عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

صالح الرزوق: الخلفيات الثقافية في رواية "الخنافس" لسعاد الراعي

تدور رواية "الخنافس" لسعاد الراعي حول حكاية حي شعبي دخل في مخطط تنظيم المدينة، وما تبع ذلك من صراع بين السكان المتمسكين ببيوتهم من جهة، والمستثمرين الذين لجأوا إلى التهديد والترهيب ونشر الأمراض. ولكن تخلل العمل عدة مشاكلات لم نتعود عليها من سعاد الراعي.

أولا رمز الخنافس. فهي في حضارة الشرق الأوسط رمز للخصب والحياة لأنها تعمل بدأب وتصنع أعشاشها من بقايا الحيوانات على شكل كرات، وقد اعتبر الفراعنة أنها رمز للخلود والانبعاث ولإله الشمس رع. وكما ورد في وكبيديا: تضع أنثى الجعران بيوضها في الروث، ثم تدحرجه إلى مكان آمن، ولذلك شبه المصريون تلك الحركة بدوران الشمس، ونظروا إلى خروج المواليد من البيوض على أنه يوم النشور والانبعاث. ولا يخلو معبد فرعوني من نقوش الخنفساء أو أحد تمثيلاتها، حتى أنها أصبحت تميمة تجلب حسن الحظ. (انظر افتتاحية رواية "القرن الأول بعد بياتريس" لأمين معلوف).

ولم أستغرب أن تعارض سعاد الراعي هذا الترميز وبالأخص أنها، على خلاف نظرة معلوف النخبوي، تنحاز إلى بسطاء الناس، وتوجه عنايتها لشرور البنية الطبقية، شأنها شأن غوركي وزمرته من الكتاب الراديكاليين. وغالبا ما يربط غوركي بين الحشرات، كالبراغيث والقمل والصراصير، وحياة الكد والشقاء. ومن الواضح أن سعاد الراعي تسير على خطاه، وتعتبر هذه الهوام دليلا على البؤس والفقر. وقد عمدت إلى تقزيم سيارات التجار، واعتبرتها كناية عن الاستغلال والحقد الطبقي، ووقتت ظهورها مع انتشار فيالق الخنافس ذات البريق المعدني. ولا يخفى على ذكاء أحد معنى هذه المطابقة لدرجة الاستعارة التامة أو بلغة النقد الفني الحديث الإبدال.

ثانيا توزيع الأحداث على عدة شخصيات لا يربط بينها شيء غير المكان. وتبدو لي الرواية أنها حكاية حي شعبي وبورتريهات لأشخاص لا يوجد بينهم هم مشترك كما فعل نجيب محفوظ في عمل صغير ومتأخر وهو "حكايات حارتنا" 1975. لم تكن البورتريهات في العملين "الخنافس" و"حكايات..." متسلسلة، ولا تستطيع أن تسجل أي علاقة بينها لا بتبادل المنافع ولا التزاور ولا الزواج كما جرت العادة في أدبيات الصين والحزام الآسيوي المتاخم لحدود روسيا. كانت الشخصيات مستقلة، ولكل منهما عتبة من الصفات والهموم، ولكن جمعت بينها ذاكرة المكان الاجتماعي، وبالأخص مشروع هدم المحلة بدعوى الترميم والتحديث. وعرفت الكاتبة كيف تستغل هذه النقطة، وتجعل منها بمثابة إلقاء حجر كبير في وسط ماء راكد. وسبق لبهاء الطاهر أن اتبع هذا الأسلوب في روايته "نقطة النور" 1999 ليدخل إلى عدة بيوت، وليصور لنا معاناتها وإشكالاتها. لكن إذا حافظت الراعي على استقلالية كل شخص أقام بهاء الطاهر علاقات حب ممنوع بين أفراد الجيل التالي، وهو جيل الأبناء، وعبر من خلالها عن فساد العلاقات وسوء النوايا. وما كان يفترض أنه حب تبين بالتدريج أنه استغلال ونزوة عابرة ونقاط ضعف. ولذلك توجب على السكان أن يقروا بمشكلة مساكنهم وضرورة هدمها. بعكس رسالة "الخنافس" والتي نظرت إلى المحلة وكأنها أم طيبة أو مهد كبير، وإلى سكانها وكأنهم أبناء يجب أن يتكاتفوا لوقف الزحف الشرير الذي تمثله الخنافس والسيارات السود.

ثالثا مهما قيل عن تشابه كابوس المحلة مع كوابيس كافكا أرى أن العلاقة غير واضحة. كافكا إنسان قلق وغير اجتماعي، وضلاله في الظلام والأقبية ضلال ذات لا تعرف مكانها في المجتمع، بينما لشخصيات الراعي وجه واسم، وتنعم بحياة أسرية تامة. أضف لذلك أن الخدمات التي يقدمها اقتصاد السوق لا يشبه الإهمال والظلم ولا الخطط العقيمة التي تترافق مع المجتمع الكومبرادوري في ظل التخلف. فهو عاجز ومشلول وبدون إمكانيات، ومتآكل عمليا. ولذلك أجد أن رواية "الخنافس" بعيدة عن كافكا وأتباعه مثل بوهامل هارابال وميلان كونديرا - إن كان من حقنا تشبيه المجتهدة سعاد الراعي بهذه الرموز - وربما تجد لنفسها زاوية في مشاريع عراقية ناقدة وكبيرة مثل مشروع فؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان وسواهما...

رابعا قاربت سعاد الراعي مشكلة كومبرادورية من الدرجة الأولى. فالبيوت لم تكن ضمن أبنية حديثة ولا جزءا من مشروع الإسكان الوطني - الذي انتقل إلينا من السوفييت - إنما كانت في حي شعبي عريق كما ورد بالحرف الواحد، وهندسة أبنيته تتبع نمط العمارة الريفية. وترتب على ذلك أنها صورت بقايا مجتمع إقطاعي ضعيف وآيل للسقوط في كل الأحوال، وليس بقايا مجتمع بورجوازي فقد أصوله. بتعبير أوضح كانت الصور عن الكولونيالية المحلية الميتة وليس الكولونيالية الصناعية والتي أنتجها الاستعمار وتخلى عنها بعد ثورات التحرير وبروز الكتلة السوفييتية. ولا شك أن تحالف السوفييت مع العسكر لم يحقق الدوام لبقايا الإقطاع ولا الراحة وهدوء البال لبقايا البورجوازية. وظهرت طبقة هجينة تهتم بالسلطة وإدارتها أكثر مما تهتم بالأرض والذاكرة. ولعل هذا الجانب يجد أمثلة عنه في روايات شرق آسيا وليس آسيا الصغرى بسبب نظام الفلاح التابع، وبالتحديد في الهند وماليزيا وهذه الدائرة. ومن أهم أمثلته، لمن يريد أن يقارن طفرة الرواية الآسيوية مع متاعب ومشاق الرواية العربية، أذكر "آخر رجل في البرج Last Man in Tower" للهندي الصاعد أرافيند أديغا. بالإضافة إلى "أطلس الحنين المستحيل An Atlas of Impossible Longing" للهندية المخضرمة أنورادا روي. والعملان تغطية لمشكلة تطرقت إليها سعاد الراعي وهي عناد البسطاء - أو صمودها كما ورد حرفيا، وإن كنت أفضل إعادة النظر بمثل هذه المصطلحات التي فرغناها من مضمونها النضالي، وتحولت إلى جزء من علبة بروباغاندا السلطات المستبدة، عدا أنها تصور الصراع التقليدي بين الأرض ومصادر الإنتاج والرأسمال الرمزي للإنسان المتوسط - المتعلم وغير المثقف أو الهابيتوس إن استعملنا مفردات بيير بوردو.

***

د. صالح الرزوق

 

في المثقف اليوم