قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية موسّعة ومنهجية لقصيدة الشاعرة نادية نواصر
"ورّاقة الجزائر" بعنوان «مات مظفر يا سادة»
تفتتح نادية نواصر قصيدتها بعنوانٍ مباشرٍ واستدعاءٍ علنيّ: «مات مظفر يا سادة» — عنوانٌ لا يكتفي بالخبر، بل يشي بالخطاب والتحريض والتأبين. النصّ يتحوّل سريعاً من حالة تأبين فردي إلى خطاب جماعي/سياسي؛ من ذاكرة شخصية إلى ذاكرة أمة. في هذه القصيدة تتداخل صور الحرب والوجع والوفاء مع لَغةٍ تنبش في تراكيبها موروث البلاغة والحكيّ الشعبي، فتنتج قصيدةً تفعّل وظيفة الشعر بوصفه ذاكرةً نقدية وموشّحاً أخلاقياً وسياسياً.
أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:
1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب (تحليل التراكيب، الدقة اللغوية، الانزياحات، جمال الصياغة).
النصّ يتأرجح بين فصحى محكمة ودخيلِاتٍ لهجوية ومجازاتٍ مبتكرة. هذا التماوج يُولّد صوتاً شعرياً «مركّباً» يتعايش فيه الرسمي والشفوي:
١- التراكيب: الاتجاه نحو الجملة الخبرية/الإنشائية القصيرة («على حجر من نار توسدت خيبات الأمة يا مظفر») يمنح البيت طاقةً صادمةً منذ الافتتاح. هناك توظيف فعّال للتركيب الاسمي في مواضع، وللجمل الاستفهامية (أمثال: «اكان حزنك ينكر هندسة الجرح؟») التي تعمل على إيقاف القارئ واستدعاء التفكير.
٢- الدقة اللغوية والانزياحات: الشاعرة تختار مفردات قوية: «توسدت»، «صهد»، «الرفض»، «القيمة اللامنتهية»؛ ومن جهة أخرى تبتدع أو تستدعي أشكالًا تركيبية عامية («شاقوليا»، «كانحراف») أو إملائية غريبة في النقل التي قد تكون محاكاةً للّفظة أو إشارة إلى تشظّي الصوت/الذاكرة. هذه الانزياحات هي طاقة إبداعية؛ لكنها تتطلّب ضبطاً برمجياً في النص المطبوع (قضايا الإملاء والوقف).
٣- جمال الصياغة: وجود تراكيب مثل «الذاكرة الحبلى بالمعاني والاضداد والمرادفات والمتناقضات» يُظهر قدرة على تركيبٍ بلاغي قويٍّ يمزج العناصر وصياغة موسعة تكثّف الفكرة في صورة واحدة.
2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير (التوازن بين اللفظ والمعنى، وملاءمة اللغة للموضوع).
١- الملاءمة: الأسماء المستعملة (مظفر النواب) تحمل ثقلًا معرفيًا وسياسيًا، فالفصحى القاطعة تلائم مقام التأبين والاحتجاج معًا. استخدام أحكام نحوية واضحة يخدم وضوح المقصود.
٢- التوازن لفظًا/معنى: غالبًا ما تُحقّق الشاعرة استثمارًا فعّالًا للاسم والفعْل: الفعل «مات» في العنوان هو دافع المعنى، والحشو البلاغي في المتن يوسّع التأويلات المعنوية. النص ينجح في أن لا يغرق في زخارف لغوية تُضعف المعنى؛ بل يمعن فيه.
3. الإيقاع والمعمار الصوتي (الوزن، القافية، الجرس، الموسيقى الداخلية، والتكرار)
١- إيقاع حرّ وداخلي: القصيدة أقرب إلى الشعر الحر، حيث يغيب الوزن التقليدي ولكن هناك إيقاعات داخلية تنتج عن تكرار أصوات معينة وسكونات درامية («مات مظفر يا سادة» يكرر الصَوت المَفْرُوق ويصنع وقعًا صادمًا).
٢- الجرس الصوتي: تكرار الحروف الشّاكية (ث، ص، ش، ق) يعطي النص حدةً صوتية مكافئة لحدة المعنى: وعي/صَهد/صمت/صُدْمة.
٣- التكرار: تكرار عبارات استنطاقية واستفهامية يعمل كرنة إيقاعية تستحثّ القارئ على التوقف والتأمل.
ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية
1. البنية الفنية للنص (السرد، الزمن، الشخصيات، المعمار الشعري)
١- بنية تكثيفية/تركيبية: النصّ لا يتبع سردًا خطيًا؛ بل ينتقل بين ذاكرةٍ استدعائية وتصريحٍ مباشرٍ واستنطاقٍ هجائي. الحركة الشعورية تنطلق من صورة التأبين إلى سلسلة تساؤلات ومخاطبات («يا مظفر»/«يا سيد العارفين»/«يا سادة»).
٢- الزمن: النص يشتغل بثنائية زمنية: الحاضر الصادم (الخبر: مات) وزمن الذاكرة/المواجهة (أسئلة عن الممارسة والثورة والخيانة). هذا التداخل الزمني يعمل على اشتغال القصيدة كوثيقة تاريخية وفعل شعري في الوقت نفسه.
٣- لشخصيات: يتشكل داخل النصّ مشهد درامي: «مظفر» كشخصية أيقونية، الشاعرة (المتكلمة) شاهدةً وندًّا، و«السادة» كفئة نخبوية أو مخاطب/طائفة. هناك أيضًا «الرفاق» و«الذاكرة» كشخوص رمزية.
2. الرؤية الفنية (منظور الشاعرة للعالم، والانسجام بين الشكل والمضمون)
الرؤية هنا ملتزمة: الشعر ليس تجمّلًا بل فعل شهادة وسياسة. ثيمةُ «الوجع/الثورة/الخيانة» تقود الرؤية، والشكل القصيدي الحاد يخدم الصرخة. الانسجام واضح: لغة تصدّية متناسقة مع مضمون تأبينٍ متّهمٍ.
3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي (الدهشة والتجديد)
١- الدهشة: يأتي من الدمج بين خطاب التأبين وخطاب المحاسبة: عكس التوقير التقليدي لتأبينٍ مُقدّس، هنا هناك مساءلة: «هل عضتك الذكريات؟ هل تساقط الوريد أشلاء من جراء الوعي؟» — صورةٌ مدهشة تربط بين الجرح النفسي والوعي السياسي.
٢- التجديد: استخدام صور طبية/جسدية («الوريد أشلاء») جنبًا إلى جنب مع مفردات الثورة والرمز الوطني يمنح القصيدة انزياحات جمالية فرّاقة.
ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية:
1. الموقف الفكري للنص (الأسئلة الوجودية والأخلاقية).
١- الأسئلة المركزية: ما قيمة الكلمة في زمن الخيانة؟ كيف تولد القصيدة في خضمّ الوعي المكبل؟ ما معنى الوفاء للشعر؟ هل الوعي يُلدّ الحرية أم يسجنها؟
٢- القصيدة تقف موقفًا أخلاقيًا: لا تكتفي بالنعي بل تحاكم حال الأمة والمجتمع والثوريين أنفسهم.
2. الأفق المعرفي (المرجعيات الفكرية والتراثية والحداثية)
النص يستحضر «الرافدين» و«الثورة» و«الهوان» و«الخبز والملح» — مراجع تاريخية وإنسانية معروفة في ذاكرة النضال العربي. كما أنّ ثيمةُ «الوعي» و«الهُوْنة» تنتمي إلى أفق نقدي حداثي يربط بين الفلسفة السياسية وتجربة المثقف.
3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا):
قراءة هيرمنيوطيقية تكشف أن موت «مظفر» يتحوّل لرمز؛ ليس مجرد وفاة إنسان بل موت صوتٍ مقاوم وفقدان قدرة على الحديث الصادق. القصيدة تقرأ الحدث كمحطة في مأساة استنزاف القيم، وتفتح باباً للتأويلات: هل يموت الشاعر فعلاً أم تموت المبادئ التي حملها؟
رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية:
1. سياق النص (اللحظة التاريخية والبيئة الثقافية)
العنوان والمرجع إلى مظفر النواب (رمز شعر عربي معاصر عُرف بصراحته) يضع القصيدة في سياق الذاكرة السياسية (الجدل حول صوت المعارضة، القمع، فقدان الرموز). القصيدة قراءة تأبينية في زمن يُناسب المحاسبة والحنين.
2. تطور النوع الأدبي (موقع النص ضمن الشعر السياسي)
تقف القصيدة على خط الشعر الاحتجاجي/التأبيني الحديث؛ هي امتداد لتقليد يمتزج بين الشعر النقدي العربي ونصوص النعي السياسية. تنتمي إلى تيّار يكتب الذاكرة كأداة مقاومة.
3. ارتباط النص بالتراث:
توظيف أساليب البلاغة (نداء، سؤال بلاغي، تجسيم) يربط بين التراث البلاغي العربي وحداثة المضمون. كما تستدعِي الصورُ الشعبية والاجتماعية سياقًا ثقافيًا معبّرًا عن جذور القارئ.
خامساً: الأسس النفسية:
1. تحليل البنية الشعورية (الانفعالات، اللاوعي):
النص محمّل بانفعالاتٍ متقلّبة: صدمة/حزن/سخط/سؤال/هذيان. هناك لَحمة نفسية تشير إلى أن الفقد هنا مؤلم لأنه فقد معنى؛ أي أن الألم شخصي وجماعي معًا.
اللاوعي الشعري يظهر في صور متقطعة كالكوابيس («حجر من نار»، «الوريد أشلاء») التي تعكس اضطرابًا داخليًا تجاه تكرار الوجع التاريخي.
2. تحليل الشخصية سردياً (دوافع وتطورات)
الشخصية المحورية (الندّ المتكلم) تتحوّل من شهيدة متألمة إلى واعظةً متهمة. إنّها شخصية تجمع بين الحزن والنقد، وتصبح وسيطًا لنداء أخلاقي.
3. النبرة النفسية للنص (القلق، الحنين، الاحتجاج)
النبرة مركبة: تجمع حزن التأبين مع لهجة الاتهام/الاحتجاج. هذا المزج يخلق طاقة نفسية عالية تفرض على القارئ إحساسًا بالإلحاح.
سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية
1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي (الهوية، الطبقات، الهامش)
القصيدة تنتقد حالة اجتماعية ثقافية: نخبٌ صامتة، خيانة رموز، افتقادُ محتويات العدالة. كما تضع أمام الجمهور تساؤلاً عن مسؤوليته تجاه الأصوات الحرة.
2. الخطاب الاجتماعي داخل النص (السلطة، الأخلاق، الأعراف):
مخاطبة «يا سادة» ليست فقط توجيهًا لمن في السلطة وإنما لكل من يتسامى عن مسؤولية الذاكرة. النص يفضح ازدواجية الأخلاق ويطالب بالصدق والانتصاف.
3. الكاتب/الكاتبة كفاعل اجتماعي.
نادية نواصر "ورّاقة الجزائر" تصير هنا فاعلًا نقدياً: لا تكتب للشعر وحده، بل تمارس دور مُنَذّرٍ وموثّقٍ ومثقفٍ مواطن.
سابعاً: الأسس السيميائية:
1. تحليل العلامات والرموز:
النار/الحجر/الوريد/الخبز والملح/الرافدين: كل رمز يشحذ دلالات متعددة: النار (التحرّك/الإحراق/النقاء)، الحجر (الصلابة/الصمت/الجمود)، الوريد (الحياة/الجسدية/الجرح)، الخبز والملح (الوفاء/الأساس المعيشي)، الرافدين (حضارة، هوية).
الاسم (مظفر النواب) رمز مركزي يحيل إلى صوتٍ وموقفٍ تاريخي.
2. شبكات الدلالات (التقابلات)
حياة/موت، صوت/صمت، وفاء/خيانة، وعي/قمع. هذه المقابلات تُغني مستوى التأويل وتمنح النص إمكانية قراءة متعددة الطبقات.
3. النظام الرمزي العام للنص (الألوان، الفضاءات، الأشياء)
الفضاءات: ساحة، جدار الرفض، تلال الثورة — تدل على مسرح سياسي.
الأشياء: الميكروفون أو القلم (مؤشرات ضمنية) تستحضر وظيفة الكلمة.
ثامناً: الأسس المنهجية (الصرامة العلمية).
البحث في منهج هرمنيوطيقا نقدية + نقد اجتماعي/سياسي + قراءة بلاغية لغوية.
التوثيق: استلزم البحث حفظ نص القصيدة بنسخة موثقة، ومقارنة مع نصوص مظفر النواب، ومراجع حول الشعر السياسي الجزائري والعربي.
الموضوعية: وتمييز ما يقوله النص صراحةً وما أضيفه كناقد كاستنتاج؛ الالتزام بالأدلّة النصّية شرط أساسي.
تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا
1. قيم الحرية والجمال:
القصيدة تعمل كنداء إنساني لقيمة الكلمة والكرامة؛ هي احتفاء بالجمال الأخلاقي للمتحدّث/المتحدّاة من شاعر يكافح النسيان.
2. الانفتاح على التأويلات
نصّ مثل هذا مولّد لقراءات: تأبينية، تاريخية، نفسية، سياسية؛ لذلك يظلّ إنجازها ليس اختزالًا بل تفسيرًا متعدد المستويات.
3. البعد الإنساني الشامل:
في نهاية المطاف، القصيدة تلامس البعد الوجودي: موت فردٍ يفضي إلى سؤال عن مصير الأمة وقيمها؛ وهو سؤال إنساني ينتمي لكل زمان.
خاتمة:
1. قصيدة «مات مظفر يا سادة» تعمل على مستوى مزدوج: تأبين شخصي/رمزي ومساءلة مجتمعية/سياسية؛ لذلك فهي نصّ التقاء بين الوجدان والسياسي.
2. اللغة في القصيدة ناجحة في جمع الفصحى والقوة البلاغية مع لمسات عامية وانزياحات إبداعية؛ هذا يجعلها قادرة على مخاطبة جمهور واسع وبناء وقعٍ صوتيٍّ قوي.
3. التناوب بين الصدمة والنقد والحنين يخلق طاقة شعرية عالية تجعل القصيدة فاعلة كخطاب ذاكرة ومضة اتهامية.
4. القصيدة تستدعي مرجعيات تاريخية وثقافية وتشارك في تقليد الشعر السياسي الاحتجاجي، لكنها تضيف صوتًا نسويًا/شاعريًا مميَّزًا في المشهد.
عملية للتطوير:
1. تحقق نصّي: الحصول على نسخة موثّقة من الديوان مع تدقيق إملائي/نحوي (لملاحظة الانزياحات كـ«شاقوليا»).
2. مقارنة نصّية: دراسة مقابلة بين قصيدة ناديا نواصر ونصوص مظفر النواب لقراءة الحواريات/الردود أو الاستدعاءات.
3. توسيع مرجعي: استدعاء مراجع عن الشعر السياسي العربي، دراسات هرمنيوطيقا، ومراجع سوسيولوجية عن دور المثقف في المجتمع الجزائري.
4. مقابلات/حقول: إذا أمكن، قراءة المزيد من نصوص الشاعرة ناديا نواصر " ورّاقة الجزائر"، أو قراءات نقدية لها، لاستجلاء قصدها وصوتها.
وتقديم نقد تطبيقي: إجراء تحليل بلاغي مصوَّر (جداول للكنايات، الاستعارات، التكرارات الصوتية) وتحليل سيميائي بصري للصور المتكررة.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
.....................
من ديواني مات مظفر يا سادة
بقلم: نادية نواصر
رقم: 8
على حجر من نار توسدت خيبات الأمة يا مظفر
كابدت صهد المرحلة
واحتميت بجدار الرفض
وهو يعلو إلى حد قيمتك اللامنتهية
اكان حزنك ينكر هندسة الجرح
وشكل انينه؟
شاقوليا كان ام مخروطيا، ام كان على شكل الشبه المنحرف
كانحراف مبادىء عروبتنا، يا مظفر الفحل..
كنت تقول حياة هذه الامة وهي تنتزع من مخالب الهوان
كي تصرخ (أن الجوع ابو الكفار)...
وانت مارست الجوع وآمنت بالحجر الجائع للأورام والاوشام التاريخية
ايها الثوري الذي لا يشفى من ثورته
هل عضتك الذكريات من جهة القلب
وتساقط الوريد أشلاء من جراء الوعي؟
وان (زمانك أمير العقاب) كما غنت حكمتك على تلال الثورة
ماكان الصمت مشتهاك، ولكنه كان طنين الوجع
في الذاكرة الحبلى بالمعاني والاضداد والمرادفات والمتناقضات في هذا الوجود المغلف بالغمام
في حنين النار
قلت: كيف للنار أن تحمي النار؟
يا حامي الرافدين كيف تولد القصيدة حين بنتابها مخاض الوعي؟
وكيف يجيء الوعي مكبلا بسلاسل الغدر
على شرف الرفاق الذين وفرنا لهم الماء والخبز والملح
هذا زمن الخيانة بصدق
قل لي اذن يا سيد العارفين
والتأويل....؟!






