيق بمراتب العقول واختلاف قوى الإدراك.
ذلك أن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن موضع بالغ الدقة في تاريخ العقل الإسلامي حيث تتقاطع مشروعية النظر البرهاني مع رهانات الاستقرار العقدي وتتداخل سلطة التأويل مع مسؤولية التعليم ويتحول السؤال عن الفلسفة من سؤال في الجواز إلى سؤال في الأهلية والوظيفة والمآل. فليس كل حق يقال على وجه واحد ولا كل معنى يودع في كل ذهن على السواء ولا كل حقيقة تنجو من الفساد إذا انتقلت من مقامها إلى غير مقامها. ومن ثم فإن البحث في حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط لا يفضي إلى استعادة خصومة قديمة بين فقيه وفيلسوف بقدر ما يفضي إلى تفكيك بنية ثقافية كاملة كانت تصارع من أجل التوفيق بين مقتضيات الهداية العمومية ومطالب اليقين العقلي وبين وحدة الجماعة وحرية النظر وبين ظاهر النص وعمق التأويل.
وعلى هذا الأساس يعد النظر في مشروع ابن رشد بابا إلى فهم إحدى أعقد اللحظات في تاريخ الفكر الإسلامي، لحظة حاول فيها العقل البرهاني أن ينتزع لنفسه شرعية داخل فضاء شديد الانضباط وأن يؤسس لوجوده من غير أن يتحول إلى قوة تقويض أو مادة فتنة. وتنبع أهمية هذا الموضوع إذ يضعنا أمام سؤال يتجاوز سياقه الوسيط ليطال كل حضارة تتنازعها الحاجة إلى الحقيقة والخشية من آثارها، بأي قدر من الحكمة يُعلَّم العقل؟ وأين ينتهي حق المعرفة ويبتدئ واجب التدرج؟ وكيف تصان الفلسفة من خصومها ومن سوء صنيع بعض أهلها في آن واحد؟.
ليس من اليسير تناول موقع الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط من غير الوقوف طويلا عند المعضلة التي صاغها ابن رشد في صورة سؤال مضمر يجاوز مجرد الدفاع عن الحكمة إلى مساءلة شروط تداولها وحدود بثها وطرائق تعليمها ومجال المخاطبين بها. ذلك أن الإشكال عنده لم يكن محصورا في إثبات مشروعية النظر العقلي فحسب، بل كان متعلقا أيضا بتحديد من يحق له أن ينظر وكيف ينظر وبأي لغة يتلقى المعارف البرهانية. وتتبدى مسألة الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا بوصفها تفصيلا تعليميا عارضا بل باعتبارها عقدة نظرية تمس بنية الاجتماع الإسلامي الوسيط وتكشف عن توتر عميق بين الحقيقة ووسائطها وبين الحكمة وأهليتها وبين المعرفة ومآلاتها في المجال العمومي.
لقد كان ابن رشد يعيش في لحظة تاريخية شديدة الحساسية. فالفلسفة لم تكن حينئذ علما غريبا لم يلتفت إليه أحد بل غدت موضوع نزاع حاد بين المتكلمين والفقهاء والفلاسفة وأهل الحديث والمتصوفة. وكانت آثار أبي حامد الغزالي قد تركت في الوعي الإسلامي جرحا معرفيا لم يندمل. فهو وإن لم يهدم الفلسفة من أساسها كما يتوهم كثير من القراء فإنه زعزع ثقة الجمهور في الفلاسفة وأعاد ترسيم حدود المقبول من علومهم. وقد كان قوله في تهافت الفلاسفة ذا وقع بعيد: «نُكفِّرهم في ثلاث مسائل ونبدّعهم في سبع عشرة». وهذه العبارة لم تكن مجرد تقرير مذهبي بل كانت إعلانا عن خطورة انتقال بعض القضايا الفلسفية من حيز الدرس الخاص إلى فضاء الاعتقاد العام. لذلك فإن ابن رشد حين تصدى للرد في تهافت التهافت لم يكن يدافع عن أرسطو أو الفارابي أو ابن سينا فقط بل كان يدافع عن إمكان قيام حقل برهاني داخل حضارة يهيمن عليها منطق البيان والجدل.
غير أن دفاعه هذا لم يتخذ صورة تبشير مفتوح بالفلسفة لعامة الناس، وهنا تظهر مفارقته الكبرى. فابن رشد الذي قرر في فصل المقال أن «الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة» وأن «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له» هو نفسه الذي شدد على خطورة كشف التأويلات البرهانية لغير أهلها. وليس هذا تناقضا في بنية المشروع الرشدي كما قد يتوهم بعض الدارسين بل هو عين منطقه الداخلي. ذلك أن الرجل كان يميز بصرامة بين مراتب العقول وطرائق التصديق وأنماط الخطاب. فالناس عنده ليسوا سواء في تحصيل اليقين ولا في القدرة على حمل المعاني الكلية المجردة. إن الحقيقة الواحدة قد تتعدد سبل عرضها بحسب طبائع المتلقين من غير أن يعني ذلك تعدد الحقيقة في ذاتها. وهذه الفكرة هي المفتاح الأساس لفهم إشكالية الجمهور الفلسفي عنده.
إن ابن رشد في هذا الباب وريث مباشر للتقسيم الأرسطي لأنماط البرهان والإقناع. فليس كل خطاب برهانيا بالمعنى الدقيق. هناك البرهاني الذي يخاطب الخاصة القادرين على استيفاء المقدمات الضرورية واستنباط النتائج على وجه لا يتطرق إليه الشك. وهناك الجدلي الذي يقوم على المشهورات والمقبولات ويصلح للمناظرات الكلامية والفقهية. وهناك الخطابي الذي يعتمد التمثيل والتخييل والتأثير الوجداني وهو الأليق بمخاطبة الجمهور الواسع. وقد استثمر ابن رشد هذا التمييز داخل الحقل الشرعي نفسه، فالشرع عنده خاطب الناس جميعا بحسب مراتبهم. وفي ذلك يقول في معنى قريب: إن الشرع دعا إلى الاعتبار والنظر لكنه لم يكلّف الناس جميعا بطريق واحد في تحصيل المعرفة. فمنهم من يصدق بالبرهان ومنهم من يصدق بالجدل ومنهم من يصدق بالخطابة. وليس المقصود هنا تفضيل صنف على آخر أخلاقيا بل بيان اختلاف القوى الإدراكية.
وهذه الفكرة تجد لها صدى بعيدا في التراث الإسلامي نفسه. فالشافعي حين تكلم على مراتب الفهم في الرسالة كان واعيا بأن الخطاب الشرعي لا يتلقاه الناس على درجة واحدة. والجويني في البرهان والغياثي كان يميز بين طبقات النظار والعوام. وأبو حامد الغزالي نفسه قال في إلجام العوام عن علم الكلام: «اعلم أن الحق الصريح الذي لا مرية فيه عند أهل البصائر أن الخوض في هذا العلم حرام على أكثر الخلق». وليس بين هذا وبين موقف ابن رشد من حيث البنية العامة تباين مطلق وإن اختلفت المقاصد والمقدمات. فالغزالي يخشى فساد العقائد من الكلام كما يخشى ابن رشد فسادها من إساءة عرض البرهان. لكن الفرق الجوهري أن الغزالي يجعل الاحتياط مفضيا إلى تضييق أفق الفلسفة بينما يجعل ابن رشد الاحتياط نفسه شرطا لحفظ الفلسفة لا لإلغائها.
إن سؤال الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا ينهض على احتقار العامة كما يذهب إليه بعض القراءات المتعجلة بل على تصور إبستمولوجي واجتماعي معا. فالمعرفة البرهانية عنده ليست قابلة للتعميم المباشر لأنها مشروطة بملكة مخصوصة وبرياضة عقلية طويلة وبقدرة على احتمال التجريد. وإذا انتقلت إلى غير موضعها تحولت من علم إلى فتنة. وقد صرح في فصل المقال بمعنى بالغ الدلالة حين قال إن من صرح بالتأويلات لغير أهلها «فقد دعاهم إلى الكفر». هذه العبارة شديدة القوة ولا يمكن فهمها إلا في سياق إدراكه العميق للفارق بين الحقيقة في ذاتها والحقيقة من حيث تلقيها الاجتماعي. فالفكرة الصحيحة إذا وردت على ذهن غير مهيأ قد تنقلب إلى سبب للإنكار والاضطراب. ولذلك كان يرى أن كثيرا من خصومات الفلاسفة مع الجمهور إنما نشأت من سوء الوساطة لا من فساد المقاصد.
إن هذا الوعي بالوساطة المعرفية يجعل ابن رشد فيلسوفا سياسيا بقدر ما هو شارح لأرسطو. فهو يعلم أن الاجتماع الديني لا يقوم على البرهان وحده بل يحتاج إلى الرموز الجامعة والصور التمثيلية والمقاصد العملية التي تحفظ النظام الأخلاقي والمدني. وقد كان أفلاطون قبله قد لمح إلى شيء قريب حين جعل المدينة لا تنتظم إلا إذا عرفت طبقات النفوس ودرجات الاستعداد للحكمة. وفي الجمهورية لا تُعطى الفلسفة لكل أحد لأن «أكثر النفوس إذا ذاقت منها شيئا يسيرا فسدت». وأرسطو نفسه لم يكن يرى أن التعليم الفلسفي الأول يصلح لكل الناس على السواء. ثم إن الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة والملة أقام تمييزا حاسما بين الحقيقة الفلسفية وتمثلاتها الملية. فالمعقولات البرهانية تتجسد في صور تخييلية لكي تصير قابلة للتداول العمومي. وقد كان ابن رشد وارثا لهذا الخط وإن كان أقل ميلا إلى البناء اليوتوبي وأكثر التصاقا بالمشكل الفقهي والسياسي الواقعي.
غير أن المثير في المشروع الرشدي أن هذا التمييز بين الخاصة والعامة لا ينتهي إلى قطيعة معرفية مطلقة بل إلى توزيع وظيفي للخطاب. فالجمهور ليس خارج الحقيقة من حيث المآل وإنما هو يتلقاها في صورة تناسب طاقته الإدراكية. لذلك لم يكن ابن رشد يدعو إلى إنشاء نخبة مغلقة تتملك الحقيقة وتحتكرها على نحو باطني كما قد يفعل بعض الاتجاهات الإشراقية أو الباطنية. بل كان يرى أن الشريعة نفسها قد تضمنت الحقيقة على أنحاء مختلفة. فالظاهر للعامة والباطن للراسخين في العلم. وهذه الصيغة ليست بعيدة عن الآية المؤسسة: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ على أحد وجوه القراءة المعروفة. كما أنها تتجاوب مع مقولات قديمة عند ابن عباس وغيره في تمييز مستويات الفهم. ولعل ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قوله: «حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله» يمثل خلفية ثقافية عميقة لهذا المنزع. فالمسألة ليست كتمانا للحقيقة بل مراعاة لأهلية المتلقي.
ونفهم هنا لماذا كان ابن رشد شديد النقد لأولئك الذين خلطوا بين الصناعات وأفسدوا نظام التعليم. فهو يرى أن المتكلمين من جهة والفلاسفة غير المحكمين من جهة أخرى أسهموا في تشويش المجال العمومي. أما المتكلمون فلأنهم نقلوا مسائل دقيقة إلى جمهور لم يُخلق لها وجعلوا العقائد محل منازعات جدلية لا تنتهي. وأما بعض المنتسبين إلى الفلسفة فلأنهم لم يلتزموا البرهان الصارم بل مزجوا بين الظن واليقين وبين الحكمة والجدل. ولهذا كان ابن رشد في مواضع كثيرة أكثر قسوة على «أهل الكلام» لا لأنهم استعملوا العقل بل لأنهم استعملوه استعمالا غير منضبط في نظره. وهو هنا قريب من أرسطو في نفوره من السفسطة، فليست كل دعوى عقلية عقلانية بالفعل. وقد قال أرسطو في التحليلات ما معناه إن البرهان لا يقوم إلا على مبادئ أولى ضرورية. فإذا غابت الضرورة حضر التوهم.
وإذا تأملنا هذا الموقف في ضوء البنية الثقافية للمجتمع الإسلامي الوسيط أدركنا أن ابن رشد كان يواجه معضلة مزدوجة. فمن جهة كان عليه أن يثبت شرعية الفلسفة داخل أفق ديني تهيمن فيه سلطة النص وعلومه، ومن جهة أخرى كان عليه أن يحول دون تحول الفلسفة إلى مادة اضطراب اجتماعي أو ذريعة اتهام عقدي. ولهذا جاءت لغته في فصل المقال حذرة جدا. فهو لا يقول إن كل أحد مأمور بالنظر البرهاني بل يقول إن الشرع أوجب النظر على من كان من أهله. وهذه العبارة الدقيقة تؤسس لما يمكن تسميته فقه الأهلية المعرفية. فكما أن الفقهاء يميزون بين مراتب التكليف والقدرة والاستطاعة يميز ابن رشد بين مراتب النظر العقلي والاستعداد البرهاني. وليس غريبا أن يصوغ دفاعه عن الفلسفة بلغة فقهية أصولية لأن المعركة لم تكن نظرية مجردة بل كانت معركة مشروعية داخل فضاء تهيمن عليه أدوات الفقه والجدل.
ولئن كان بعض الدارسين المعاصرين قد رأى في هذا التمييز نزعة أرستقراطية معرفية فإن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم ابن رشد بمقاييس حديثة نشأت في سياقات مغايرة. ففكرة تعميم التعليم الفلسفي على النحو الذي نتصوره اليوم لم تكن متاحة لا من حيث البنية المؤسسية ولا من حيث مفهوم المعرفة ذاته. لقد كان العلم في المجتمع الوسيط مرتبطا بالإجازة والتدرج والصناعة والملكة. ولم يكن مجرد مضمون يُنقل بل هيئة نفسية تُكتسب. وابن خلدون بعد ابن رشد بقرون سيقول في المقدمة إن «العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة» وأن الملكات لا تحصل إلا بالتدرج والتكرار والمباشرة. وسيبين أن التعليم إذا تجاوز طاقة المتعلم أورثه العجز. وهذا المعنى بعينه نجده عند ابن رشد في صورة أرقى وأشد التصاقا بمشكل الفلسفة. فليس كل من سمع قولا فلسفيا صار فيلسوفا كما أن سماع مسائل الخلاف لا يجعل المرء فقيها.
ومع ذلك فإن الموقف الرشدي لا يخلو من توتر داخلي بالغ العمق. فإذا كانت الحقيقة واحدة والشرع داعيا إلى النظر وكانت الفلسفة واجبة على من استكمل شروطها فكيف يمكن للمجتمع أن يضمن تكوين هذا الجمهور الخاص من غير أن يفتح باب الفلسفة على نحو أوسع؟ وإذا كان إخفاء التأويلات عن العامة لازما صيانةً للإيمان فكيف تتجدد النخبة البرهانية جيلا بعد جيل؟ هنا تنكشف إحدى أعقد الإشكالات في المشروع الرشدي. فهو من جهة يريد حفظ التراتب المعرفي ومن جهة أخرى يحتاج إلى مؤسسات تعليمية تنتج أهل البرهان. لكن المجتمع الذي يضيق بالفلسفة أو يرتاب فيها لا يوفر بسهولة شروط هذا الإنتاج. إن الدفاع عن الفلسفة عند ابن رشد يظل معلقا بين مثال نظري دقيق وواقع سياسي مضطرب.
لقد أدرك ابن طفيل هذا التوتر بطريقة رمزية في قصته الفلسفية حي بن يقظان. فحي يبلغ الحقيقة بالعقل الخالص ثم يلتقي بالمجتمع ممثلا في أبصال وسلامان. وحين يحاول أن ينقل ما أدركه إلى الجمهور يكتشف أن أكثر الناس لا يحتملون ذلك. فيرجع إلى العزلة بعد أن يوقن أن للناس منازل وأن «الحكمة لا تعطى إلا لأهلها». هذه الثيمة ليست بعيدة عن ابن رشد الذي قدم لكتاب ابن طفيل وعرف مشروعه. بل يمكننا القول إن حي بن يقظان يقدم المشهد الرمزي لما يعالجه فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة معالجة نظرية مباشرة. ففي الحالتين نحن أمام السؤال نفسه: كيف تُصان الحقيقة حين تدخل المجال العمومي؟ وكيف يظل الدين جامعا للأمة من غير أن يتحول إلى خصومة تأويلية لا قرار لها؟.
إن ابن رشد في عمق مشروعه لا ينظر إلى الجمهور بوصفه كتلة جاهلة يجب استبعادها بل بوصفه مكونا ضروريا في انتظام المدينة الدينية. فالجمهور هو حامل الملة ووعاء العادات والفضائل العملية. وما تحتاجه المدينة ليس أن يتحول الجميع إلى فلاسفة بل أن تستقيم العلاقة بين البرهان والشرع وبين الخاصة والعامة على قاعدة التكامل لا التنازع. ولعل هذا ما يفسر قوله الضمني إن الشرع جاء بتعليم الجمهور على وجه خطابي وتمثيلي لا لأن الخطاب الخطابي أدنى قيمة مطلقا بل لأنه الأوفق بوظيفة الهداية العامة. وقد كان ابن سينا قد لمح إلى هذا المعنى حين قرر أن الأنبياء يخاطبون الجمهور بالأمثال والصور لأن «التصريح بالحقيقة المجردة لا تحتمله العامة». لكن ابن رشد يذهب أبعد من ابن سينا في ضبط هذه الفكرة ضمن أفق فقهي وسياسي أكثر صرامة.
ويتبين لنا أن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد ليست هامشا في مشروعه بل هي قلب المسألة. إنها النقطة التي تتقاطع فيها نظرية البرهان مع سياسة المعرفة وفقه التأويل وبنية الاجتماع الإسلامي الوسيط. ومن غير فهم هذا التقاطع يغدو الدفاع الرشدي عن الفلسفة مبتورا أو مشوها. فهو ليس دعوة مطلقة إلى إطلاق الفلسفة في الفضاء العام ولا هو رضوخ كامل لمنطق المنع والتحريم. إنه محاولة دقيقة لتأسيس مشروعية الحكمة داخل نظام ديني مدني مع الاعتراف بأن للحقيقة شروطا في التعليم والتلقي لا يجوز القفز عليها. وهذا ما يجعل ابن رشد أقرب إلى فيلسوف التوازنات الدقيقة منه إلى داعية عقلانية ساذجة أو باطنية مغلقة.
وفي هذا المستوى بالذات تنفتح أمامنا أسئلة أشد عمقا، هل كان ابن رشد يؤسس لنوع من النخبوية المعرفية الضرورية أم أنه كان يسجل مأزق الحضارة التي لم تستطع أن تحول الفلسفة إلى ثقافة عمومية؟ وهل كان احترازه من الجمهور حلا مرحليا فرضته ظروف عصره أم أنه مبدأ بنيوي في تصوره للمعرفة؟ ثم إلى أي حد أسهم هذا الاحتراز نفسه في تضييق دائرة الفلسفة داخل المجال الإسلامي بدل توسيعها؟ تلك أسئلة لا يمكن معالجتها من غير تفكيك تصوره لمراتب التصديق ولنقده لعلم الكلام ولطبيعة العلاقة بين التأويل والسلطة الدينية والسياسية. وهو ما يقتضي أن نواصل النظر في النص الرشدي نفسه وفي شروطه التاريخية وفي أثره اللاحق داخل الإسلام والغرب اللاتيني على السواء.
غير أن استيعاب إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا يكتمل إلا إذا تجاوزنا الصيغة العامة التي عرضها في فصل المقال إلى النظر في البنية الداخلية التي تنتظم بها العلاقة بين البرهان والتأويل والسلطة المعرفية. فابن رشد لم يكن معنيا بمجرد الدفاع عن حق الفيلسوف في التفكير وإنما كان معنيا أكثر من ذلك بتحديد الشرط الذي يجعل التفكير الفلسفي ممكنا من غير أن ينقلب إلى قوة هدم داخل المجال الديني والمدني. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يشتغل في عمق نصوصه ليس هل يجوز تعليم الفلسفة؟ بل لمن يجوز؟ وكيف يجوز؟ وبأي لغة يجوز؟ وما الحد الذي إذا تجاوزته الفلسفة في خطابها العمومي تحولت من أداة تحرير إلى سبب اضطراب؟.
هنا تحديدا يتعين استحضار الكشف عن مناهج الأدلة لأنه النص الذي تتجلى فيه حساسية ابن رشد تجاه المجال العمومي الديني. ففي هذا الكتاب لا يكتفي بانتقاد المتكلمين من جهة قصور مناهجهم البرهانية بل يتهمهم ضمنا بأنهم أفسدوا على الجمهور عقائدهم حين نقلوا قضايا دقيقة إلى ساحة النزاع. إن الذي يزعج ابن رشد في الكلام ليس فقط كونه لا يبلغ اليقين البرهاني بل كونه يخلط بين مقام التعليم ومقام الجدل. فالجمهور يحتاج إلى ما يرسخ المعنى الإيماني ويؤسس الاستقامة العملية، بينما يأتي المتكلم فيجرّه إلى مساحات من الاحتمال لا يملك أدوات حسمها، حيث إن علم الكلام عنده لا يفسد الفلسفة وحدها بل يربك الدين نفسه من حيث هو نظام هداية عمومية.
وهذا الاعتراض في غاية العمق لأن ابن رشد لا يهاجم مضمون الكلام بقدر ما يهاجم وضعيته التداولية. فالقضية ليست في صحة القول أو فساده فقط بل في ملاءمة القول لمقامه. إن العبارة إذا خرجت من مقامها فسدت وإن كانت في ذاتها حقا. وهذا من أبلغ ما وعاه ابن رشد في مسألة التعليم. فالحقيقة لا تقاس عنده بمضمونها المجرد وحده بل بقدرتها على أن تُعطى في صورتها المناسبة. وفي هذا المعنى يبدو كأنه يزاوج بين نظرية في الصدق ونظرية في الحكمة العملية. وليس بعيدا عن هذا ما نجده عند أرسطو في الأخلاق إلى نيقوماخوس حين يقرر أن الدقة لا تطلب في كل شيء على السواء وأن طلب اليقين في غير موضعه جهل بطبيعة الموضوع. فإذا كان لكل موضوع منهجه فإن لكل جمهور أيضا مستوى من الخطاب يليق به.
وتكتسب ثنائية الظاهر والباطن عند ابن رشد معناها الدقيق، فهي ليست ثنائية سرية بالمعنى الباطني الذي يجعل النص الشرعي قناعا لمعنى آخر لا يعرفه إلا المصطفون، وإنما هي ثنائية وظيفية تقوم على أن النص الواحد يحتمل مراتب من الفهم تبعا لمراتب العقول. فالمعنى الظاهر ليس باطلا ولا مجرد حيلة خطابية، بل هو حق في مرتبته لأنه يؤدي وظيفة الهداية العامة ويحفظ انتظام الجماعة. والمعنى المؤول ليس نقضا له بل تعميق له عند من استكمل آلة البرهان. لذلك كان ابن رشد شديد الحذر من التأويل المنفلت، فهو لا يجيز التأويل إلا حيث قام البرهان القطعي على أن الظاهر غير مراد. أما إذا لم يوجد البرهان فالوقوف مع الظاهر أولى. وهذا الشرط يكشف أن التأويل عنده ليس لعبا حرا للمعنى بل عملية مقيدة بمنطق صارم.
ويظهر الفارق الحاسم هنا بين ابن رشد وكثير من التيارات التي جعلت التأويل أداة لإنتاج سلطة معرفية مغلقة. فالتأويل عنده ليس امتيازا اجتماعيا خالصا بل استحقاق برهاني. وليس الراسخ في العلم من احتكر الرمز بل من استوفى شروط النظر. ولهذا فإن النخبة الرشدية ليست نخبة نسب أو سلطة أو قداسة بل نخبة صناعة عقلية. وهذه نقطة جديرة بالتشديد لأنها تميز مشروعه عن كثير من أنماط التراتب المعرفي في التراث. إن الخاصة عنده ليست طائفة مقدسة بل فئة متمرسة. وقد كان هذا في ذاته ضربا من عقلنة السلطة المعرفية داخل الثقافة الإسلامية الوسيطة.
غير أن هذه العقلنة لا تلغي الطابع الإشكالي للموقف، إذ ما دام التأويل محصورا في أهل البرهان فإن إمكان اتساع دائرة الفلسفة يظل مشروطا بوجود بنية تعليمية وثقافية قادرة على تكوين هؤلاء، وهذا ما لم يكن متاحا دائما. بل لعل المجتمع الذي كان ابن رشد يتحرك داخله كان قد بدأ بالفعل يفقد شروط التوازن بين علوم الشرع وعلوم النظر. فالتحول السياسي في الأندلس والمغرب وتصلب المجال العقدي وتزايد الحساسية تجاه الفلسفة جعل الفيلسوف مضطرا إلى أن يكتب دفاعه في صورة احترازية. ومن ثم فإن مشروعه يحمل في طياته مفارقة مؤلمة، إنه يدافع عن الفلسفة من داخل شروط تضيق عليها، ولذلك لم يكن غريبا أن ينتهي مصيره الشخصي إلى المحنة والنفي وحرق بعض كتبه. إن سيرة ابن رشد ليست حادثة عرضية منفصلة عن نظريته في الجمهور بل هي في وجه من الوجوه برهان تاريخي على صعوبة التوفيق بين الحقيقة البرهانية والفضاء العمومي حين يختل ميزان الثقافة والسياسة.
ولعل هذا ما يفسر أيضا أن الرشدية اللاتينية ازدهرت في الغرب المسيحي الوسيط في الوقت الذي كان فيه حضورها في المجال الإسلامي يتقلص. فالنص الرشدي وجد في الجامعات اللاتينية مؤسسة تؤهله للتداول المدرسي والتعليق والنقاش، أما في المجال الإسلامي فقد بقي محاصرا بحدود الريبة أو الاستعمال الجزئي. وليس معنى ذلك أن الإسلام كان عدوا جوهريا للفلسفة كما روجت بعض السرديات الاستشراقية الساذجة، بل معناه أن البنية المؤسسية التي تسمح للفلسفة بأن تصير صناعة تعليمية مستقرة لم تتكرس على النحو نفسه. وقد لمح محمد عابد الجابري في غير موضع إلى أن مأساة ابن رشد لم تكن مأساة رجل فقط بل مأساة «العقل البرهاني» حين عجز عن أن يصير تقليدا مؤسسا داخل الثقافة العربية الإسلامية. ومع أن الجابري قرأ ابن رشد في أفق مشروعه النهضوي المعاصر فإن ملاحظته في هذا الباب تظل ذات قيمة، الفلسفة لا تعيش بالعبقرية الفردية وحدها بل تحتاج إلى حاضنة تداولية.
وإذا رجعنا إلى أصل الإشكال أمكن القول إن ابن رشد كان يقاوم نزعتين متقابلتين كلتاهما مدمرة. النزعة الأولى هي تعميم ما لا يعمم، أي نقل المعاني البرهانية المجردة إلى غير أهلها باسم تحرير العقل. والنزعة الثانية هي منع ما ينبغي أن يوجد، أي حجب النظر البرهاني نفسه باسم حماية الإيمان. وبين هذين الحدين يحاول أن يبني طريقا وسطا شديد الدقة. فالبرهان لا بد منه لأن الشرع لا يعادي العقل بل يدعو إليه. لكن البرهان لا يتحول إلى خطاب عمومي مباشر لأن الاجتماع لا يقوم على اليقين الفلسفي وحده. ويفهم من هذا أن ابن رشد لم يكن فيلسوف عقلانية تجريدية صماء، بل كان واعيا بالبنية الرمزية والأخلاقية والسياسية التي ينتظم بها العالم الديني.
وهذا الوعي يجعله أقرب إلى فيلسوف تربية بقدر ما هو فيلسوف برهان. فتعليم الفلسفة عنده ليس مجرد نقل مسائل المنطق والطبيعيات والإلهيات، بل هو تربية على ملكة مخصوصة. ولذلك فإن الحد الفاصل بين الخاصة والعامة ليس معرفيا فقط بل تربوي أيضا. إن الفيلسوف لا يتكون بالاطلاع بل بالتدرج والمران والتطبع بالصناعة. وهذا ما يجعل السؤال عن «الجمهور الفلسفي» سؤالا في إمكان التربية العقلية داخل الحضارة. هل تستطيع المدينة الإسلامية الوسيطة أن تنتج مواطنين قادرين على تلقي البرهان من غير أن تهدد تماسكها الرمزي؟ هذا هو السؤال الذي لم يصرح به ابن رشد دائما لكنه حاضر في كل سطر من مشروعه.
وفي هذا الموضع يمكن أن نستحضر ابن خلدون مرة أخرى، فهو حين تحدث عن العلوم العقلية لم ينكرها من حيث الأصل لكنه قرر أن ازدهارها رهين بشروط عمرانية دقيقة. وإذا ضعفت تلك الشروط ضعفت العلوم ذاتها. وهذا التحليل العمراني يضيء ما كان عند ابن رشد في صورة حدس فلسفي وسياسي. فالفلسفة لا تنمو في الفراغ، إنها تحتاج إلى استقرار مدني وإلى مؤسسات تعليم وإلى تقاليد نقاش وإلى قدر من التسامح المعرفي. وإذا غابت هذه العناصر صارت الحكمة إما معزولة في دوائر ضيقة وإما متهمة في أصلها. ولذلك فإن حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط ليست حدودا نصية فحسب بل هي حدود تاريخية ومؤسسية أيضا.
غير أن القراءة الدقيقة للموقف الرشدي تمنعنا من السقوط في اختزال آخر لا يقل خطرا وهو اعتبار الرجل مجرد ممثل لسياسة الكتمان. فهذا تبسيط لا يليق بمشروعه. ابن رشد لم يدع إلى دفن الفلسفة بل إلى تنظيم تداولها، ولم يقل إن الجمهور لا حق له في الحقيقة بل قال إن الحقيقة تعطى له في الصيغة التي تحفظ غايتها الهداية لا البلبلة. ولم يجعل الشرع خصما للبرهان بل قرر أن البرهان أحد وجوه الوفاء لمقصد الشرع في دعوة الإنسان إلى الاعتبار. إن ما يرفضه ابن رشد ليس انفتاح العقل بل الفوضى المعرفية. ولهذا كان يمكن اعتباره من زاوية ما فيلسوفا لـ«أخلاق التعليم». فالمدرس الحق عنده ليس من يعلن كل ما يعلم في كل مقام، بل من يزن القول بميزان الحقيقة والمصلحة والقدرة على الفهم.
وفي هذا المعنى تستعيد العبارة المنسوبة إلى سفيان بن عيينة معناها العميق: «ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم نور يضعه الله في القلب». فالملكة مقدمة على التكديس. وليس بعيدا عنها قول الجاحظ في معنى قريب إن المعاني مطروحة في الطريق وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وموافقة الحال. وقد كان ابن رشد من هذا الجنس من المفكرين الذين يدركون أن الفكرة لا تُقاس بصحتها المجردة فقط بل أيضا بقدرتها على أن تجد موضعها الصحيح في نظام الثقافة. إن أزمة الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط لم تكن في جوهرها أزمة تعارض بسيط بين العقل والنقل كما تحب بعض القراءات التبسيطية أن تردد، بل كانت أزمة تنظيم للمجال المعرفي وأزمة توزيع للسلطة التأويلية وأزمة ثقة بين الصناعات العلمية المختلفة.
إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس هل أخطأ ابن رشد حين قيد تعليم الفلسفة أم أصاب، بل هل كان يملك في سياق عصره بديلا أكثر واقعية؟ لو دعا إلى تعميم الفلسفة بلا قيد لربما عجل بإعدامها الرمزي والمؤسسي. ولو رضي بمنطق المنع لكان قد خان أصل مشروعه. فاختار الطريق الأصعب، أن يفتح الباب ويضع عليه حراسة معرفية. وهذا الاختيار وإن بدا للبعض محافظا فإنه في سياقه التاريخي كان من أجرأ أشكال الدفاع عن العقل، لأن الجرأة ليست دائما في الهتاف المعلن، بل قد تكون في بناء الشروط الدقيقة التي تسمح للفكرة بأن تعيش.
إن ابن رشد هنا يقدم لنا درسا يتجاوز زمنه، فكل حضارة تواجه بطريقتها الخاصة معضلة العلاقة بين المعرفة المتخصصة والجمهور الواسع، وكل مجتمع يسأل نفسه وإن بصيغ مختلفة، ما الذي ينبغي أن يعمم؟ وما الذي يحتاج إلى تدرج؟ وما الفرق بين الحق في المعرفة والقدرة على استيعابها؟ وما حدود المسؤولية الأخلاقية للمعلم حين يتعامل مع قضايا قد تهز التصورات الراسخة؟ وإذا كان السياق الحديث قد وسع إمكانات التعليم وأعاد تعريف الجمهور فإن أصل الإشكال لم يختف. بل لعله ازداد تعقيدا مع الانفجار الإعلامي وسرعة تداول الأفكار خارج مؤسسات التكوين الصارم. ومن هذه الزاوية يبدو ابن رشد معاصرا لنا على نحو مدهش، فهو ينبهنا إلى أن المعرفة إذا خرجت من نظامها التربوي قد تتحول إلى شبهة أو أيديولوجيا أو ضجيج.
إن القيمة الحقيقية للموقف الرشدي لا تكمن في تقسيم الناس إلى خاصة وعامة فحسب، بل في وعيه بأن الحقيقة لا تحيا في الذهن وحده بل في شروط تداولها. إن البرهان في ذاته لا يكفي إذا لم يجد لسانه الملائم وسياقه التربوي ومؤسسته الحاضنة. والحكمة ليست مجرد امتلاك للنتائج بل معرفة بطرق الإيصال. ولهذا كان ابن رشد في العمق مفكرا في «سياسة الحقيقة»، لا بمعنى التلاعب بها بل بمعنى صيانتها من سوء الاستعمال. لقد فهم أن أعظم ما يهدد الفلسفة ليس فقط عداؤها الخارجي بل أيضا سوء تقديمها من أهلها أنفسهم حين ينسون أن لكل مقام مقالا وأن للمعرفة أدبا لا يقل أهمية عن مضمونها.
إن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن وجه من أكثر الوجوه تعقيدا في تاريخ العقل الإسلامي. فهي لا تحيلنا إلى معركة سطحية بين فقيه وفيلسوف ولا إلى ثنائية مستهلكة بين النص والعقل بل تضعنا أمام سؤال أعمق، كيف يمكن للحقيقة البرهانية أن تسكن مدينة دينية من غير أن تهدمها ومن غير أن تُدفن تحت تراب التحريم؟ لقد كان جواب ابن رشد مشروطا بعصره لكنه لم يكن عابرا. إنه جواب يقوم على أن الفلسفة ضرورة وأن الشريعة لا تناقضها وأن التأويل حق لمن استحقه وأن التعليم مسؤولية قبل أن يكون كشفا وأن الجمهور ليس خصما للحقيقة بل مخاطبا بها على قدر طاقته.
ولعل مأساة هذا الجواب أنه كان أرقى من شروطه التاريخية. فقد وُلد في زمن كانت فيه الحاجة إلى البرهان عظيمة لكن الاستعداد الاجتماعي لاحتماله محدودا. ولذلك بقي ابن رشد شاهدا على إمكان لم يكتمل. إمكان أن تتصالح الحضارة الإسلامية مع أعلى أشكال العقل من غير أن تفقد بنيتها الروحية. إمكان أن يكون الفيلسوف فقيها في طرق التعليم كما يكون الفقيه عاقلا في حدود الظاهر. إمكان أن يُبنى المجال العمومي على توازن لا يقصي الحكمة ولا يبتذلها. وإذا كانت الرشدية قد لمعت في الغرب بوصفها تقليدا شارحا ومؤسسا، فإنها في المجال الإسلامي بقيت أشبه بنداء لم يُستوفَ صداه كله.
إن القيمة الباقية لابن رشد لا تقاس بما تحقق من مشروعه وحده، بل بما كشفه من عمق المعضلة. لقد علّمنا أن الفلسفة لا تموت فقط حين تُحارَب بل قد تموت أيضا حين تُلقى إلى غير أهلها بلا تدرج ولا صناعة. وعلّمنا أن الدفاع عن العقل لا يكون بالصخب بل ببناء شروطه. وعلّمنا أخيرا أن المجتمع الذي يريد حكمة حية لا يكفيه أن يمدح الفلاسفة بعد موتهم، بل عليه أن يؤسس في قلبه فضاءً تتعايش فيه مراتب الخطاب من غير قطيعة وتتكامل فيه الهداية مع البرهان ويُصان فيه الحق من أن يتحول إلى فتنة أو إلى صنم. ويستعيد ابن رشد هنا مكانته لا بوصفه شارح أرسطو فقط، بل بوصفه مفكرا في مصير الحقيقة حين تدخل التاريخ.
***
د. حمزة مولخنيف






