قراءات نقدية
قراءة في رواية "شهيد!" لكاوة أكبر.. حكاية تمرد ابن مفجوع
بقلم: جوناثان مايرسون
ترجمة: د. صالح الرزوق
***
لم يكن لدى سايروس شمس الكثير من النجاحات. فهو مدمن كحول وقيد التعافي، كما أنه شاعر أمريكي من أصل إيراني، ولم يحالفه الحظ بالنشر على نطاق واسع، وكان يكسب قوت يومه بشق النفس في إنديانا وذلك بالتمثيل في دور أشخاص معلولين بلغوا مرحلتهم النهائية، ولم يتسن لهم غير أطباء قيد التمرين. وسبق أن ماتت والدته بنيران البحرية الأمريكية، في حادث عرضي. كما أن اسمه لا يخلو من السخرية. ولذلك، ليس من المستغرب أن يهتم بالتخطيط لكتاب يتكلم عن موضوع الشهادة، حتى يصبح له أهمية في حياته.
وكانت أمه في عداد الـ 290 راكباً على متن رحلة الخطوط الجوية الإيرانية رقم 655 التي أطلقت المدمرة الأمريكية "يو إس إس فينسنيس" النار عليها متوهمين أنها طائرة حربية. وكان سايروس يريد أن يعزو لموت والدته أي معنى، وأن لا تكون مجرد جثة تحمل رقما. فتصور أنها شهيدة، وجعله ذلك يسعي لمصير مشابه أيضاً - وبذلك يوفر لنفسه فرصة تسكت "آلة الموت... التي تنبض في بلعومه".
ولذلك حينما وجد أصدقاؤه المخلصون إعلانا عن معرض "حديث الموت"، وهو آخر احتفاليات أعمال متحف بروكلين، فكّروا: "إن كانت هناك إشارة ذات معنى، هذه هي".
وكانت أوركيده، الفنانة الأمريكية ذات الجذر الإيراني تعاني من سرطان بلغ مراحله الأخيرة، وتوجب عليها أن تقضي أيامها الأخيرة في هذا المعرض لتتكلم مع طابور الزائرين. واعتبروا أن هذا بحث عن معنى للموت، وإن لم يكن كذلك، فماذا هو؟. ولم يصعب عليهم إقناع سايروس بإنفاق باقي مدخراته لقاء بطاقة طيارة.
كان سايروس معجبا ببوبي ساندز، وجان دارك، ورجل الدبابة الذي ظهر في ساحة تيانامين، لكن غيرت المرأة التي شاهدها في معرض بروكلين رؤيته للعالم. وأصبح متلهفا لرؤيتها كل يوم، واكتشف أنها تبادله هذا الشعور. لكنه وهو يجهز قائمةً من الأسئلة الهامة ليطرحها على ملهمته نسي أنها في المراحل الأخيرة من مرض السرطان.
ثم بالإضافة لذلك يرسم أكبر صورةً متعددة الوجوه والجوانب لكل ما دفع هذا الراغب بالشهادة ليصل إلى هذه النقطة. فنشاهد والدته، رؤيا وهي في ظل زواج تعيس، غير أنها تجد شيئا أفضل مع زوجة صديق زوجها؛ أما والده فيثور من الغضب، وينهار لموت زوجته العبثي ("كان غضب عليّ عميقا، يتجاوز الحد الطبيعي، كما لو أنه كلب ميت يقضم عظامه بسبب الجوع")، فيهاجر مع ابنه الرضيع إلى إنديانا. هناك عمه الذي يلتحق بالحرب الإيرانية ضد العراق "المحروم من التعليم، و المهارات خاصة، ولذلك ليس لديه مسؤوليات خارج بلادي". ويسند له حصان لينتطيه في الميدان الحربي ليلًا، وهو بزي ملاك في عباءة سوداء، ليمد العون لرفاقه الذين يموتون ببطء. ولكنه لا يستطيع أن يقدم لهم سوى السلوان الديني، حتى أنه يمنع من تقديم الماء الذي يتعطشون الذي له. وكانت رؤيا في طريقها لزيارته في مصحة علاج اضطرابات الصدمة في دبي عندما احترقت طائرتها.
ثم يُعاني سايروس من الأرق، فيدخل بحوارلت تشبه الهلوسة مع شخصياتٍ حقيقية وأخرى خيالية. وفي هذه المشاهد التي تشبه الأحلام، تتكلم رؤيا مع ليزا سيمبسون، ويتحادث ترامب مع أوركيده (التي كانت تتسوق النسخة الأصلية من لوحة "منظر طبيعي وسقوط إيكاروس" لبروغيل).
من المؤكد الآن أن هذه الرواية تأتي من كل الاتجاهات، بعضها لا ينقصه المرح، وبعضها غريب الأطوار، وبعضها الآخر كئيب وعميق. ولأن أكبر شاعر مرموق، ومؤلف لثلاث مجموعات شعرية كسبت الجوائز، ولأنه يعد في الولايات المتحدة "أكبر داعم للشعر"، من غير المستغرب أن يضيف لروايته بعض المنتخبات الشعرية. إلى جانب مونولوجات بلسان عشيقة سايروس ومنظمة معرض أوركيده، بل أيضا نبذة تاريخية عن الفردوسي، الشاعر الملحمي الإيراني.
يصنع هذا الأسلوب غير المترابط الشبيه بالموزاييك طاقة تمردية. ولكنه لا يكون بالمجان
بسبب ما يقول عنه سايروس "الحزن الباثولوجي العميق"، والذي لا يجد مهربا منه، يبدأ بالظهور من زوايا غير ذات أهمية، ومحرومة من الحياة والطاقة. حتى أن صديقه المقرب يقول له: "أنت دائم الحركة والكآبة، ولا تكتب، وتنتابك الشفقة على نفسك". وعندما يكتشف الحقيقة الأخيرة - وهي مفاجأة حقيقية وصادمة - لا يتأثر بها عاطفيا كما يفترض. ليست المشكلة أننا لم نقدر سخط سايروس وألمه، لكن أكبر يجعل من الصعب علينا أن نهتم به حقًا.
***
.................................
* صدرت رواية "شهيد" للكاتب قاوة أكبر عن دار بيكادور (بسعر 16.99 £).
* جوناثان مايرسون Jonathan Myerson: مسرحي وروائي بريطاني.
* المقالة مترجمة عن الغارديان عدد 25 شباط 2025






