قراءات نقدية

بهيج حسن مسعود: شاعرية الرمز والجمال عند سامر كحل

دراسة في قصيدة "تبكي على بابي"

***

تَبْكي عَلَى بابي

تَبْكي عَلَى بابي خُيولُ الغَيْمِ

تَبْكي عَلَى بابي..

في سَرْجِها أَنَّتْ رِياحُ الضَّيْمِ

مِن جَورِ أَعْرابي..

*

هذا الصَّهيلُ نَواحُ

هذا صَهيلٌ ما تَعَوَّدْناهُ..

هذا صَهيلُ جِراحٍ

مِنْ أَيِّ كَيٍّ قَدْ جَرَّعْتِ الآهِ..

*

تَهْوي عَلَى بابي نُجومُ اللَّيْلِ

وتَغوصُ في الظُّلْمَةِ..

مِنْ أَيِّ ثَوْبِ عَباءَةٍ يا لَيْلُ

قَصُّوا لَكَ العَتْمَةَ..؟!!

***

مقدمة: الشاعر الذي يبحث عن خلود القصيدة

يُعَدُّ الشاعر السوري سامر كحل واحداً من الأصوات الشعرية المهمة التي سعت إلى تأسيس بصمة خاصة في مدونة الشعر السوري المعاصر. يمثل مشروعه الشعري بحثاً مستمراً عن "خلود القصيدة واستمراريتها"، حيث يتبنى رؤية فنية تقوم على التكثيف والدهشة كأساسين جوهريين للإبداع الشعري. تنطلق هذه الدراسة من قصيدته "تبكي على بابي" كنموذج تطبيقي لاستجلاء آليتي الرمز والجمال في تشكيل عالمه الشعري المميز، مستندةً إلى شهادات من تجربته الشعرية العامة.

في قصيدة "تبكي على بابي"، لا يكتب سامر كحل نصاً شعرياً تقليدياً، بل ينحت من حروف الألم نواحاً كونياً. القصيدة هي مرثية مُصغَّرة لوطنٍ يبكي على عتبته، حيث تتحول العناصر الطبيعية إلى كائنات حزينة تشارك الإنسان هول الفقد. هنا، لا يُخاطب الشاعر الناسَ فحسب، بل يخاطب الريحَ والغيمَ والليلَ، في حوار درامي يرفع المأساة الشخصية إلى مصاف المأساة الوجودية.

الفصل الأول: تشريح الرمز: لغة الكون المعذَّب

يُجسِّد سامر كحل في قصيدته فلسفةً شعوريةً عميقةً: الألم الكبير لا ينطقه البشر وحدهم. الرمز عنده ليس زينة لغوية، بل هو لغة بديلة يصبح فيها الكون شريكاً في المعاناة:

الخيول التي تبكي: "تبكي على بابي خيولُ الغيم". الخيل في المخيال الجمعي العربي رمز القوة والفروسية والحرية. تحويلها إلى كائنات باكية على الباب يعني أن الحرب قد نهشت حتى رموز القوة في الذات والهوية. البكاء على الباب – العتبة الفاصلة بين الداخل والخارج – يجعل من الدمار انتهاكاً للحرمة الأكثر حميمية.

الصهيل الذي أصبح نواحاً: "هذا الصّهيلُ نواح". هذا الانزياح الدلالي هو قلب جمالي مبدع. فالصهيل، صوت الفخار والانطلاق، يتحول إلى صوت النواح، صوت الموت والرثاء. الاستمرار في التكرار "هذا صهيلٌ ما تعوّدناه.. هذا صهيل جراح" يحوِّل الصوت إلى إحساس جسدي، وكأن الجرح نفسه يصرخ.

نجوم تسقط: "تهوي على بابي نجومُ الليل". النجوم، الرمز الأزلي للهداية والثبات والأمل، لم تعد تلمع بل "تهوي" و"تغوصُ في الظلمة". هذا السقوط الدراماتيكي هو سقوط للبوصلة الوجودية، انطفاء للنور الداخلي الذي يهدي الإنسان في ظلمة الحياة.

الفصل الثاني: موسيقى الكارثة: إيقاع النواح الداخلي

يبتعد سامر كحل عن الوزن التقليدي ليخلق موسيقى عضوية تنبع من نبض المأساة نفسها. إيقاعه هو إيقاع النفس المجهود والقلب المكلوم:

تكرار المرثية: التكرار هنا ليس أداة زخرفية، بل هو نسيج القصيدة العاطفي. "تبكي على بابي... تبكي على بابي" – كلمة "تبكي" التي تفتتح القصيدة وتتكرر، تضع القارئ فوراً في مناخ من البكاء المستمر، كالمطر الذي لا ينقطع. التكرار اللاحق "هذا الصهيلُ... هذا صهيلٌ... هذا صهيل..." يُحاكي تردد أنين الجريح، أو دقات مطرقة الألم التي لا تتوقف.

توازي السقوط: هناك إيقاع نزولي مهيمن يشبه سقوط الشهب: "تهوي... نجومُ الليل" ثم "تغوصُ في الظلمة". هذه الأفعال المتتالية (تهوي، تغوص) تخلق إحساساً بالغرق والهاوية، موسيقياً ودلالياً.

صرخة الاستفهام: تبلغ الذروة الموسيقية في السؤال المزلزل: "من أيّ ثوبِ عباءةٍ يا ليل / قصّوا لك العتمة..؟!!". الجملة الطويلة التي تبدأ باستفهام استنكاري ("من أيّ") وتنتهي بعلامتي تعجب واستفهام، تحوِّل التساؤل إلى صيحة اتهام. الإيقاع هنا هو إيقاع الصدمة، صدمة من يرون ظلمة الليل – رمز السكون – وقد تحولت إلى "عتمة" مقطوعة بقسوة.

الفصل الثالث: الباب: العتبة التي أصبحت وطناً

"الباب" في هذه القصيدة ليس كلمة عابرة؛ إنه الرمز المركزي الذي تدور حوله كل الدموع. الباب في الأدب العالمي هو عتبة التحول، مكان اللقاء والفراق، الحماية والتهديد. بكاء خيول الغيم ونجوم الليل على الباب يحوِّله من جزء من بيت إلى:

1. نصب تذكاري للوطن السليب.

2. مكان شاهد تجتمع عنده كل أحزان الكون.

3. حدّ فاصل بين عالمين: عالم الداخل المأمول (الذي ربما لم يعد موجوداً) وعالم الخارج المدمر.

سؤال القصيدة الكبير: إذا كان الكون نفسه يبكي على العتبة، فما مصير من هم داخل البيت؟ الجواب يكمن في الصمت المطبق بين السطور، في ذلك الفراغ الذي يملأه القارئ.

خاتمة: الشعر حين يتحول إلى ضمير

قصيدة سامر كحل "تبكي على بابي" هي شهادة شعرية على زمن الانهيار. إنها لا تروي حدثاً بقدر ما تنحت حالة وجدانية جامعة. الشاعر هنا لا يصف الدمار من الخارج، بل يستدعيه إلى لغته، فيجعل من الصهيل نواحاً، ومن النجوم كائنات غارقة، ومن الليل ضحية لجريمة "قصّ العتمة".

في هذه القصيدة، يثبت سامر كحل أن الجمال الشعري الحقيقي لا ينفصل عن عمق المأساة وصدق التعبير. اللغة عنده تصير جسداً ينزف، والإيقاع يصير نبض جرح. إنه الشعر الذي لا يكتفي بأن يكون مرآة للواقع، بل يتحول إلى ضمير يسمع بكاء ما لا صوت له: بكاء الغيم، صهيل الجراح، وصرخة الليل المقطوع الثوب. وهنا تكمن قوته الخالدة: في قدرته على تحويل الوجع الإنساني إلى صورة كونية تبقى نابضة في ذاكرة الزمن.

***

بهيج حسن مسعود

 

في المثقف اليوم