جدلية أنسنة الجماد وتشيئ المرأة
تبدأ قصة «امرأة بلا روح» من عنوان مكثف ومراوغ، لا يؤدي وظيفة التسمية فقط، بل يفتح الباب على عالم النص كله. فالعنوان يجمع بين لفظتين متوترتين: «امرأة» بما تحمله من دلالات الحياة والأنوثة والحس والوجود الإنساني، و«بلا روح» بما توحي به من جمود وموت وفراغ داخلي. ومن هذا التصادم تنشأ المفارقة المركزية التي ستظل تحكم القصة حتى نهايتها: هل المرأة المقصودة بلا روح فعلًا، أم أن العالم الذي يحدق فيها هو الذي فقد روحه؟
في ظاهر المعنى، تبدو العبارة مناسبة لدمية عرض، أو مانيكان، فهي جسد صناعي لا يتحرك ولا يتكلم. غير أن القصة تقلب هذا المعنى رأسًا على عقب؛ فالدمية التي يظنها القارئ بلا روح تكشف عن وعي داخلي حاد، فهي تخجل، وتحزن، وتغضب، وتشتهي الستر، وتتألم من عيون المارة. وهنا يتحول العنوان من وصف مباشر إلى مفارقة درامية: الكائن الجامد يبدو أكثر حياة من البشر الذين يتحركون أمامه.
ومن ثم فإن رمزية العنوان لا تقف عند حدود الدمية، بل تمتد إلى معاناة المرأة في المجتمع حين تُختزل في جسدها وصورتها وزينتها. فاختيار كلمة «امرأة» بدلًا من «دمية» أو «مانيكان» يجعل النص منذ البداية يتجاوز الحكاية الجزئية إلى دلالة أوسع: نحن أمام صورة للمرأة حين تُعامَل كشيء معروض لا كذات حرة. أما عبارة «بلا روح» فلا تعني أن المرأة فاقدة للروح في ذاتها، بل تكشف أن المجتمع يتعامل معها كما لو أنها بلا روح.
بهذا المعنى يصبح العنوان مفتاحًا لموضوع التشييء؛ فهو يجمع بين لفظة إنسانية وعبارة نازعة للإنسانية. إن المرأة حاضرة بوصفها جسدًا، لكنها غائبة بوصفها إرادة وصوتًا وكرامة. وهي مرئية أمام الجميع، لكنها غير معترف بها كذات شاعرة. ومن هنا يتولد التوتر الدرامي منذ العنوان: القارئ يدخل النص وهو يتساءل: كيف تكون امرأة وبلا روح؟ وهل غياب الروح صفة في البطلة، أم اتهام للعالم الذي يراها ولا يشعر بها؟
كما يوحي العنوان بتأنيب ضمير خفي. فهو يدفع القارئ أولًا إلى قبول الحكم الظاهري: إنها دمية بلا روح. لكنه بعد القراءة يكتشف أن هذا الحكم كان قاصرًا، وأن الدمية تمتلك من الحس ما لا يمتلكه المارة. وهكذا يجعل العنوان القارئ يراجع نظرته، كأنه يسأله: هل رأيت الجسد فقط كما رآه المارة؟ هل صدقت أنها بلا روح لأنك لم تسمع صوتها؟ من هنا يعمل العنوان كأداة جمالية لتأنيب الضمير، لا عبر الوعظ المباشر، بل عبر المفارقة والاكتشاف.
جماليات السرد
أولًا: أنسنة الجماد ومفارقة الروح والجسد
تقوم القصة على تقنية فنية أساسية هي أنسنة الجماد؛ إذ تمنح الساردة صوتًا داخليًا لكائن جامد هو دمية العرض. هذه تقنية لا تأتي لخلق غرابة شكلية فقط، بل لتوليد صدمة شعورية لدى القارئ. فالذي يُفترض أنه شيء صامت يصبح ذاتًا ناطقة من الداخل، والذي يُفترض أنه إنسان حي يبدو في النص فاقدًا للحس.
تقول الساردة في مفتتح النص:
«خلف ساتر لا يسترني أقف بلا حراك صامتة حزينة دومًا»
هنا تتأسس الشخصية عبر ثلاث علامات: الوقوف، والصمت، والحزن. الوقوف يدل على الجمود، والصمت يدل على العجز، أما الحزن فيكشف أن هذا الجماد ليس خاليًا من الشعور. ومنذ هذه الجملة تتشكل مفارقة النص الكبرى: الجسد ثابت، لكن الداخل مضطرب؛ الصوت ممنوع، لكن الشعور حاضر.
وتزداد المفارقة عمقًا حين تنظر البطلة إلى المارة فتراهم:
«كالنعوش التي تحمل جثثًا تتحرك»
بهذه الصورة ينقلب ميزان الحياة والموت؛ فالمانيكان الجامدة أكثر امتلاءً بالروح من بشر يتحركون آليًا. إن القصة لا ترثي دمية فقط، بل تكشف موتًا روحيًا في عالم البشر، حيث تندمج مكونات الفضاء الرمزي والزمن والوصف لتأسيس واقع موازٍ يُعرّي الواقع الحقيقي للماشين في الطرقات.
ثانيًا: الكتابة بضمير المتكلم واستعادة الصوت المسلوب
من أهم عناصر القوة في قصة «امرأة بلا روح» اعتمادها على ضمير المتكلم. فالساردة لا تُروى من الخارج، بل تتحدث بنفسها عن ألمها وخجلها وعجزها. وهذا الاختيار ليس تقنيًا فقط، بل هو اختيار دلالي عميق؛ لأنه يمنح الكائن الصامت صوتًا داخليًا.
لو كُتبت القصة بضمير الغائب، لبقيت الدمية مجرد موضوع للوصف: دمية تقف في واجهة، ترتدي ثيابًا، ينظر إليها المارة، ثم تتحطم. لكن ضمير المتكلم يحوّلها من شيء منظور إليه إلى ذات ناظرة وواعية. فهي لا تعود جسدًا معروضًا أمامنا، بل تصبح كائنًا يحكي تجربته من الداخل.
تقول الساردة:
«أقف بلا حراك صامتة حزينة»
«أرى خوفه مني»
«أبكي بلا دمع، أنوح بلا صوت»
هذه العبارات تجعل القارئ يدخل إلى المساحة الخفية التي لا يراها المارة. فالمارة يرون فستانًا وجسدًا متناسقًا، أما القارئ، بفضل ضمير المتكلم، فيرى الخجل والحزن والصراخ الداخلي.
ويؤدي ضمير المتكلم وظائف عدة في النص. فهو أولًا يستعيد الصوت المسلوب؛ فالمانيكان في الواقع لا صوت لها، لكن القصة تمنحها صوتًا سرديًا. وهي لا تستطيع أن تتكلم داخل الحدث، لكنها تتكلم داخل السرد. لا يسمعها المارة، لكن يسمعها القارئ.
وهو ثانيًا يعمد إلى تعميق الإحساس بالقهر. فحين تقول الساردة: «لم أختر يومًا ثيابي»، يكون وقع العبارة أقوى لأنها صادرة منها هي، لا من راوٍ خارجي. القارئ هنا لا يسمع تحليلًا عن القهر، بل يسمع اعترافًا مباشرًا من ضحية القهر.
وهو ثالثًا يقلب علاقة النظر. ففي ظاهر القصة، المارة هم الذين ينظرون إلى الدمية. لكن حين تتكلم بضمير المتكلم، يحدث انقلاب مهم: الدمية أيضًا تنظر إليهم وتحكم عليهم. فهي ترى ملامحهم جامدة، وتشبههم بالنعوش التي تحمل جثثًا تتحرك. وبذلك لا تعود الدمية موضوعًا للنظر فقط، بل تصبح ذاتًا تمتلك عينًا ناقدة.
وهكذا يكشف ضمير المتكلم التناقض بين الخارج والداخل: الخارج يقول إن هذه دمية بلا روح، أما السرد بضمير المتكلم فيكشف أن هناك داخلًا يشعر ويتألم ويخجل. ومن خلال هذا الضمير نكتشف أن الروح التي ينفيها العنوان موجودة في اللغة نفسها.
ثالثًا: «الساتر الذي لا يستر» واغتراب المرأة
تبدأ القصة بعبارة شديدة الكثافة:
«خلف ساتر لا يسترني»
وهذه العبارة تصلح أن تكون مفتاحًا للاغتراب كله. فالساتر في المعنى المباشر هو زجاج واجهة العرض، لكنه في المعنى الرمزي حماية زائفة. إنه يفصل الدمية عن الناس، لكنه لا يحجبها عن عيونهم. فهو حاجز مادي، لا حاجز أخلاقي أو إنساني.
ومن هنا يتولد اغتراب المرأة في النص على مستويات عدة. فهي قريبة من الناس مكانيًا، بعيدة عنهم إنسانيًا؛ يمرون أمامها، يحدقون فيها، يبتسمون لها، لكنهم لا ينفذون إلى ألمها الداخلي. إنها حاضرة في الواجهة حضورًا بصريًا صارخًا، لكنها غائبة حضورًا إنسانيًا وروحيًا. يراها الجميع، ولا يسمعها أحد؛ تُعرض أمام العيون، لكنها تُحرم من حق الكلام والحركة والاختيار.
وبذلك يصبح الاغتراب في القصة اغترابًا مركبًا: اغترابًا عن الذات، واغترابًا عن الجسد، واغترابًا عن المجتمع، واغترابًا عن المصير. فالمرأة/المانيكان لا تنتمي تمامًا إلى عالم الأشياء، لأنها تشعر وتتألم وتخجل، ولا تنتمي تمامًا إلى عالم البشر، لأنها لا تتحرك ولا تتكلم ولا يراها الآخرون إلا جسدًا معروضًا. ومن هذا الموقع البيني يتشكل توتر القصة كله: إنها كائن معلق بين الحياة والموت، بين الروح والجماد، بين الرغبة في الستر والعجز عن الدفاع عن الذات.
هذا الاغتراب يتضح في كونها مرئية وغير مسموعة. والمجتمع حولها لا يعرف عنها سوى صورتها الخارجية: الثوب، الجسد، التناسق، الأناقة. أما خجلها وحزنها وصراخها الداخلي فلا يصل إلى أحد. لذلك فإن «الساتر الذي لا يستر» يرمز إلى وضع المرأة في مجتمع قد يدعي حمايتها، لكنه في الحقيقة يتركها مكشوفة أمام الحكم والنظر والتقييم، حيث تعمل الفضاءات الشفافة والمغلقة في الأدب كأداة سيكولوجية تضاعف الإحساس بالمراقبة والعرى التام.
رابعًا: الجسد المتناسق وسجن الجمال
تقول الساردة:
«كل يوم أزهو بفستان جديد يرتديه جسدي المتناسق الذي صنع بمهارة»
تبدو العبارة في ظاهرها احتفاءً بالجمال، لكنها في عمقها تكشف مأساة الجسد المصنوع. فالجسد هنا متناسق، رشيق، كامل، لكنه ليس جسدًا حرًا. إنه جسد معد للعرض، لا للحياة. جسد بلا اختيار، وبلا حركة، وبلا قدرة على حماية نفسه.
الجمال في القصة ليس نعمة خالصة، بل يتحول إلى قيد. فالنساء يحسدنها على جسدها الرشيق، والمارة يبتسمون لها، والأثواب تزداد بها جاذبية. لكنها، رغم ذلك كله، تعيش تعاسة عميقة، لأن هذا الجمال لا يمنحها روحًا معترفًا بها، ولا صوتًا مسموعًا، ولا كرامة مصونة.
ومن هنا يتصل الجسد بفكرة التشييء. فالبطلة لا تُرى بوصفها ذاتًا، بل بوصفها جسدًا مثاليًا. والمرأة هنا تتحول إلى صورة صامتة، إلى واجهة، إلى وسيلة لتسويق الثياب. وهذا هو جوهر التشييء والسلعية: أن يُختزل الكائن في وظيفته وشكله النفعي، وأن يمحى جوهره لصالح مظهره وقوانين العرض البصري.
خامسًا: الثياب باعتبارها أدوارًا مفروضة
تقول البطلة:
«فلم أختر يومًا ثيابي، ولم أرتدها بمفردي»
هذه الجملة من أهم مفاتيح القصة. فالملابس هنا لا تعني الثياب وحدها، بل ترمز إلى الأدوار الاجتماعية والأقنعة الجاهزة المفروضة على الكيان الإنساني من الخارج. فكما تُلبس الدمية ما لا تختاره، تُفرض الصور والقوالب المسبقة عن الجمال والأنوثة والحضور الاجتماعي.
الثوب في القصة قناع مفروض. إنه يصنع صورتها أمام الآخرين، لكنه لا يعبر عن ذاتها. ومن هنا فإن تغيّر الثياب كل يوم لا يعني حرية أو تنوعًا، بل يعني تبدلًا في أشكال الاستعمال والتسليع، فالدمية تُعاد صياغتها باستمرار حسب رغبة الآخرين وحاجة المشهد. ومن خلال هذه الرمزية تصبح الثياب حلقة متصلة بالعنوان، فالمرأة التي تُغطى بالثياب وتُجرد من الاختيار، تصبح الأناقة الخارجية بالنسبة لها مجرد أداة مصقولة لإخفاء القهر الداخلي.
سادسًا: «العيون الجائعة» وعنف النظرة
تبلغ رمزية النظر ذروتها في عبارة:
«تأكلني العيون الجائعة التي لا تفرق بين حي وميت»
هذه من أقوى صور القصة؛ لأنها تحول العين من أداة رؤية ومعرفة وتواصل إلى أداة افتراس واستهلاك مادي ومحو للروح. العيون الجائعة ترمز إلى مجتمع يراقب الكائن بوصفه بضاعة معروضة. هذه العيون لا تسأل عن الألم أو الخجل أو الرغبة في الستر، إنها ترى القشرة والشكل فقط، ولذلك فهي «لا تفرق بين حي وميت» لفقر حسها الإنساني والتعاطفي البسيط.
وفي النص، لا تكتفي العيون بالجوع، بل تتحول أدوات النظر الاستهلاكية إلى أسلحة حادة:
«ترشق أعين المارة جسدي كسيوف حادة»
وهنا يتحول النظر إلى عنف واعتداء بصري صامت. القصة تقول ضمنيًا إن الانتهاك لا يكون باليد أو الفعل المادي المباشر فقط، بل يقع بالعين أيضاً حين تختزل الذات الإنسانية وتجرد من خصوصيتها لتصبح مشاعاً للفرجة والتقييم السطحي.
سابعًا: الطفل وفزع الفطرة
من أكثر مشاهد القصة رقة وإيلامًا مشهد الطفل. تقول الساردة إنها تسعد حين تداعب طفلًا صغيرًا، لكنها ترى خوفه يتراقص على وجهه، وتحاول أن تبتسم له فلا تستطيع، فيرحل حاملًا ذكرى مؤلمة.
الطفل هنا يمثل الفطرة النقية وبراءة البصيرة التي لم تفسدها بعد ثقافة المظاهر وعادات الاستهلاك. فهو لا يرى الدمية كما يراها الكبار (ثوباً جذاباً أو شكلاً منسقاً)، بل يستشعر غرابتها الوجودية؛ إنها كائن يقف في المنطقة الرمادية الملتبسة بين الحياة والموت، يمتلك هيئة الإنسان لكنه يفتقد حرارته وحركته الفطرية، مما يثير في نفس الطفل خوفاً طبيعياً وهروباً من هذا الجمود المريب.
ثامنًا: «يوم الذبح» والعري القسري
تقول الساردة:
«يوم ذبحي هو يوم يغيرون ثيابي»
إنها جملة صادمة؛ لأنها تحول فعلًا تجارياً عادياً في محل ملابس إلى طقس ذبح وانتهاك وإذلال رمزي. وتبلغ الصورة ذروتها المأساوية حين تقول:
«تتركني الفتاة عارية ترشق أعين المارة جسدي كسيوف حادة، يداي المصلوبتان لأعلى لا أستطيع تحريكهما لأخصف بهما على سوأتي»
هذه العبارة تجمع بكثافة بين العري، والنظر، والصلب، والعجز. فالدمية تمتلك إحساس الخجل الفطري والنزوع نحو الاحتشام، لكنها لا تملك أداة الحركة للدفاع عن نفسها أو حماية جسدها، مما يجعل العري القسري هنا تجريداً كاملاً للكرامة تحت وطأة شروط السوق واستمرارية العرض.
تاسعًا: رمزية اليدين المصلوبتين
تتخذ صورة اليدين المصلوبتين دلالة مركزية في مشهد الانكشاف؛ فاليدان بوصفهما أداتي الفعل، والستر، والدفاع عن الذات، تتحولان هنا إلى علامتين على الشلل المطلق. الإنسان يستر بيديه عورته، ويدفع الأذى، ويختار، ويفعل، لكن البطلة تمتلك مظهر اليدين دون طاقتهما الوظيفية.
ووصف اليدين بأنهما «مصلوبتان» يضفي بعداً مأساوياً عميقاً يحيل إلى التثبيت العقابي والعذاب العلني، فالجسد موضوع في هيئة الضحية المعلقة للفرجة. وقولها «لأخصف بهما على سوأتي» يكشف أن المأساة لا تكمن في انعدام الشعور، بل في غياب القدرة على تحويل هذا الشعور الداخلي المشتعل إلى فعل واقعي يحمي الذات.
كما يمكن تأويل اليدين المرفوعتين قسراً بوصفهما جناحين عاجزين عن التحليق؛ فإذا كانت الأجنحة في المخيال الإنساني علامة الانعتاق والنجاة وتجاوز الحصار، فإن صلب الأطراف يمثل انكسار آخر احتمال للخلاص، لتظل مقيدة عاجزة حتى عن الحلم بالحركة.
عاشرًا: البنية الأسلوبية: الطباق والمقابلة
من الناحية الأسلوبية، تقوم القصة على شبكة محكمة من الثنائيات الضدية والمحسنات البلاغية التي تجاوزت وظيفتها التزيينية التقليدية لتتحول إلى أداة رؤيوية تقسم الفضاء إلى عالمين متناحرين:
الحركة / الجمود،الصوت / الصمت، الجسد / الروح، الستر / الانكشاف، الحياة / الموت الواجهة، / الغرفة المظلمة
تقول البطلة في مقابلة أسلوبية مكثفة تعكس الفجوة بين الإحساس والتعبير عنه:
«أبكي بلا دمع، أنوح بلا صوت»
الألم الداخلي حاضر بكامل ثقله، لكن العلامات الفيزيائية الخارجية مصادرة ومحبوسة، تماماً كطباق السلب والإيجاب الذي يحكم علاقتها بالبشر؛ فهي جامدة وتشعر، وهم متحركون بلا حس، مما يثبت أن الصخب الخارجي وحركة المارة لست سوى قناع يخفي فراغاً روحياً مطبقاً.
حادي عشر: السقوط والتحطم وانهيار الصورة
تصل القصة إلى ذروتها الدرامية حين تسقط الدمية من يد الفتاة وتتناثر أشلاؤها:
«أقع من يديها صارخة... وقبل أن أكمل تتناثر أشلائي»
السقوط والتهشيم هنا ليس حادثاً مادياً عابراً، بل هو انهيار رمزي لصورة الجمال المصنوع والمثالي الذي لا يشوبه بروز أو انخفاض. هذا التحطم يكشف هشاشة القيمة المبنية على المظهر والشكل؛ فما دامت الدمية سليمة وجذابة وصالحة للتسويق حظيت بضوء الواجهة، وما إن انكسرت حتى عوملت كنفايات أُلقيت في كيس كباقي حطام الفخار.
ويمثل الانتقال المكاني هنا تحولاً دلالياً حاداً من الظهور الصاخب إلى المحو والإهمال والنسيان؛ فالجمال الخارجي والكمال الشكلي لا يمنحان صاحبهما قيمة ثابتة أو حماية حقيقية في عالم استهلاكي يلفظ الكائن بمجرد زوال وظيفته النفعية والجمالية.
ثاني عشر: تحطم الأجنحة باعتباره تأويلًا للحرية المكسورة
رغم أن النص لا يذكر الأجنحة بلفظها الصريح، إلا أن الهيئة الحركية لليدين المصلوبتين لأعلى تفتح أفقاً لتأويلهما كأجنحة مهيضة ومثبتة قسراً على خشبة المسرح الاجتماعي. ومن ثم، فإن سقوط الجسد وتناثر أجزائه على الأرض يرمز إلى التدمير النهائي لفكرة الانعتاق والنجاة.
إن تحطم هذه الأطراف المرفوعة هو انكسار للحرية في أقصى تجلياتها النفسية؛ فالشخصية لم تعد عاجزة عن الفعل المادي في الواجهة فحسب، بل تحطمت حتى قدرتها على تخيل الخلاص أو التطلع إلى فضاء مظلم ومستور يحمي بقايا كرامتها.
ثالث عشر: «ثرثرة العيون» وإدمان الاعتراف المؤلم
تأتي العبارة الأخيرة في النص لتمنح الخاتمة تعقيداً سيكولوجياً لافتاً:
«لأفقد هناك جمالي، ثرثرة العيون التي أدمنتها»
العيون التي كانت مصدر خجل وافترس واعتداء بصري، أصبحت في نفس الوقت الضمانة الوحيدة التي تمنح الدمية شعوراً بوجودها وحضورها في هذا العالم. «ثرثرة العيون» استعارة مبتكرة تجعل للنظر لغة وخطاباً واجتماعاً صامتاً يحكم ويقيم، واعتراف البطلة بإدمان هذه الثرثرة يكشف عن مفارقة نفسية أليمة: إن الكائن قد يحتمل عذاب التقييم المشوه والنظرات الجارحة، لكنه يرتعب من المحو التام والنسيان في الغرفة المظلمة، حيث يعادل الصمت التام غياب الاعتراف الاجتماعي والموت الوجودي الفعلي.
رابع عشر: العنوان والتوتر الدرامي
بعد تفكيك هذه العناصر، يتضح كيف يعمل العنوان كخيط ناظم ومحرك للتوتر الدرامي عبر ثلاث مراحل أساسية تقلب توقعات المتلقي:
1. الإيهام الأول: يظن القارئ أن عبارة «امرأة بلا روح» وصف مباشر لجماد مصنوع من البلاستيك أو الفخار (المانيكان).
2. الانقلاب الدرامي: يكشف السرد الداخلي أن هذا الجماد يفيض بمشاعر الخجل والحزن والرغبة في الستر، مما يثبت وجود "الروح" داخل اللغة وفي عمق المعاناة.
3. الإدانة النهائية: يكتشف المتلقي أن صفة "فقدان الروح" تنزاح في نهاية النص لتصبح اتهاماً مباشراً للمجتمع والمارة الذين يملكون أجساداً حية تتحرك كنعوش وجثث آلية فاقدة للحس والتعاطف.
خامس عشر: العنوان واغتراب المرأة في المجتمع
يرمز العنوان وشبكة علاقاته البصرية بوضوح إلى فضاء الاغتراب الذي يحيط بالمرأة في البنية الاجتماعية الحديثة؛ حيث تُختزل كينونتها في مظهر خارجي يُعرض ويُستهلك دون الالتفات إلى صوتها أو إرادتها الحرة. ويمكن تركيز مظاهر هذا الاغتراب في القصة عبر محاور متصلة:
- اغتراب الجسد: خضوعه لعمليات التعرية والكساء والعرض القسري دون امتلاك حق الاختيار.
- اغتراب الصوت: الصراخ الداخلي والنواح الصامت الذي لا يجد صدى أو أذناً سامعة في عالم صاخب.
- اغتراب المصير: التبعية الكاملة لقرارات فتاة العرض وحركة السوق، والانتقال الإجباري من الضوء والزينة إلى عتمة الصناديق والمخازن.
وتكشف لنا القصة أننا أمام نقد اجتماعي ورد على لسان دمية بلا روح إلى مجتمع فاقد الروح
تكشف القصة في نتيجتها الكلية أن مأساة الدمية المكسورة ليست سوى مرآة عاكسة لخلل روحي وأخلاقي أصاب المجتمع بأكمله. فالدمية الصامتة كانت الكائن الوحيد الذي يملك ملامح إنسانية فطرية كالحزن والخجل، بينما تحول البشر المتحركون إلى أدوات آلية تمارس النظر الافتراسي بلا وعي أو رحمة.
لقد نجح النص عبر لغة شاعرية كثيفة تعتمد الاستعارة المكنية والتشخيص وبناء المفارقات الضدية في صياغة صرخة احتجاجية ضد التشييء وسلب الإرادة، محولاً لحظة تحطم دمية واجهة إلى وثيقة أدبية تدين عالم المظاهر الذي يقدس الأشكال المعروضة ويلقي بالذات الإنسانية في الظلام بمجرد انكسار صورتها الاستهلاكية.
***
د. نجلاء نصير
........................
امْرَأَةٌ بِلَا رُوحٍ
خَلْفَ ساترٍ لا يَسترُنِي أَقِفُ بِلا حِراكٍ صامتةً حزينةً دومًا؛ فلمْ أخترْ يومًا ثِيابِي، ولمْ أرتدِها بِمفردِي!
يُحدِّق فيَّ المارةُ.. أرَاهمْ فَأُخفِيَ خجلِي الذِي لَا يرَونَهُ.. همْ لا يَشعرُونَ إلَّا بِمَنْ يَتحركُ ويَتكلمُ، لكنَّهم ينظرُونَ إليَّ مُبتسمِينَ. أُحدِّقُ فِي ملامحِهم الحيةِ، أرَاها جامدةً كأنَّها صُلِبَتْ هُناكَ، بعدَما فَقدتْ الكثيرَ مِن حياتِها فَأصبحَتْ كَالنُّعوشِ التِي تحملُ جُثثًا تتحركُ.
ابْتساماتٌ لا تَنمُ عنْ سعادةٍ، قطَراتُ دمعٍ لا تُرسلُ إشاراتِ حزنٍ؛ كأنَّ العينَ تغسلُ مقلتَها.
كُلَّ يومٍ أزهُو بِفُستانٍ جديدٍ يرتديِهِ جسدِي المتناسقُ الذِي صُنعَ بِمهارةٍ فَلا بُروزَ يُشوهُهُ ولا انْخفاضَ يُزرِي بِهِ.
كُلُّ النِّساءِ كُنَّ يَحسدْنَنِي علَى هذَا الجسدِ الرَّشيقِ. تَعلمْتُ كيفَ أكونُ أنيقةً، فَتداعبُ أناقَتي مَشاعرَ كلِّ النِّساءِ، حتَّى كُنَّ يتمنَّيْنَ أنْ يرتدِينَ ما أَرتدِيهِ!
جُلُّ سَعادَتي عندَما أُداعبُ طِفلًا صغِيرًا. أرَى خوفَهُ مِنِّي يَتراقصُ علَى وجهِهِ.. أَغضبُ، أُحاولُ أَنْ أَبْتسمَ لهُ لِتمتصَّ ابْتسامَتِي خوفَهُ، لكنَّهُ يرحلُ حاملًا معَهُ ذِكرَى مؤلمةً!
يَومَ ذبحِي هوَ يومَ يغيرُونَ ثيابِي، تتركُنِي الفتاةُ عاريةً ترشقُ أعينُ المارةِ جسدِي كَسيوفٍ حَادةٍ، يدايَ المصلوبتَانِ لِأعلَى لا أستطيعُ تحريكَهما لِأخصفَ بِهما علَى سَوأتِي.
أَبْكي بِلا دَمعٍ، أَنوحُ بِلا صَوتٍ باحثةً عنْ هواءٍ مُظلمٍ يَسترُنِي!
لَكنْ هيهاتَ: تَأكلُنِي العيونُ الجائعةُ التِي لا تُفرِّقُ بينَ حيٍّ وميتٍ!
تَأتِي الفتاةُ بِثوبٍ جديدٍ تُلْبسُنِي إيَّاهُ معَ اسْتعجالِي لِتسترَنِي، أَقعُ مِن يديْها صارخةً: انتبهي إنني وقبل أن أكمل تتناثرَ أَشلائِي، تتركني عالى الأرض كجرة ٍمن فخارٍ سقطتْ لِتُحضرَ كِيسًا كَبيرًا تَجمعُنِي وحُطامِي!
أَصْرخُ.. لا تسمعُنِي، تقذِفُ بِي إلَى غرفةٍ صامتةٍ مظلمةٍ لَأفقدَ هُناكَ جمالِي، ثرثرةَ العيُونِ الَّتِي أَدمنْتُها...








