عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

المولدي فروج: أيّهما يخيف النّصّ أكثر.. القارئ أم النّاقد؟

ملاحظة: نخصّ بهذا الكلام النصّ السردي فللشّعر خصوصيات أخرى... دائرةُ الضّوء على النّصّ الذي أتشره يصنعُها القرّاءُ والنّقادُ وكتَبةُ الذّاكرة.

القرّاءُ، مجانينُ الحكاية والنّصّ أفيونيهم، يحبّون الأفكار ولا يرغبون في تمثيل الأدوار، يمجّدون الفعلَ ولا يؤدّونه، ويمدحون الفاعلَ ولا يأخذون مكانه. بعضهم مفتون بالتّواكل، يحبّ قراءة النصوص بألسنة الآخرين فيسعى الى البحث عنه مسموعا إن استطاع الى ذلك سبيلا ويتمكّن منه في حالة استرخاء ليستمتع به دون عناء يقلقه يرهقه ابداء الرأي فيه ولو انطباعيا. واذا دعي، مكرها أو متصدّقا، الى تناول النّص بالتقييم، كان شحيحا في كلامه مراوغا أحيانا مادحا أو قادحا دون إثبات، غرضه من كل هذا أن يقفز على مطبّات اللوم وألا يستفزّ الكاتب.

بعض آخر من القرّاء مغرم بالبحث عن زلات الكاتب لا غير وعن الأخطاء التي ارتكبها سهوا أو جهلا، فلا يركّز اهتمامه الا عليها ولا يعتق النّصّ الا بعد أن يغربله غربلة وينفضه نفضا الى حين توليد الخطأِ منه ولو قيصريا. كأنما لا يعنيه النصّ في عمقه وأبعاده ولا في شكله وانما في لسانه.

أما أنا فأفصل بين القراء بالحسنى والصراحة، وفضّل القارئ المجادل الذي يبحث عن مكان له فيما أكتب، ليكون قارئا إيجابيا يساهم في صدى النّص أو يكون جزءًا من ارتداده، يتناوله فيقلّبه بين يديه ويتكلّم لغته وينصهر في أحداثه ويذوب اعجابا أو ينتفض رفضا. بغير هذه القراءة المتكاملة لا يكتمل النّص ولا يخرج في شكله البهيّ الذي أسعى دائما الى تحقيقه.

ولهذا أجدني أهمل القارئ المتواكل الذي يطمع في الحكاية ويريدها بسيطة كانسياب الماء في الحلق.

على طرف الورق المقابل نجد النقّاد يحاولون أن يكونوا قوة دفع مفروضة على النّص فيجتهدون في التصنيف والتوصيف والجمع والتفريق وفرز الجيّد من الرديء طبقا لذائقتهم ومستوى تفكيرهم، منتصرين حقا أو باطلا للأدبية والجمالية. والنّقاد، كالشّعراء، أصناف ودرجات، فمنهم العاشقون للنّصّ، الجادّون في اختيارهم والباحثون عن لذة القراءة شكلا دون اجتهاد في عمق النّص وأبعاده، أولئك الذين أسمّيهم جوْعى النّص، يتساقطون على الطّبق فيَمشّون عظامه حتى إذا شبعوا تركوه مكتفين بالتعليق على شكله الخارجي معبّرين عن اعجابهم ببنيته، ولسان حالهم يقول: هذا نصّ جميل وكفى، إنما الفنّ للفنّ فلا حاجة لنا الى معرفة ولا الى رأي أو وجع دماغ.. هؤلاء يتحولون الى أنصاف نقّاد يتكلّمون ولا يفكّرون ولا يضيفون الى النص ولا الى كاتبه أو الى القارئ شيئا ذا بال فيصبحون في آخر الأمر وسطاء غير مرغوب فيهم بين المؤلف والقارئ.

ومن النّقّاد صنف مغرمون بالنّقر على النّصوص بأصابع ومعاول مستوردة يحصلون عليها من التّناص أو من صورة الحافر الذي وقع على الحافر. فاذا ما سقط نصّ بين أيديهم تراهم يعتصرونه ويقلّبونه ويعجنونه ويجبرونه على أن يتطابق مع ذائقتهم ورؤيتهم للنّقد التي يستمدّونها من مدارس نقدية وهميّة. ففي اعتقادنا أن لكل نصّ، مدرسته تولد معه، لأنّه يولد في بيئة مختلفة وفي لحظة لا يعيشها الا الكاتب وحتى  ان عاشها فلن تتكرر ما دامت طقوس الولادة لا تتكرر أبدا.

ان النّاقد، وهو يضع جسد النص الادبي على طاولة الفحص إنّما هو طبيب يحاول ان يستنطق الجسد المريض لتحصل عنده فكرة كلية نسميها البنيويّة ( l’état général) معتمدا على علم الاسلوبية (الفيزيولوجيا = (la physiologie ومتبيّنا على السيميولوجيا (sémiologie). هذه المراحل في نظري ضرورية لانتاج نص نقدي جدير بأن يفيد ويكون قاطرة للفهم فيؤدّي دوره الرّيادي ويفيد القارئ والكاتب والنصّ.

وما بين القارئ والناقد يتلجلج قلب الادب خوفا وارتيابا

فهو الطفلٌ الذي لا يريد أن يضيع شيئا من أشيائه التافهة. يكتبه المنخدع بنفسه فيمحو النّقّاد والقرّاء ويكتبه المبدع الفنّان الذي ينسج نصّه ويستمتع به قبل غيره، وثمة صنف ثالث من الادب يكون مزيجا من الواقع والخيال.

أمّا اللغةُ فإنّها تضيء البيتَ المظلمَ أمام داخله.

و لا يجب أن ننسى أن الفكرة تكون أحيانا جميلة برشاقتها وطرافتها فتطغى على الشّكل وتقلِب موازينَ النّقد وتدفعُ القارئ نحو الانتصارِ لرأي الكاتب وإن ضحّى بقسط من الجمالية في سبيل القيام بدوره ككاتب مسؤول .

***

المولدي فروج

في المثقف اليوم