عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: قمرٌ من جهة هاشم

دراسة نقدية منهجية في البنية البلاغية والأسلوبية والسيميائية والذرائعية والنفسية في شعر لميس الرحبي

تنهض قصيدة «قمرٌ من جهة هاشم» للشاعرة لميس الرحبي على تجربة شعرية مركبة، تتقاطع فيها بنية المديح النبوي مع الرؤية الصوفية، ويتداخل فيها التاريخ بالسيرة، والرمز بالأسطورة، والمرئي بالغائب، والذاكرة الجمعية بالتجربة الذاتية. وهي قصيدة لا تتعامل مع الشخصية المحمدية بوصفها موضوعًا خارجيًّا للمدح، بل تجعل منها مركزًا إشعاعيًا تتولد حوله شبكة واسعة من العلامات والدلالات؛ فالنور، والغار، والماء، والصحراء، والهدهد، والغمامة، وشق الصدر، وأم معبد، والخبز، واليُتم، كلها تتحول إلى وحدات سيميائية تتضافر لتشكيل صورة شعرية للرسول محمد صلى الله عليه وسلم تتجاوز حدود السرد التاريخي إلى أفق رمزي وإنساني شامل.

ومن هنا فإن قراءة القصيدة قراءة أحادية المنهج لا تكفي لاستنفاد طاقتها الدلالية؛ لأن النص يشتغل في مستويات متراكبة: بلاغية تستثمر الاستعارة والكناية والتشبيه والمفارقة، وأسلوبية تشتغل على الانزياح والتكرار والتوازي وبناء الجملة، وسيميائية تجعل من النور والماء والصحراء والغار علامات ذات حمولة ثقافية وروحية، وذرائعية تنظر إلى النص بوصفه فعلًا تواصليًّا له مقصدية وتأثير في المتلقي، ونفسية تكشف عن انتقال الشاعرة من الرؤية الخارجية إلى التماهي الوجداني، ومن البحث عن صورة الحبيب إلى اكتشاف حضوره في الذات.

إن العنوان نفسه، «قمرٌ من جهة هاشم»، يشكل العتبة الأولى التي تستدعي التأويل. فالقمر علامة النور والجمال والهداية، لكنه نور غير مباشر، نور يستمد إشراقه من مصدر أعلى، وهو بذلك يكتسب في السياق النبوي دلالة تتجاوز الوصف الجمالي إلى معنى الهداية والرحمة. أما «جهة هاشم» فتربط هذا النور بالنسب والتاريخ والبيت الهاشمي، فينشأ من تركيب العنوان انتقال دلالي من النور الكوني إلى النور النبوي، ومن المجرد إلى التاريخي، ومن الرمز إلى المرجع.

تنهض قصيدة «قمرٌ من جهة هاشم» على بنيةٍ شعريةٍ تستعيد السيرة النبوية لا بوصفها مادةً تاريخيةً مغلقة، ولا باعتبارها سرداً لمناقبَ محفوظة، وإنما بوصفها أفقاً روحيّاً وجماليّاً مفتوحاً على التأويل؛ إذ تحوّل الشاعرة لميس الرحبي الذاكرة الدينية إلى طاقة شعرية تتفاعل فيها الأسطورة بالرمز، والتاريخ بالمخيال، والمرئي بالغائب، حتى يغدو النبي صلى الله عليه وسلم في القصيدة مركزاً لنظامٍ كونيّ تتقاطع عنده الأرض والسماء، والماء والصحراء، والنور والظلمة، واليُتم والكفالة، والجوع والإشباع، والخوف والأمان.

ومنذ العنوان، «قمرٌ من جهة هاشم»، تضع الشاعرة المتلقي أمام صورةٍ مركّبة ذات كثافة رمزية؛ فالقمر ليس مجرد استعارة للجمال أو النور، بل هو علامة على الهداية والظهور والاهتداء، في حين تحيل «جهة هاشم» إلى النسب المحمدي وإلى ذلك الامتداد الهاشمي الذي تتصل فيه السلالة بالرسالة، والأصل بالفرادة، والتاريخ بالنبوة. وهكذا يغدو العنوان نفسه عتبةً تأويلية تختصر جوهر القصيدة: نورٌ يخرج من جهةٍ بشرية، لكنه يتجاوز حدود البشر، فيتحول الشخص إلى علامة، والعلامة إلى أفق، والأفق إلى معنى يتجاوز الزمان والمكان.

وتتأسس القصيدة على استدعاء كثيف للمرجعيات القرآنية والسيرية والتراثية؛ فبلقيس، والصرح الممرد، والهدهد، والغار، وجبريل، وأم معبد، وابنا الذبيحين، ودلدل، وشق الصدر، والغمامة، كلها لا تظهر بوصفها إحالات زخرفية، بل تدخل في نسيج القصيدة لتؤدي وظيفةً بنائيةً في تشكيل صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه نقطة التقاء للمعجزات والرموز والأنوار. إن الشاعرة لا تروي السيرة من خارجها، بل تدخل إلى جوهرها عبر الذاكرة الشعرية، فتعيد تركيب أحداثها ضمن مشهد رؤيوي تتجاور فيه الأزمنة، وتتداخل فيه الوقائع، حتى يبدو التاريخ نفسه كأنه يُعاد خلقه في لحظة شعرية واحدة.

ولعل أبرز ما يلفت في هذه التجربة أن الشاعرة لميس الرحبي تشتغل على منطق الرؤية لا منطق الحكاية. فالمتكلم لا يقف موقف الراوي الذي ينقل ما حدث، وإنما يقف موقف الشاهد المتأمل الذي يحاول أن يرى ما يتجاوز حدود الرؤية. تقول: «وقفتُ كبلقيسٍ وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ /  أمامي وفوقي هدهدٌ يتأوّلُ»؛ وفي هذا التركيب يتأسس موقع الذات الشعرية بوصفها ذاتاً مأخوذةً بالمشهد، واقفةً على تخوم الكشف، تستعير من بلقيس دهشة الوقوف أمام المجهول، ومن الهدهد فعل التأويل. إن الهدهد هنا لا ينقل خبراً فحسب، بل يتأوّل، وهذه الكلمة بالذات تمنح القصيدة مفتاحها المعرفي؛ فالنص كله قائم على محاولة تأويل النور، والغياب، والحضور، والغار، والرسالة، والمعجزة.

ومن ثمّ، فإن النور يمثل المحور الرمزي الأبرز في القصيدة؛ فهو نورٌ «صاعد» ونورٌ «نازل»، نورٌ يشقّ الباب، ويكشف الوجوه، ويضيء ما وراء المحسوس. وفي هذه الثنائية يتحول النور إلى حركة بين السماء والأرض، بين العلو والتجسد، بين المصدر والمظهر. ولذلك فإن سؤال الشاعرة: «وما السرُّ في النور الذي كان صاعداً؟ /  وما السرُّ في النور الذي كان ينزلُ؟» ليس سؤالًا للاستفهام المباشر بقدر ما هو سؤالٌ ميتافيزيقيّ عن طبيعة الحضور النبوي، وعن العلاقة بين الوحي والمتلقي، وبين السماء والأرض. إن القصيدة، في جوهرها، لا تبحث عن إجابة بقدر ما تُبقي المعنى في حالة من التوهج والسؤال.

ويُلاحظ كذلك أن الشاعرة توظف المفارقة الشعرية توظيفاً عميقاً في بناء صورة النبي العربي الأميّ محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو «يتيمٌ بلا ظهرٍ ويكفل أمةً»، وهي مفارقة تختصر انقلاب المقاييس الإنسانية المعتادة: من فقد السند إلى أن يصبح سنداً، ومن اليتم إلى الكفالة، ومن الحاجة إلى منح العالم معنى الاكتفاء. وهنا يتحول اليُتم من حالة نقص إلى مقدمة للرسالة، ويتحول الحرمان الشخصي إلى قدرة على احتضان الجماعة الإنسانية. إنها مفارقة تتجاوز بعدها العاطفي لتؤسس رؤيةً فلسفيةً للنبوة، حيث لا تُقاس العظمة بما يملكه الإنسان من أسباب القوة، وإنما بما يستطيع أن يمنحه للآخرين من معنى ورحمة وهداية.

وتتجلى في القصيدة أيضاً شعرية المكان المقدس؛ فالماء، والصحراء، والغار، والبيت، والباب، والسماء، ليست أمكنةً محايدة، بل فضاءات تتحول بفعل الحضور إلى كائنات حية. الصحراء، مثلًا، ليست مجرد جغرافيا قاحلة، بل فضاء انتظار وتيه، سرعان ما يستعد للاخضرار. والغار ليس مجرد مكان اختباء، بل فضاء ناقص بالحضور ومكتمل به، ولذلك يأتي السؤال اللافت: «وما الغار؟ ما معنى حضورك ناقصٌ؟ /  وما الغار؟ ما معنى حضورك يُكملُ؟». وهنا يبلغ المكان ذروة رمزيته؛ إذ يصبح الغار نفسه معلقاً بين الغياب والحضور، بين العزلة والتجلي، وبين الإنسان والرسالة.

أما على المستوى الإيقاعي، فتستند القصيدة إلى موسيقى البحر الطويل بما يمتلكه من امتداد نفسٍ شعري يسمح للشاعر ببناء الجملة الملحمية، واستيعاب التدفق السردي والتأملي معاً. وقد أسهمت القافية الموحدة في منح النص نبرةً إنشاديةً متصلة، تتناسب مع طبيعة الموضوع الاحتفائي والروحي، فيما تتوالى الأفعال والصور في حركة تصاعدية تجعل القصيدة أقرب إلى ترتيلة شعرية طويلة تتقدم من المشهد إلى الرؤية، ومن الرؤية إلى السؤال، ومن السؤال إلى المحبة.

غير أن القيمة الأعمق في القصيدة تكمن في انتقالها التدريجي من الموضوعي إلى الذاتي؛ فبعد أن تبني الشاعرة عالمها من الرموز والإشارات والأحداث، تنتهي إلى الاعتراف الصريح بالمحبة: «فيا خير من بالخير جاء محمّلًا /  حنانَيك، إني شاعرٌ أتدلّلُ». وهنا تتعرى الذات من كل وسائطها البلاغية، لتعلن أن المعرفة التي سعت إليها القصيدة منذ بدايتها ليست معرفةً تاريخيةً بقدر ما هي معرفة قلبية قوامها المحبة. لذلك تأتي الخاتمة بوصفها ذروة وجدانية للنص: إذا كانت العين لا تبصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلا عبر الرواية، فإن القلب يمتلك طريقاً آخر إلى الجمال؛ طريقاً لا يقوم على المشاهدة الحسية، وإنما على التخييل والمحبة والتصديق.

ومن اللافت أن الشاعرة لميس الرحبي تختم بمفارقة بلاغية بين «المُسنَد» و«المُرسَل»: «فإن حديث الحب في القلب مسندٌ /  وإن حديث الحب في العين مرسلُ»؛ وهي خاتمة تجمع بين لغة الحديث ولغة العشق، وتمنح القصيدة شرعيتها الداخلية: فالحب، في قلب الشاعرة، ليس دعوى عابرة، بل له «إسناد» وجداني، بينما ما تراه العين يظل «مرسلًا» بلا سند يقيني. وبذلك تتحول القصيدة من محاولة لرؤية النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى محاولة لإثبات حضوره في القلب؛ من الرؤية بالعين إلى الرؤية بالبصيرة.

إن «قمرٌ من جهة هاشم» قصيدة في النور قبل أن تكون قصيدة في السيرة، وفي المحبة قبل أن تكون قصيدة في المدح، وفي سؤال الحضور قبل أن تكون استعادةً للماضي. إنها تجربة شعرية تحاول أن تجعل من السيرة فضاءً حيّاً تتجدد فيه الدلالة كلما أعاد القارئ النظر إليها. وقد استطاعت الشاعرة أن نشيد عالماً تتجاور فيه المرجعيات الدينية والتراثية مع الحس الصوفي والخيال الشعري، وأن يجعل من شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم مركزاً إشعاعياً تتوزع منه معاني الرحمة والهداية والأخلاق والجمال.

ولذلك يمكن القول إن القصيدة تنتمي إلى تقليد المديح النبوي، لكنها لا تكتفي بتكرار أنماطه الموروثة؛ إذ تسعى إلى تحديث التجربة من داخلها، عبر بناء قصيدة رؤيوية ذات أسئلة فلسفية، وصور مركبة، وإحالات متداخلة، وحركة دلالية تبدأ من الصحراء وتنتهي بالقلب، ومن الظلمة إلى النور، ومن اليُتم إلى الكفالة، ومن السؤال إلى المحبة. ولعل هذا ما يمنحها خصوصيتها؛ فهي لا تقول فقط: إن النبي محمد صلى الله عليه نورٌ يُهتدى به، بل تجعل القارئ يعيش رحلة البحث عن ذلك النور، ويتلمس أثره في المكان والزمان والإنسان، حتى ينتهي إلى الحقيقة الأعمق: أن بعض الحضور لا تُدركه العين، لأن موطنه الأول والأخير هو القلب.

والقصيدة، في بنيتها العميقة، تتحرك من المكان إلى الشخص، ومن الشخص إلى الأثر، ومن الأثر إلى السؤال، ومن السؤال إلى المحبة. تبدأ من «الماء» و«الصحراء» و«الليل»، ثم تدخل إلى فضاء البيت والباب والنور، ثم تستحضر الغار والمعجزات والسيرة، ثم تنتهي في أعمق مواضع الذات: القلب. وكأن المسار الداخلي للنص هو مسار صوفي من الخارج إلى الداخل، ومن الجغرافيا إلى الروح.

وتكتسب القصيدة بعداً إنسانيّاً معاصراً حين تتجاور فيها صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع مفردات الخوف والأم واليُتم والجوع، فيتحول المديح من تمجيد تاريخي إلى استحضار لقيم الرحمة والكفالة والإشباع والأخلاق. ومن هنا يمكن قراءة القصيدة، ضمن أفقها الرمزي، بوصفها استعادةً لصورة المرأة والأم والطفل والمقهور، وهي صور تتقاطع بصورة عميقة مع الذاكرة الإنسانية، لا بوصف القصيدة نصّاً سياسيّاً مباشراً، وإنما بوصفها نصّاً يستدعي الأم الخائفة، والطفل، والجوع، والتيه، والخبز، واليُتم، والنجاة؛ وهي جميعاً مفردات تتجاوب مع التجربة الإنسانية الحديثة.

أولًا: مكانة لميس الرحبي في الشعر العربي المعاصر:

تتقدم تجربة لميس الرحبي في هذه القصيدة ضمن مسار الشعر العربي المعاصر الذي أعاد النظر في علاقة القصيدة بالتراث الديني والتاريخي. فهي لا تستعيد التراث استعادةً تقريرية، ولا تتعامل معه بوصفه مخزونًا جاهزًا من الصور، بل تعيد إنتاجه شعريّاً عبر التخييل وإعادة تركيب العلامات.

إن خصوصية التجربة هنا تتمثل في القدرة على الجمع بين الموروث والحداثة؛ فالموروث حاضر في المرجعيات، بينما الحداثة تظهر في طريقة بناء الصورة وفي الأسئلة التي يطرحها النص وفي انتقاله من اليقين إلى التأمل. ولذلك لا تأتي السيرة في القصيدة بوصفها حكاية مكتملة، بل بوصفها مادة قابلة لإعادة القراءة.

وتظهر الشاعرة، من خلال النص، شاعرةً ذات حسٍّ رؤيوي؛ فهي لا تكتفي بذكر المعجزة، بل تسأل عن معناها، ولا تكتفي باستحضار الغار، بل تبحث عن دلالة الحضور والغياب فيه:

وما الغارُ؟ ما معنى حضورُكَ ناقصٌ؟

وما الغارُ؟ ما معنى حضورُكَ يُكْمِلُ؟

وهذا السؤال يختصر طبيعة تجربتها؛ إذ تتحول السيرة من مادة معرفية إلى سؤال وجودي.

ومن هذه الزاوية يمكن وضع القصيدة في سياق المديح النبوي المعاصر الذي يسعى إلى استعادة الشخصية المحمدية بوصفها رمزاً أخلاقيّاً وإنسانيّاً، لا مجرد موضوع تعبدي. فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم في النص هو الذي «يُكفّل أمة»، ويطعم الجائع، ويعيد للأخلاق سر بقائها، ويجعل من اليُتم بدايةً للكفالة.

ثانياً: مناسبة القصيدة وعلاقتها بالمرأة المؤمنة:

تستمد القصيدة مادتها الظاهرة من السيرة النبوية، غير أن بنيتها العميقة تسمح بقراءة موازية تستحضر المرأة بوصفها مركزاً للذاكرة والرحمة والاحتضان.

تتجلى هذه الدلالة خصوصاً في قول الشاعرة:

هُنا خائفٌ يشكو وأمٌّ تُزَمِّلُ

فالأم هنا ليست شخصية عابرة، بل علامة على الخوف والحماية معاً. إنها تحضر في لحظة يلتقي فيها الضعف بالحاجة إلى الأمان. ومن الممكن أن تتقاطع هذه الصورة مع صورة المرأة الفلسطينية التي تحمل طفلها في فضاء الحرب والنزوح، وتحاول أن تصنع من جسدها وطناً صغيراً يحمي أبناءها.

ثم تأتي صورة «أمنا»:

وكانَ يشُقُّ البابَ عن وجهِ أمِّنا

ضياءٌ وعن وجهِ الحبيبِ تهلُّلُ

إن «أمنا» هنا تتجاوز مدلولها المباشر، لتصبح رمزًا للأمومة الجامعة. وهي دلالة يمكن أن تُقرأ في ضوء صورة الأم الفلسطينية والسورية واللبنانية التي تتحول إلى ذاكرة جماعية، تحمل أبناءها وتحمل معها عبء التاريخ.

كما تتصل مفردات:

خائفٌ

أمٌّ

يتيمٌ

خبزُ التنانير

أشبعَ من لا شيء

ببنية الذاكرة المعاصرة، حيث تتجاور صور الطفل والأم والجوع والخبز واليُتم.

وهنا تتجلى ذرائعية النص؛ إذ إن الشاعرة لا تستدعي السيرة لمجرد الاحتفاء، بل تجعل من القيم التي تحملها السيرة رسالة أخلاقية معاصرة: أن الرحمة قادرة على مواجهة الخوف، وأن الخبز فعل مقاومة للجوع، وأن الكفالة فعل مقاومة لليُتم، وأن الأخلاق ليست ترفًا، بل ضرورة لبقاء الإنسان.

ثالثاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

١. سلامة اللغة:

تتميز لغة القصيدة عموماً بسلامة الفصحى ووضوح المعجم، مع اعتماد تراكيب تراثية تتناسب مع طبيعة الموضوع. وتنتظم المفردات في حقول دلالية متجاورة:

١- حقل النور: الضوء، الهالة، جبريل، النور، ضياء، تهلل.

٢- حقل الماء: الماء، لجة، تبلل.

٣- حقل الصحراء: صحراء، الرمل، التيه، المفازات.

٤- حقل الأمومة: أمنا، أم، تزمل.

٥- حقل الجوع: خبز، التنانير، أشبع.

٦- حقل الروح: صلاة، تسبيح، هدى، الأخلاق.

وهذا التوزيع المعجمي لا يأتي اعتباطًا، بل يخلق شبكةً من التضادات: الماء/ الصحراء، النور/ الظلمة، الخوف/ الأمان، اليُتم/ الكفالة، الجوع/ الإشباع، الغياب/ الحضور.

٢. بنية الأسلوب:

يقوم الأسلوب على المزج بين السرد والوصف والحوار والاستفهام.

فالسرد يظهر في:

قرأتُ خُطى نعلَيهِ حتى توسعتْ

مداركُ حسّي، واستفاضَ التأمُّلُ

والوصف في:

تفصّدَ عن مثلِ الجمانِ جبينُهُ

ويجري على الخدّينِ ماسٌ وسلسلُ

والحوار الداخلي في:

لماذا تهزُّ الكونَ رعشةُ قارئٍ

ويهدأُ ذاتُ الكونِ حينَ يرتّلُ؟

أما الاستفهام فيمنح النص بعدًا فلسفيًّا وتأمليّاً.

رابعاً: الانزياح اللغوي والتركيبي:

تتأسس جمالية النص على انزياحات عديدة، منها:

«الماء الذي يتبتل»

إذ أُسند التبتل إلى الماء، وهو انزياح يجعل الطبيعة ذات حسٍّ روحي.

وكذلك:

«كان للموت أرجل»

فالْموت يتحول من مفهوم مجرد إلى كائن يتحرك ويمشي.

وفي:

«قرأتُ خُطى نعلَيه»

يتحول الأثر البصري إلى نص قابل للقراءة، فتغدو الخطى كتابةً، ويغدو المشي خطاباً.

أما:

«حسبتُ الرمل ماءً ولُجّة»

فهو انقلاب إدراكي يجعل الصحراء قابلة للتحول إلى ماء، بما يرمز إلى انقلاب العالم تحت تأثير الحضور النبوي.

خامساً: فصاحة اللفظ:

تعتمد الشاعرة ألفاظاً ذات جرس عربي فصيح، مثل:

المفازات، التِّيه، الجمان، الغار، التنانير، التهلّل، التسبیح، الهُدى.

وتتسم هذه الألفاظ بطاقة تراثية تعزز انتماء القصيدة إلى فضاء السيرة والمديح النبوي.

كما أن ألفاظًا مثل:

«الجمان»

«ماس»

«سلسل»

تمنح الصورة طابعًا بصريًّا، بينما تمنح:

«تبتل»

«تسبيح»

«رتّل»

الصورة بعداً سمعيّاً وروحيّاً.

سادساً: الإيقاع والمعمار الصوتي:

١. البحر الشعري والتفعيلات:

تنتظم القصيدة في بناء خليلي ذي نفس طويل، وتقترب أبياتها من البحر الطويل الذي يلائم طبيعة المديح والسرد والرؤية التأملية.

والطويل بطبيعته الإيقاعية يمنح الشاعرة مجالاً واسعاً لبناء الجملة الممتدة، وهو ما ينسجم مع حركة القصيدة التي تتنقل بين الوصف والسرد والاستفهام.

٢. الموسيقى الداخلية:

تنشأ الموسيقى الداخلية من تضافر:

التكرار.

الجناس.

التوازي.

التقابل.

تكرار الأصوات.

المدود الصوتية.

ففي:

«وما السرُّ في النور الذي كان صاعدًا؟

وما السرُّ في النور الذي كان ينزلُ؟»

يتشكل إيقاع داخلي قائم على التوازي التركيبي.

وفي:

«ما الغار؟ ما معنى حضورك ناقصٌ؟

وما الغار؟ ما معنى حضورك يكملُ؟»

يؤدي التكرار وظيفة موسيقية ودلالية في آن.

٣. التكرار

التكرار في القصيدة ليس حشوًا، بل هو إيقاع نفسي.

يتكرر:

ما السر؟

ثم:

ما الغار؟

ثم:

ومن شق صدر الطفل؟

ثم:

ومن منهما كان الذي يتظلل؟

ثم:

ومن مر بالتاريخ؟

ثم:

ومن علّم الأخلاق؟

إن هذا التتابع الاستفهامي يصنع تصعيداً معرفيّاً، وكأن الشاعرة تنتقل من سؤال المعجزة إلى سؤال التاريخ، ثم إلى سؤال الأخلاق.

٤. الجناس:

تظهر بعض مظاهر التجانس الصوتي في:

«صاعدًا /  ينزل»

وفي:

«مسند /  مرسل»

حيث لا يقوم التقابل على المعنى وحده، بل يتكئ على التقارب الصوتي والإيقاعي.

والخاتمة:

«حديث الحب في القلب مسندٌ

وإن حديث الحب في العين مرسل»

تستثمر المعجم الحديثي لتمنحه وظيفة وجدانية، فتتحول مصطلحات الإسناد والإرسال من مجال علم الحديث إلى مجال الحب.

٥. التوازي:

يبلغ التوازي ذروته في:

«وما السر في النور الذي كان صاعدًا؟

وما السر في النور الذي كان ينزلُ؟»

ثم:

«ما الغار؟ ما معنى حضورك ناقصٌ؟

وما الغار؟ ما معنى حضورك يكملُ؟»

إن التوازي هنا يحول السؤال إلى بنية إيقاعية ثابتة، ويخلق حالة من الترقب.

٦. الحروف المهيمنة:

يهيمن في القصيدة صوت اللام، وهو صوت متكرر في القافية: «يَهْطُلُ، أرجلُ، يتأولُ، يشعلُ، تتشكلُ، تتغلغلُ».

كما تحضر أصوات النون والميم والراء بكثافة، وهي أصوات تمنح القصيدة طابعًا إنشاديًّا رخيمًا، بينما تزداد الأصوات الحلقية والصامتة في المقاطع التي تتناول الغار والخوف والتيه.

٧. الوقفات والإيقاع النفسي:

تتوزع الوقفات وفق تحولات التجربة:

المشهد الأول: إيقاع انتظار.

قريباً من الماء... والليل يهطلُ

المشهد الثاني: إيقاع الكشف.

فوق الضوء جبريل يشعلُ

المشهد الثالث: إيقاع التأمل.

مدارك حسي واستفاض التأملُ

المشهد الرابع: إيقاع السؤال.

لماذا تهز الكون رعشة قارئ؟

المشهد الخامس: إيقاع الاعتراف.

فيا خير من بالخير جاء محملًا

المشهد الأخير: إيقاع الحب.

فإن حديث الحب في القلب مسندُ

وهكذا يتحول الإيقاع من الخارج إلى الداخل، ومن المشهد إلى الوجدان.

سابعاً: البنية الفنية والجمالية:

تقوم القصيدة على أربعة أقسام كبرى:

القسم الأول: العتبة والرؤيا

قريبًا من الماء الذي يتبتلُ

على بعد صحراءين والليل يهطلُ

يبدأ النص من مشهد كوني: ماء، صحراء، ليل. وهي عناصر تشكل فضاءً من التوتر بين الحياة والموت.

القسم الثاني: النور والكشف:

على الباب حراس، على البيت هالة من الضوء

فوق الضوء جبريل يشعلُ

هنا ينتقل النص من الأرض إلى السماء، ومن العتمة إلى النور.

القسم الثالث: السؤال والتأويل:

لماذا تهز الكون رعشة قارئ؟

في هذا القسم يتحول النص إلى قصيدة أسئلة، ويصبح السؤال نفسه أداة معرفة.

القسم الرابع: الحب والاعتراف:

فيا خير من بالخير جاء محملًا

حنانَيك، إني شاعرٌ أتدلّلُ

تنتهي الرحلة بالرغبة في القرب، وينتقل الخطاب من التأمل إلى المحبة.

ثامناً: القراءة السيميائية:

يمكن اختزال النظام السيميائي للقصيدة في مجموعة من الثنائيات:

العلامة الدلالة:

القمر الهداية والجمال

الماء الحياة والتطهر

الصحراء التيه والانتظار

الليل الغياب

النور الحضور والكشف

الغار العزلة والتجلي

الباب العبور

الخبز الحياة والإشباع

اليُتم الفقد

الكفالة التعويض والرحمة

القلب موضع اليقين

وتتضح العلاقة بين هذه العلامات في المسار:

الليل - النور

الصحراء -  الماء

التيه -  الهداية

اليُتم -  الكفالة

الجوع -  الإشباع

الغياب -  الحضور

العين -  القلب

وهذا المسار يمثل البنية العميقة للقصيدة.

تاسعاً: القراءة الذرائعية:

من منظور ذرائعي، فإن القصيدة لا تكتفي بإنتاج المعنى، بل تسعى إلى إحداث أثر في المتلقي.

ويتجلى ذلك في الأسئلة المتتابعة:

لماذا تهز الكون رعشة قارئ؟

إن القارئ هنا ليس متلقيًا سلبيًّا، بل يدخل في التجربة؛ إذ يصبح فعل القراءة ذاته جزءًا من المعنى.

كما أن الخطاب:

فيا خير من بالخير جاء محملًا

ينقل النص من الوصف إلى النداء، ومن السرد إلى المشاركة الوجدانية.

وتكمن الوظيفة التداولية الأساسية للقصيدة في استعادة القيم: الرحمة، والأخلاق، والكفالة، والإشباع، والهداية.

ومن ثم فإن النص يؤدي وظيفة إقناعية وجدانية، لا عبر الخطاب المباشر، وإنما عبر بناء عالم شعري يجعل المتلقي يتذوق القيمة قبل أن يتلقاها بوصفها فكرة.

عاشراً: القراءة النفسية:

من منظور النقد النفسي، يمكن قراءة القصيدة بوصفها انتقالاً من الافتقاد إلى التعلق، ومن الغياب إلى الحضور، ومن البحث إلى الاطمئنان.

فالذات الشعرية تبدأ في فضاء:

الصحراء

الليل

التيه

الخوف

ثم تتحرك نحو:

النور

الماء

الخبز

الكفالة

الحب

وهذا الانتقال يكشف عن بنية نفسية عميقة قوامها البحث عن الأمان الرمزي.

وتأتي صورة:

«يتيمٌ بلا ظهرٍ ويكفل أمةً»

لتختزل هذه البنية؛ إذ يتحول اليُتم من تجربة فقد إلى قوة احتضان.

وفي الخاتمة تقول الشاعرة لميس الرحبي:

«إذا العين لم تبصرك إلا روايةً

فقد صح في قلبي الجمال المسلسل»

وهنا يبلغ التماهي النفسي ذروته؛ فالعين تعجز، لكن القلب يعوض العجز. إن المحبة تصبح وسيلة إدراك بديلة عن الرؤية.

حادي عشر: المرأة في البنية النفسية والرمزية للقصيدة:

تحضر المرأة في النص بوصفها علامة للحماية والرحمة والاحتضان:

«وأمٌّ تزملُ»

ثم:

«عن وجه أمنا»

وهذه الصورة تحمل دلالة مزدوجة: فهي من جهة تستحضر الأمومة في السيرة، ومن جهة أخرى تفتح إمكاناً تأويليّاً معاصراً يجعل المرأة حافظةً للوجود في لحظات الانهيار.

وفي القراءة المتصلة بالمرأة الفلسطينية واللبنانية والسورية، تصبح الأم صورةً للإنسان الذي يحمل أعباء التاريخ في جسده، ويحاول أن يحمي الحياة في قلب الموت.

وهنا تتقاطع القصيدة مع تجربة المرأة لا عبر التصريح السياسي، وإنما عبر المشترك الرمزي: الأم، الطفل، الخوف، اليُتم، الجوع، الخبز، والنجاة.

ثاني عشر: الخلاصة النقدية:

تكشف قصيدة «قمرٌ من جهة هاشم» عن تجربة شعرية ذات بنية مركبة، استطاعت فيها لميس الرحبي أن تنقل المديح النبوي من مستوى الثناء التقليدي إلى مستوى الرؤية والتأويل والسؤال.

فهي قصيدة تبدأ بـ:

الماء والصحراء والليل

وتنتقل إلى:

البيت والباب والنور

ثم إلى:

الغار والسيرة والمعجزة

ثم إلى:

اليُتم والكفالة والأخلاق

وأخيراً تصل إلى:

القلب والحب.

وهذا المسار هو جوهر معماريتها الفنية.

إن الشاعرة لا تبحث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في التاريخ وحده، بل تبحث عن أثره في الإنسان؛ ولذلك فإن النور في القصيدة ليس ضوءاً فحسب، والغار ليس مكاناً فحسب، والخبز ليس طعاماً فحسب، واليُتم ليس حالة اجتماعية فحسب؛ كل ذلك يتحول إلى علامات على رحلة الإنسان من الفقد إلى المعنى.

وعلى المستوى البلاغي، نجحت القصيدة في بناء صورها عبر الاستعارة والتشخيص والتشبيه والمفارقة. وعلى المستوى الأسلوبي، أسست بنيتها على التكرار والتوازي والاستفهام والانزياح. وعلى المستوى السيميائي، شيدت نظاماً من العلامات المتقابلة التي تنتهي إلى مركز واحد هو النور. وعلى المستوى الذرائعي، جعلت من الشعر فعلًا تواصليًّا يستهدف الوجدان ويستدعي المتلقي إلى المشاركة. وعلى المستوى النفسي، كشفت عن ذات تبحث عن الحضور في الغياب، وعن الرؤية في المحبة، وعن الطمأنينة في التعلق.

ولعل أجمل ما تنتهي إليه القصيدة هو أن العين، مهما امتلكت من قدرة على الرؤية، تظل محدودة بحدود الحس، بينما يستطيع القلب أن يبني حضوراً لا يحتاج إلى المشاهدة. ولذلك تبدو الخاتمة:

فإنَّ حديثَ الحبِّ في القلبِ مُسندٌ

وإنَّ حديثَ الحبِّ في العينِ مُرسَلُ

كأنها ليست خاتمة القصيدة فحسب، بل مفتاحها التأويلي الأكبر؛ فكل ما سبقها من نور وغار وصحراء وماء ومعجزة وسيرة وأسئلة، إنما كان طريقاً طويلاً للوصول إلى هذه الحقيقة: أن المحبة هي الشكل الأعمق للمعرفة، وأن القلب حين يحب، لا يعود محتاجاً إلى أن يرى كي يصدق الحضور.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى «قمرٌ من جهة هاشم» بوصفها قصيدة تجمع بين جمالية المديح، وعمق الرؤية الصوفية، وحيوية الرمز، وثراء التراث، وقلق السؤال المعاصر؛ وهي بذلك تنتمي إلى الشعر الذي لا يكتفي بأن يستعيد المقدس، بل يسعى إلى إعادة اكتشافه، ولا يكتفي بأن يروي السيرة، بل يجعل منها مرآةً للإنسان المعاصر في بحثه عن الرحمة والعدل والأمان والمعنى.

***

.......................

قمر من جهة هاشم

قَرِيباً مِنَ الماءِ الذي يَتَبَتَّلُ

على بُعْدِ صَحْراءَينِ واللَّيلُ يَهْطُلُ

*

وكانتْ تُشِيرُ السّاعةُ البِكْرُ حينَها

لِإِلّا حياةً، كان للموتِ أرْجُلُ

*

وقَفْتُ كَبَلْقيسٍ وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ

أَمامي وفَوقي هُدْهُدٌ يَتَأَوَّلُ

***

على البابِ حُرّاسٌ، على البَيْتِ هَالَةٌ مِنَ الضَّوءِ،

فوقَ الضَّوءِ جِبْريلُ يُشْعِلُ

*

مَجازٌ حَقيقيٌّ، سَماواتُ رَهْبَةٍ

صَلاةٌ بِلا شَكْلٍ، هُنا تَتَشَكّلُ

*

هنالِكَ شيءٌ ما، على كُلِّ ما بِنا

مِنَ البَرْدِ، كانَتْ نارُهُ تَتَغَلْغَلُ

*

قرأتُ خُطَى نَعْلَيهِ حَتّى تَوَسَّعَتْ

مَدارِكُ حِسّي، واستفاضَ التّأمُّلُ

*

وحتَّى حَسِبْتُ الرَّمْلَ ماءً ولُجّةً

لِيَكْشِفَ عن ساقَيْهِ شِعْري المُحَجَّلُ

*

وكانَتْ مِسَافاتٌ مِنَ التِّيْهِ قَبْلَ أَنْ

يَمُرَّ خُفافاً، واخْضِرارٌ مُؤَجَّلُ

*

وأصْغَيْتُ، كانَتْ تَمْتَماتٌ تَقولُ لي

هُنا خائِفٌ يَشْكُو وأُمٌّ تُزَمِّلُ

*

وخَيْطٌ مِنَ النُّورِ الرَّفيعِ وراءَنا

إلى حَيثُ لم يَقْرأ وأَقْراهُ مُرْسَلُ

*

وكان يَشُقُّ البابَ عَن وَجْهِ أُمِّنَا

ضِيَاءٌ وعَن وَجْهِ الحَبيبِ تَهَلُّلُ

*

تَفَصَّدَ عَن مِثْلِ الجُمانِ جَبِينُهُ

ويَجْري على الخَدَّينِ ماسٌ وسَلْسَلُ

*

وكانتْ تُجِيبُ الأرْضَ عن كُلِّ رِعْشَةٍ

فَضاءاتُ تَسْبيحٍ ومازِلْتُ أَسْألُ

*

لماذا تَهُزُّ الكَونَ رِعْشَةُ قارِئٍ

ويَهْدأُ ذاتُ الكَونِ حِينَ يُرَتِّلُ؟

*

وما السِّرُّ في النُّورِ الذي كانَ صاعِداً؟

وما السِّرُّ في النُّور الذي كان يَنْزِلُ؟

*

وما الغَارُ؟ ما مَعْنَى حُضورُكَ ناقِصٌ؟

وما الغارُ؟ ما مَعْنى حُضورُكَ يُكْمِلُ؟

*

ومَنْ شَقَّ صَدْرَ الطِّفْلِ حتَّى تَبَدَّلَتْ

مَلامِحُ صَحْراءٍ ومَرَّ قَرَنْفُلُ؟

*

وقالَتْ لَنا الأخْبارُ: كانَتْ غَمامَةٌ

فَمَنْ مِنْهُما كانَ الذي يَتَظَلّلُ؟

*

ومَنْ مَرَّ بِالتّاريخِ يا أُمَّ مَعْبَدٍ

فأيْنَعَ ضَرْعُ الشَّاةِ، والضَّرْعُ مُمْحِلُ؟

*

ومَنْ عَلَّمَ الأخلاقَ سِرَّ بَقائِها

وأشْبَعَ مِنْ لا شيءَ، والنّاسُ هُزَّلُ؟

***

سَيَأْكُلُ مِنْ خُبْزِ التَّنانيرِ عَالَمٌ

وما كانَ قَبْلَ ابْنِ الذَّبيحَينِ يَأْكُلُ

*

ويَمْشي إلى أعْلى وأعْلى ويَهْتَدي

بِما رسَمَتْ فَوْقَ المَفَازاتِ (دُلْدُلُ)

*

على حينِ غارٍ مِنْهُ ناداهُ مِنْ عَلٍ

هَلُمَّ، فَيا رَبّاهُ ما ذلكَ العَلُ؟

*

وقامَ يُنَقّي الرِّيْحَ مِنْ كُلِّ عَارضٍ

فَأَمْطَرَتِ الدُّنيا هُدىً فَتَبَلَّلُوا

*

يَتِيمٌ بِلا ظَهْرٍ ويَكْفُلُ أُمَّةً

وأَقْدَسُ ما يُروى: يَتِيْمٌ ويَكْفُلُ

***

فَيَا خَيْرَ مَنْ بِالخَيْرِ جَاءَ مُحَمَّلاً

حَنانَيْكَ، إنّيْ شَاعِرٌ أَتَدَلَّلُ

*

فَرَضْتَ على قَلْبي هَواكَ ولمْ يَزَلْ

إلى اليومِ شِعْري بِالهَوى يَتَنَفَّلُ

*

إذا العَينُ لم تُبْصِرْكَ إلّا رِوايةً

فَقَدْ صَحَّ في قلبي الجَمَالُ المُسَلْسَلُ

*

فإنَّ حَديثَ الحُبِّ في القَلْبِ مُسْنَدٌ

وان حديث الحب في العين مرسل

***

لميس الرحبي

حائزة على جائزة البردة المركز الثالث 2021

في المثقف اليوم