وعلاقته بالشعر العربي الحديث والمعاصر.. دراسة لغوية ونقدية في ضوء التراث العربي وآراء النحاة وفقه اللغة العربية
يشكّل الأدب النوبي أحد أقدم المكونات الحضارية في وادي النيل، إذ يمتد بجذوره إلى الحضارات الكوشية والمروية والممالك النوبية المسيحية، ثم تفاعل مع الثقافة العربية الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي. وقد ظل هذا الأدب قرونًا طويلة شفهيًا، تتناقله الأجيال عبر الأغاني والقصائد والحكايات والأساطير والأمثال، قبل أن يجد طريقه إلى التدوين في العصر الحديث.
ويُعد الشعر النوبي أكثر الفنون الأدبية التصاقًا بالوجدان الجمعي، لأنه يحمل ذاكرة المكان، ويؤرخ للحياة اليومية، ويستبطن العلاقة العضوية بين الإنسان والنيل والأرض واللغة. ومع النهضة الأدبية العربية في القرن العشرين، دخل الشعر النوبي في حوار جمالي وثقافي مع الشعر العربي الحديث، محافظًا على خصوصيته اللغوية والثقافية، ومنفتحًا في الوقت نفسه على تقنيات القصيدة الحديثة ورؤاها.
أولاً: مفهوم الأدب النوبي
الأدب النوبي هو مجموع النتاجات الإبداعية التي عبّر بها النوبيون عن رؤيتهم للعالم بلغاتهم الأصلية أو باللغة العربية، ويضم الشعر، والسرد، والحكاية الشعبية، والأسطورة، والأمثال، والأغنية، والسيرة الشعبية.
ويمتاز هذا الأدب بجملة من الخصائص:
الارتباط الوثيق بالنيل بوصفه محور الحياة.
مركزية المكان والقرية والبيت.
الحنين إلى الوطن بعد التهجير.
حضور الحكمة الشعبية.
كثافة الرمز الطبيعي.
الإيقاع الغنائي.
المحافظة على الذاكرة الجماعية.
وهذه السمات جعلته قريبًا من مفهوم "الأدب الإثني" في الدراسات الحديثة، لكنه يتجاوز هذا التصنيف ليصبح جزءًا أصيلًا من الأدب العربي المعاصر.
ثانياً: نشأة الشعر النوبي
نشأ الشعر النوبي قبل ظهور الكتابة العربية في بلاد النوبة، وكان يعتمد على الأداء الشفهي والإنشاد الجماعي، وكانت القصيدة تؤدى مصحوبة بالموسيقى والرقص الشعبي.
ومن أشهر موضوعاته:
١- الحب.
٢- الفروسية.
٣- الحصاد.
٤- الزواج.
٥- النيل.
٦- الرحيل.
٧- الرثاء.
٧- الحنين.
٩- الحكمة.
١٠- البطولة.
ثم تطور بعد دخول العربية إلى بلاد النوبة، فأصبحت القصيدة تُكتب بالعربية أحيانًا، وبالنوبية أحيانًا أخرى، أو تمزج بين اللغتين في ظاهرة تعكس التفاعل اللغوي والثقافي.
ثالثاً: الشعر النوبي وفقه اللغة العربية
يُعنى فقه اللغة بدراسة الألفاظ من حيث نشأتها وتطورها واستعمالها وعلاقتها بالثقافة.
ومن منظور فقه اللغة، فإن الشعر النوبي يمثل نموذجًا حيًا للتفاعل اللغوي بين العربية واللغات النوبية، دون أن يؤدي ذلك إلى ذوبان إحداهما في الأخرى.
وقد أشار علماء العربية إلى أن اللغات تتلاقح وتتبادل المفردات، دون أن تفقد خصائصها الجوهرية، وهو ما نجده واضحًا في الشعر النوبي الحديث، حيث تتجاور المفردات العربية والنوبية داخل النص الواحد لتشكّل نسيجًا دلاليًا غنيًا.
رابعاً: موقف النحاة البصريين والكوفيين من اللغات واللهجات
لم يتحدث البصريون والكوفيون عن اللغة النوبية تحديدًا، ولكنهم وضعوا أصولًا عامة يمكن الاستفادة منها في دراسة التفاعل اللغوي.
١. البصريون:
كان علماء البصرة، وفي مقدمتهم سيبويه، والخليل بن أحمد الفراهيدي، أكثر ميلًا إلى القياس اللغوي، فلم يقبلوا إلا ما ثبت عن العرب الفصحاء، ورأوا أن سلامة العربية تقوم على الاحتجاج بلغة القبائل الموثوق بفصاحتها.
ولذلك كانوا يتحفظون من إدخال الألفاظ الأعجمية في القياس، وإن أجازوا استعمالها إذا شاع تداولها واستقر استعمالها بين العرب.
٢. الكوفيون:
أما علماء الكوفة، وفي مقدمتهم الكسائي والفراء، فقد كانوا أكثر تسامحًا مع اللهجات المختلفة، وأكثر اعتمادًا على السماع، ولذلك قبلوا كثيرًا من الظواهر اللغوية التي رفضها البصريون.
ومن هذا المنطلق يمكن تفسير انفتاح العربية عبر تاريخها على اللغات المجاورة، ومنها اللغات النوبية، من غير أن يختل نظامها النحوي.
خامساً: الشعر النوبي والشعر العربي الحديث
في القرن العشرين، تأثر الشعر النوبي بحركة التجديد العربية التي قادها شعراء مثل بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وصلاح عبد الصبور، ومحمود درويش.
ويتجلى هذا التأثر في:
الانتقال من الغنائية المباشرة إلى الرؤية الشعرية.
توظيف الرمز والأسطورة.
حضور الذاكرة الجمعية.
اعتماد الصورة المركبة.
توظيف الإيقاع الحر.
تعميق البعد الإنساني.
غير أن الشعر النوبي احتفظ بخصوصيته، إذ بقي النيل والنخلة والقرية والتهجير والحنين ركائز أساسية في بنائه الفني.
سادساً: أبرز شعراء وأدباء النوبة
أسهم عدد من الأدباء النوبيين في ترسيخ حضور الثقافة النوبية في الأدب العربي، ومن أبرزهم:
١- حجاج أدول.
٢- إدريس علي.
٣- عبد الخليل قاسم.
٤- يحيى مختار.
ورغم أن معظمهم عُرفوا بالرواية والقصة، فإن أعمالهم تحمل لغة شعرية عالية، وأسهمت في ترسيخ الحس الجمالي النوبي داخل الأدب العربي الحديث.
من أبرز الأصوات الشعرية هو محمد خليل قاسم، الذي عُرف بكتاباته الأدبية التي استلهمت البيئة النوبية، إلى جانب شعراء معاصرين من النوبة السودانية مثل محمد عبد الحي، الذي أفاد من التراث النوبي والكوشي في مشروعه الشعري، وإن لم يكن شاعراً نوبيًا بالمعنى الإثني. أما كثير من الأدباء النوبيين المشهورين، مثل حجاج أدول وإدريس علي، فقد اشتهروا بالرواية والقصة أكثر من الشعر.
المعرفة
ومن أهم النماذج الشعرية التي تستلهم الحضارة النوبية قصيدة «العودة إلى سنار» للشاعر السوداني محمد عبد الحي، وهي من أبرز قصائد الحداثة العربية التي تستحضر الإرث النوبي والكوشي، ومن أبياتها:
يا سنارُ...
يا وطنًا ينامُ على ضفافِ النيلِ،
ويصحو في دمي،
أعودُ إليكِ محمولًا على ذاكرةِ المياه.
وهذه القصيدة تجعل من النوبة وكوش وسنار رموزًا للهوية الحضارية السودانية، وتمزج الأسطورة بالتاريخ والوجدان الإنساني، ولذلك احتلت مكانة بارزة في الشعر العربي الحديث.
نبذة عن الشاعر
ولد محمد عبد الحي عام 1944 في السودان، ويُعد من أبرز شعراء الحداثة العربية في القرن العشرين. درس الأدب الإنجليزي، وتأثر بالتراث العربي والأفريقي معًا، وسعى إلى تأسيس رؤية شعرية تستلهم الحضارات القديمة، وفي مقدمتها الحضارة النوبية والكوشية. وقد ترك أثرًا عميقًا في الشعر السوداني والعربي حتى وفاته عام 1989.
ولو بحثنا بعمق أكثر عن الشعر النوبي، فمن الأنسب الحديث عن الشاعر النوبي محمد عبد الحي، لأن شعره يمثل نقطة التقاء بين التراث النوبي والشعر العربي الحديث، ويتيح دراسة العلاقة بين الهوية النوبية والحداثة الشعرية من منظور نقدي ولغوي.
إن الشعر النوبي ليس مجرد شعر محلي، بل هو خطاب حضاري وإنساني يعكس تفاعل الثقافات في وادي النيل، ويؤكد أن العربية كانت عبر تاريخها لغةً قادرة على استيعاب التنوع اللغوي والثقافي دون أن تفقد هويتها. ومن منظور فقه اللغة وآراء المدرستين البصرية والكوفية، يمكن النظر إلى هذا التفاعل بوصفه مظهرًا من مظاهر حيوية العربية وثرائها، لا عاملًا يهدد بنيتها أو أصالتها.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








