جميعنا على معرفة بتقنية تنبيه الانحراف عن المسار في السيارة، فما إنْ نغفُل؛ لنعاسٍ أو لصارف، فتتّجه السيارة خارج مسارها، حتى ينطلق صوت التنبيه، وتهتز مُستشعِرات المِقْود، معدِّلةً اتجاه عجلات السيارة، لتنبّهنا بأننا كنا على وشك الخروج من مسارنا في الشارع، ولولا ذلك لكنّا عرضةً للاصطدام، فلا نصل لوجهتنا أو نصل لوجهة أخرى! مع أن السيارة تمضي قُدُمًا للأمام.
هذا حرفيا يلخّص ظاهرة خطيرة مستشريةً فينا، وخطورتها تكمن في أنّ صورتها العامة، حركةٌ وإنجاز وتقدُّم، بينما في حقيقتها لا تعدو أن تكون رجوعَ القهقرى؛ ذلك لأنّ الإنجاز لا يَشِي بالضرورة بشخصية متميزة، وتراكم الإنجازات ليس مؤشرا قاطعا على جودة الحياة، بل قد يكون علامة على التآكل الذاتي، وكثير من الإنجازات على هذه الشاكلة، ولكن كيف يصل الأمر بالإنجاز إلى هذا الحد من القَتامة، والحالُ أنّ الكل يستميت في مراكمة إنجازاته أمام الملأ عنوانًا للشخصية الناجحة؟! ينحدر الإنجاز إلى هذا الحضيض حين يكون خبطَ عشواء، لا ينظّمه سياقٌ واعٍ يضبطه على اتجاه بوصلة نسختنا المستقبلية، فستصبح الإنجازات قفزات تشتتنا، وخطوات تبعثرنا، في حركةٍ لا تتوقف من السير بغير اهتداء، مجرد كومة من إنجازات تمزّق أَنَانا يمنةً ويسرة، ولا تصنع مجدا واضحا، ولا تمهّد دربًا نحو وجهة تصنعنا فعلا، بل وجهات تتناوَشُنا ووهمُ تقدّم يعمينا عن التقدم!
مثالُه كمسافر على متن طائرة من مسقط ثم يحط في بغداد، ثم يطير إلى مومباي، ثم إلى إسطنبول، ثم إلى القاهرة، ثم إلى برلين، وقد نزل في كل مدينة منها ما شاء من السنوات، ليكتشف بعد أن استفرغ وُسعه واستنفد موارده من جهد وسيولة ووقت أنّ وجهته التي كان يُفترض به أن ينزل بها هي موسكو، لكنه ما عاد قادرا على ذلك، فكل تلك المدن التي نزل بها، تبدو إنجازات تُحسب فيه طريقه، لكنها في شريعة التقدّم لم تكن كذلك قَطّ، وليس فيها من التقدّم إلا وهمُه!
وهناك وهْمُ تقدّمٍ آخر كذلك حين تغيب البوصلة، وهو اقتناص الفرص، قد يبدو بديهيا أن اقتناص الفرص ممارسة تَنِمّ عن النباهة والكياسة، ولكنها حين تكون كيفما اتفق، بحيث تُركَب كلُّ موجة قادمة، وتكون الأبواب مُشْرَعةً لكل فرصة آتية، بدون أن تنتظم في سياقٍ يلملم شتاتها، وينتقي منها ما وافق، ويَذَرُ منها ما لا ينسجم معها، ويوصد الباب في وجهها مهما كانت مغويةً مغرية، أما بغير ذلك، فهذه الفرص المقتنَصة ليست تقدما يُفْرَح به، بل قفزاتٌ ملهية، وانزلاقاتٌ مختطِفة، تلهينا وتخطفنا عما هو أَوْلى في حقنا؛ وعليه فليس كل فرصة هي فرصة حقيقية لنا، بل قد تكون إلهاءً يبعدنا عن فرَصنا الحقيقية.
وهنا أستحضر صورةً أو رسمةً منتشرة في الإنترنت في وقت سابق، وقد يكون مَرّ عليك هذا المشهد عَيَانًا، وهو طابور من النمل يسير نحو وجهة واضحة وفي المنتصف ينعطف عن مصّاصة، رغم أنها فيما يبدو للناظر فرصة لا تقدَّر بثمن، لكنها بالنسبة إلى النمل إلهاءٌ صارخ عن وجهته التي ينبغي له ألا يَحيد عنها قِيْد أُنْمُلَة؛ لأنه آمَنَ أن فرصته الحقيقية ما هو فيه تلك الساعة، وأن القفز إلى فرصة عابرة هو طاقة مهدورة وانحراف مسار لا يصحّ!
إني حين استعرضتُ وهْمَ التقدم بِشقّيه: سواء ما يأتي في صورة إنجاز، أو ما يظهر في هيئة فرصة، كرَّرتُ صمّام أمان يحكم ما يكون إنجازا يستحق تحقيقه، وفرصةً تستحق اقتناصها، صمَّامُ الأمان هذا هو السياق المنظِّم لحزمة الإنجازات والفرص، وما أقصده بالسياق هو الرؤية، رؤيتنا الذاتية التي تحكم عموم تحركاتنا، على أنّ معادلة الرؤية تنتظمُها ثلاثة منطلقات، أولها: مَن أنت؟ وأين أنت الآن؟ وثانيها: ماهي نسختك المستقبلية التي تودّ أن تكونَها؟ وثالثُها الذي يتوسطهما: ماهي قدرتُك التي تمثّلك؟ لتفسح لها المجال لتصنع قدرك، فتنقلك من وضعك الراهن إلى مصيرك المستقبلي.
هذه الرؤية الواضحة تعمل مرشّحا دقيقا لدرجة مدهشة للحركات التي تصبّ في صالح مسارك، سواء للإنجازات التي تستحق أن تهبَها اختيارك، أو الفرص التي تستحق أن تسترعي انتباهك، على أنّ التركيز في مسارك الذي رسمَتْه رؤيتُك يفتح لك الباب أمام فرص حقيقية ما كانت لتقدم إليك لولا تركيزك الجادّ، كما يمنحك تحقيق إنجازاتك بأعلى كفاءة ممكنة؛ بسبب غياب المشتتات، فإذا بطائرتك تصل بك من مسقط إلى موسكو، بدون أن تُبَعْزِق رحلتَك وتبدّدها في محطات لا شأن لك بها، تستزفُ منك الغالي والنفيس، بل مباشرة صوب وجهتك التي تليق بك، كما أنك ترغب عن فرصة لذيذة عابرة في منتصف الطريق؛ لأنك راغب في مائدة ممتدة من الفرص الرائعة التي ستحوزها؛ لأنّك كنت من الحنكة بمكان بحيث إنك لم تدع تلك الفرصة المزيفة تصرفك عن تلك الفرص الحقيقية، وكما أنّ لكل شيءٍ ضريبتَه، فلكل شيء مكافأته أيضا.
إنّ هذه الرؤية هي تماما جهاز التنبيه في سيارتك، الذي كلما غفلتَ ولاح لك إنجازٌ يبدو رائعا، أو فرصة تبدو جذابة، عدَّلَ مسارك، وقوّم اختيارَك، وصوّب انتباهك، وذكّرك بقدَرك الذي تسير نحوه، فلا يقبل من الطريق إلا ما خدم المسار، مسارك أنت! فليس كل حركة بركة، بل كل حركة موجَّهة بركة.
***
محمد سيف – سلطنة عُمان







