عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

نجلاء نصير: جماليات التناص والمفارقة في القصة القصيرة جداً

هندسة القفلة وأفق الاستجابة بمجموعة "حدث مألوف" للدكتور مصطفى عطية جمعة.. دراسة بينية تطبيقية

المقدمة: يشهد الخطاب النقدي المعاصر تحولاً جذرياً نحو "البينية" (Interdisciplinarity)، حيث لم يعد النص الأدبي مجرد بنية لغوية مغلقة، بل فضاءً تتقاطع فيه أبعاد نفسية، واجتماعية، وفلسفية، وبصرية. وتعد "القصة القصيرة جداً" (ق.ق.ج) المختبر الأبرز لتطبيق آليات النقد الحديث؛ نظراً لطبيعتها القائمة على التكثيف الشديد، والاتكاء على المرجعية البصرية، والضربة المفاجئة التي تستدعي دوراً نشطاً من القارئ لإعادة بناء الدلالة.

إن القَفلة في البناء السردي القصصي المتنوع، لا سيما في القصة القصيرة جداً، ما هي إلا الخاتمة في البناء النصي الشعري، أو قفلة "الخرجة" في النص الشعري التوشيحي الأندلسي؛ حيث يسعى القاص من خلالها إلى إنهاء بنائه السردي بنمط مميز ومبتكر يصدم المتلقي ويمور بالمعاني والدلالات. ويعد كتاب «القصة القصيرة جداً» للناقد أحمد جاسم الحسين المرجع التأسيسي الأول في تقعيد هذا الفن وتأصيل أركانه؛ حيث يبرز كيف يستطيع هذا النمط المكثف "تمثيل كل محتوى أو مضامين عدة في بنية قصصية واحدة".

تهدف هذه الدراسة التطبيقية المعمقة إلى مقاربة مجموعة «حدث مألوف» (2023) للدكتور مصطفى عطية جمعة الصادرة عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام، متبنيةً إطاراً نقدياً يدمج بين أركان الحسين الأربعة لتمثيل المحتوى، ومنظومة القفلات الخمس، وآليات سيميائية العتبات ونقد استجابة القارئ، لفك شفرات هذا المنجز الإبداعي.

أولاً: أفق التلقي والوعي التجنيسي للمجموعة (سيميائية العتبات)

ينطلق التنظير النقدي من مسألة "التلقي"؛ لأن لوازم هذا الفن (التكثيف، القصر، الانتقال السريع) تتطلب متلقياً فعالاً يشارك في بناء النص وإنتاجه بدلاً من مجرد استهلاكه. ويتجلى هذا العقد النصي أو الاتفاق الخطابي بين المبدع والقارئ في مجموعة «حدث مألوف» عبر ثلاثة مستويات رئيسية:

1. عتبة المصطلح والتجنيس: أفصح المؤلف صراحة على الغلاف الخارجي والداخلي عن مصطلح «قصص قصيرة جداً». هذا المسمى يؤكد على سمتين رئيسيتين هما: القصصية والقصر الشديد، وهو يمثل وعياً قبلياً يُهييء أفق انتظار القارئ ويحدد آليات تعامله مع النص.

2. سيميائية الغلاف والزمن (ملف "حدث مألوف-غلاف.jpg.jpg"): يقوم الغلاف على بنية بصرية دالة؛ خلفية داكنة، ساعة جيب معلّقة بخيط رفيع، وعنوان أصفر بارز يمنحه حضورًا صادمًا وسط العتمة.

-الساعة والزمن: القصة القصيرة جدًا ومضة خاطفة، والساعة رمز للزمن الإنساني الذي يكشف الأشخاص عندما تضغط عليهم اللحظة.

-الخيط والهشاشة: الساعة معلّقة بخيط رفيع، ينسجم مع العلاقات الإنسانية في المجموعة المعلقة بخيط رفيع مهدد (زوجية، ستر، أو حلم).

- الغلاف الخلفي كبيان جمالي: يصرّح النص المكتوب خلف الغلاف بأن للحياة وجوهاً عدة؛ منها وجه مخبوء وثالث مفضوح، وهو ما ينسجم مع نصوص المجموعة التي تكثّف موقفًا صغيرًا لتستخرج منه دلالة اجتماعية أو أخلاقية عميقة.

3. طبقات الوعي بالقراءة والفراغات النصية: عند الدخول إلى المتن، يصطدم وعي القارئ المحايث بنصوص مليئة بمساحات الصمت أو الفراغات وفق نظرية "فولفغانغ إيسر" ويتمثل ذلك في قصة " جملة غير تامة "ص66، ينفتح النص على سيرورة تأويل لامتناهية عبر نهايته المتمثلة في نقاط الحذف: «أنتما جُملة، بدأت بكلمة، وانتهت بنقاط». النقاط هنا ليست مجرد علامة ترقيم، بل هي فراغ نصي يستدعي قارئاً مؤولاً يشارك في صياغة الفقد العاطفي الممتد لسنوات.

ثانياً: تطبيق الأركان الأربعة المؤسسة للجنس الأدبي (1)

1. ركن القصصية واختزال الحكاية: تعني القصصية حمولة الأحداث المنتخبة بدقة والمصوغة في نسج لغوي مشوق لا يميل للاستطراد الحكائي. النص هنا لا يعنى بتقديم الصراع مع خلفياته ومسبباته، بل يلتقطه لحظة ذروة تصعيده.

في قصة (صفعتان)ص35، يبنى المتن السردي على  فعل حركي مكرر: صفعة عند إغلاق محل الذهب ليلاً وصفعة أخرى عند فتحه صباحاً. يبدأ الكاتب مباشرة من ذروة الحدث: «وهو يغلق محله ليلاً، رنّت صفعة على قفاه...». تضغط القصة الزمن والخلفيات البوليسية لتوفر تشويقاً مكثفاً يضع القارئ في قلب الصراع مباشرة.

ركن التكثيف والاقتصاد اللغوي: لا يعني التكثيف القصر الشديد للغة فحسب، بل يفرض عجن جملة من العناصر الفكرية والموضوعاتية في بنية مكثفة بالدلالات والقبض على نبض الحدث وهو في حالة توهج وانبثاق.

يتجلى قمة التكثيف الإيحائي في قصة "ابتلاء"ص16، حيث تصور فاجعة إنسانية كبرى (موت الابنة الوحيدة) في سطرين مقتصدين لغوياً تنتهي بعبارة تمثل ذروة التسليم بقضاء الله: «ماتت ابنته الوحيدة، فقال لأصحابه: تعلق قلبي بها، فأراد الله قلبي له». اقتصر الكاتب هنا على لحظة التوهج الروحية والعمق الفكري دون إخلال.

ركن وحدة الفكر والموضوع: يعني هذا الركن أن تتواشج مجموعة من الأفكار والحوادث التي قد تبدو متشظية سطحياً، لتلتقي في مستوى دلالي عميق يشترك في فكرة أساسية واحدة تؤدي إلى المعنى المراد.

التطبيق: في قصة "التذكرة"ص96، تتوحد عناصر النص (نسيان المحفظة، شهامة الغريب) حول فكرة "توارث المعروف" عبر القفلة الحوارية: «يومًا ما، فعل أحدهم معي مثلما فعلت، ثم رحل». كل تفصيل يخدم فكرة واحدة: الخير سلسلة متصلة لا تنقطع.

2. ركن الجرأة وكشف المسكوت عنه: تمثل الجرأة دعوة مبطنة لإعادة النظر بكثير مما اعتدنا عليه، وإعادة مساءلة البديهيات الاجتماعية والحياتية المسكوت عنها من خلال الخروج عن مألوف العادات والمعطيات الأخلاقية.

يمارس الكاتب هذه الجرأة التعرية في قصة "عقوق"ص47، حين يصور تناقضاً سلوكياً حاداً؛ حيث يتصارع البطل مع أخيه، ويحلف بالطلاق ثلاثاً ألا يعتذر له طاعة لوالديه، ثم يطلب من زوجته البحث عن "محلل" بحجة أن عصيان الوالد عقوق! تكمن الجرأة هنا في فضح الازدواجية بين المظهر القيمي والسلوك الفاسد. وتتوازى معها قصة (شهوة) ص75 التي تفضح استغلال السمت الديني غطاءً لتعدد الزيجات السرية وتبرير النزوات الشخصية.

ثالثاً: التقانات الفنية المتواترة وأدبية تمثيل المحتوى (التناص والمفارقة)

وهي عناصر متحركة تظهر وتختفي حسب حاجة المضمون الذي يخلق شكله الخاص. وتتجلى في المجموعة كالآتي:

أولا: التناص وأنواعه وأبعاده الإيحائية

لم يكن التناص في مجموعة «حدث مألوف» مجرد استدعاء آلي أو زخرفة نصية، بل تحول إلى أداة اختزال بانية تشحن النص القصير جداً بظلال دلالية ممتدة تحيل إلى الذاكرة الثقافية والدينية المشتركة. وتتوزع أنماط التناص بالمجموعة إلى نوعين رئيسيين:

التناص الديني (القرآني البنيوي): يتجلى هذا النمط بأعلى مستويات التوظيف الجمالي في قصة" رزق الفجرية" ص69؛ إذ يتناص المتن السردي بنيوياً ولفظياً مع قصة مريم -عليها السلام- في القرآن الكريم سورة مريم الآية 23: «فَأَجَاءَهَا المخاض إلى جذع نخلة.ابتهلت إلى الله، فلا مخلوق حولها». هذا التناص يرفع الفعل اليومي البسيط (امرأة ريفية كادحة تحلب جاموستها في الفجر) من عاديتّه ليضفي عليه غلالة من القداسة والصبر الأخلاقي والفرج الإلهي المباشر الذي ينتهي بالرزق والولادة. كما يتقاطع التناص الديني القائم على تمثل المفهوم الروحي في قصة "بتلاء" ص16 عبر عبارة التسليم المطلق: «تعلق قلبي بها، فأراد الله قلبي له»، التي تعيد إنتاج قيم الابتلاء والرضا التراثية بأقل مساحة لغوية ممكنة.

التناص التاريخي والتراثي: يبرز هذا التناص عبر استدعاء الحقب الرمزية والأسماء لإحداث تباين دلالي بين حركية الحاضر وثبات الماضي، كما في قصة "ضدية " ص31؛ حيث يُشير النص إلى اسم البطل الذي "يعود إلى العصر المملوكي". هذا الاستدعاء التراثي يمنح الشخصية ثقلاً مرجعياً يُسهم في تعميق مأزقها النفسي والموقفي أثناء مقابلة العمل.

ثانيًا: الترميز والتمثيل البصري

في قصة "المظلة" ص90–91، يتم توظيف المظلة والظل المشترك بين مسنين في حواري غزة المدمرة. المظلة هنا تخرج من ماديتها الصامتة لتتحول عبر صياغتها السردية إلى رمز لتداول الرحمة والعون الإنساني المتوارث. وتتآخى معها قصة "الضحكة الحلوة" ص88-89؛ حيث تتحول الصورة الفوتوغرافية وعلامة النصر فوق ركام ملجأ الأونروا إلى علامات رمزية صامدة تصنع الأمل من قلب الانكسار.

ثالثًا: المفارقة وأنواعها الكاشفة للواقع

تُمثل المفارقة (Irony) العصب المحرك للـ (ق.ق.ج) في المجموعة؛ فهي أداة تعرية اجتماعية وأخلاقية تصدم أفق انتظار القارئ عبر مستويات ثلاثة:

المفارقة الموقفية (الحدثية الدائرية): وتقوم على التضاد الحاد بين غاية الفعل والنتيجة الفعلية غير المتوقعة التي ينتهي إليها. تظهر هذه المفارقة بقمة توهجها في قصة "صفعتان"ص35؛ حيث يتلقى البطل صفعة ليلاً وصفعة صباحاً فيطارد الجاني حمايةً لذهبه، ليكتشف أن فعل "المطاردة" ذاته كان الثغرة الملعونة التي خطط لها اللصوص لإفراغ المحل تماماً.

المفارقة السلوكية (الاجتماعية والازدواجية القيمية): وتعمل على فضح التناقض الصارخ بين ادعاءات الذات وممارساتها الفجة في الواقع. تتبدى في قصة "عقوق"ص47 من خلال المفارقة الساخرة للبطل الذي يتصارع مع أخيه ويحلف بالطلاق ثلاثاً ألا يعتذر له طاعةً لوالديه، ثم يطلب من زوجته البحث عن "محلل" بحجة أن عصيان الوالد عقوق! وتتوازى معها قصة "شهوة" ص75 التي تفضح المفارقة بين السمت الديني الخارجي (الجلباب القصير واللحية الكثة وانضمامه لجماعة التبليغ) وبين الممارسة المضمرة المتمثلة في استغلال هذا السمت كغطاء لتعدد الزيجات السرية وتبرير النزوات الشخصية.

المفارقة الساخرة الكاشفة (مفارقة) ص46: حيث يشهد الزوج من العين السحرية زوجته وهي تتسلل عائدة من شقة الجار بعباءتها السوداء، لكنه يصدق ادعاءها المباشر بأنها كانت تشتري من البقالة. السخرية والتحامل على الواقع هنا يبلغان ذروتهما في نقد قابلية الفرد لتزييف الحقائق الفجة هرباً من مواجهتها.

رابعًا: هندسة القفلات السردية

يقف نقاد القصة القصيرة جداً أمام تنوع القفلات بوصفها البؤرة التي تنفجر فيها دلالات النص وتمنحه تياراً كهربائياً مباغتاً يُنير أجزاءه السابقة ويمنحه مشروعية فنية. وبتطبيق منظومة الأنواع الخمسة للقَفلات السردية على المجموعة، نجد تجلياتها كالآتي:

1. القَفلة الفضائية (المكان والزمان): وهي القفلة التي تذهب لاستنطاق المكان والزمن وتجلياتهما بوصفهما فضاءً شعورياً يولد المفارقة.

يتجلى ذلك بامتياز في قصة "المدينة أسلفه" ص18، حيث يتنقل البطل برابطة عنقه الزاهية في طرقات المدينة ومولاتها دون أن تلحظه عيون النساء، لتأتي القفلة الفضائية المكانية والزمانية لتعيده إلى جلبابه البلدي ومندرة الدار بالقرية مستحضراً نظرة العروس المتيمة بحياء التي: «جعلت المدينة أسفله». الفضاء هنا (المدينة مقابل القرية) هو الذي صنع المفارقة وفجّر الدلالة.

2. القَفلة الحوارية: تعتمد القفلة هنا على حوار مكثّف يبوح بمشاعر الشخصيات ويسرد الأوجاع المجتمعية صراحة دون حشو.

نجدها في قصة "بإيجاز"ص27، حيث يتدرج النص سردياً عبر بث أشواق العشق ليختم بقفلة حوارية رشيقة وصادمة تلخص أزمة نفسية واجتماعية: «...سألها صراحةً: وماذا عن زوجك؟ أجابته اختصارًا: لا أستطيع العيش دون رجلين"

3. القَفلة التشكيلية (الرسم بالكلمات واللون): وهي القفلة التي تتمازج فيها لغة السرد مع الفن التشكيلي، لترسم الألفاظ لوحة بصرية ملونة تفيض بالإيحاء.

تتجلى القفلة التشكيلية اللونية بوضوح في قصة (نرجسية) ص61؛ حيث يبدأ النص برسم لوحة تشكيلية عبر الكلمات: «يتطلع لعمارته العالية، بدهانها الجديد الفاقع بالأحمر...»، وتكتمل اللوحة التشكيلية البصرية في قفلة النص وحركتها التصاعدية حين تبلغه القابلة بولادة ابنه فيسارع بالصعود صائحاً باسم المولود الجديد كلوحة مكررة تعيد إنتاج ذاته: «- حمودة ابن حمودة». اللون الأحمر الفاقع وحركة الصعود شكّلا ركيزة بصرية أساسية لفهم أبعاد الأنانية والنرجسية.

4. القَفلة التناصية: وهي التي تعتمد على "التعالق النصي" الديني أو التراثي لقول المعنى بكلمات قليلة تحيل إلى خارج النص.

تتبدى القفلة التناصية الدينية بوضوح فائق في قصة "رزق الفجرية" ص69؛ حيث يتناص النص بنيوياً مع قصة مريم العذراء عليها السلام (فأجاءها المخاض إلى جذع نخلة)، مما يضفي غلالة من القداسة والصبر الأخلاقي على كفاح المرأة البسيطة ليعقبها فرج الولادة والرزق العاجل.

5. القَفلة الضدية (مفارقة الضدّ المقلوب): تستنطق هذه القفلة مفارقة ضدية مقلوبة لتصوير أزمات المجتمع وحقوقه الضائعة، أو التعبير عن صدمات الذات المنهكة بين معلن ومغيب.

تبرز في قصة "بلا قهر"ص72، حيث يُبنى النص على مفارقة ضدية جارفة؛ إذ تطلب الزوجة الحبيبة الطلاق بهدوء ودون أسباب (فعل يبدو ظاهرياً جحوداً)، لتأتي القفلة الضدية المقلوبة بعد وفاتها بالسرطان معلنة أنها فعلت ذلك تضحيةً: «...كي لا يقهره العجز لتكلفة علاجها الباهظة». فـ "التحلل من الرباط" انقلب ليصبح "قمة الارتباط والوفاء".

خامسًا: تصنيف القفلات بنيويًا ودلالة تكرار أنماطها

1. القفلة المفتوحة والمغلقة والمزدوجة والدائرية:

القفلة المغلقة: تقدم كشفاً حاسماً يفسر لغز النص تماماً، كما في قصة "صفعتان"ص35 التي أزالت الغموض الخدعي عن سرقة الذهب.

القفلة المفتوحة: تترك المصير معلقاً ويسكنها السؤال، كقصة "رجاء" ص79؛ حيث تطلب الأربعينية الزواج سراً لتحقيق حلم الأمومة، وينتهي النص بإشاحة الرجل بوجهه دون معرفة قراره النهائي.

القفلة المزدوجة: تؤدي وظيفتين معاً؛ تنغلق سردياً وتتفتح وجدانيًا وإنسانيًا، كما في قصة "بلا قهر"ص72، وقصة "الضحكة الحلوة" ص88-89.

القفلة الدائرية: لا تنهي الفعل بل تؤكد تكراره كنمط سلوكي معتاد، كقصة "إغراء"ص41، حيث تعود الفتاة بعد البكاء وحلف الأيمان والتوبة إلى إشارة المرور من جديد، وقصة "حدث مألوف"ص87؛ حيث يتكرر الشجار والتلاسن نهاراً ويعقبه الانسجام الجسدي ليلاً في الفراش نفسه تحت نظر الحارة الصامتة.

2. دور العنونة في دعم القَفلة السردية: يعمل العنوان في المجموعة بوصفه قفلة مؤجلة؛ فالقارئ لا يستوعب حقيقة العتبة إلا بعد مباغتة النهاية. في قصة "بلا قهر"ص72، ينقلب مفهوم القهر؛ فالطلاق لم يكن قسوة بل حماية للزوج من قهر العجز المالي. وفي قصة "حدث مألوف" ص87، يشرح العنوان بنية التكرار الدائري المعتاد؛ مما يجعل "المألوف" علامة على الاعتياد وفقدان القدرة على الدهشة أو الاعتراض.

سادساً: اللغة والأسلوب وتراسل الحواس في المجموعة

تمثل اللغة في مجموعة «حدث مألوف» رافعة بنيوية أساسية تنقل النص من مجرد رصد عابر للحدث اليومي إلى فضاء إنتاج الدلالة العميقة. ولا تقف اللغة عند حدود السرد الإخباري، بل تتحول وفق شروط القصة القصيرة جداً المعاصرة إلى لغة بانية وموحية تعبر عن العوالم الفكرية والنفسية المسكوت عنها. ويمكن رصد أبرز الخصائص الأسلوبية واللغوية على النحو الآتي:

أولا: لغة المشهدية والانزياح البصري

تتميز لغة المجموعة بابتعادها عن الزخرفة البلاغية الثقيلة والمحسنات البديعية المجانية، مائلة عوضاً عن ذلك إلى "اللغة المشهدية" التي تجعل القارئ يرى الموقف السردي سريعاً، ثم تصدمه أو تضيئه في الخاتمة. يتجلى هذا الانزياح الفكري والموضوعاتي من خلال تضافر الكلمات لرسم لوحات حركية ونفسية مكثفة تؤدي وظيفة تعبيرية مباشرة:

أ_رسم ملامح الشخصيات: تلجأ اللغة إلى تصوير التناقض الجسدي والنفسي للشخصيات لتعكس التشوه الداخلي، كما في قصة"متأخراً كان"  ص71: «استغرب من مكياجها على وجهها المتغضن، ومن ملابسها القصيرة على جسمها المتهدل، ومن غنجها المتصنع».

ب- تجسيد الأزمات الاجتماعية: تعتمد اللغة على تصوير فج ومباشر ومكثف للمظاهر القاسية، كما في قصة " وشم"«رأيتُ شريط حذاء على الجبين... قالت: هذا وشم الخيانة». الكاتب هنا يوظف لفظاً يصدم الذات المشرذمة ليعبر عن آفات المجتمع بجرأة فنية تامة.

ثانيا: الإيقاع القصصي السريع وقصر الجمل

يسهم الطابع الإيقاعي السريع للمجموعة في ضبط مسار التلقي؛ حيث يعمد الكاتب إلى تقطيع الجمل وحذف الزوائد اللفظية للتحكم في لحظة توهج الفكرة ودعم ركن التكثيف والاقتصاد اللغوي.

أ-تلاحم الأفعال السردية: تتابع الأفعال بحركية رشيقة تسابق الأحداث، مثل قصة" صفعتان "ص35: «رنّت صفعة على قفاه، فطارد ابن الخسيس... رنّت صفعة أخرى على قفاه، فطارد ابن الخسيس». هذا التتابع الإيقاعي السريع يقمع الترهل الحكائي ويحصر المتلقي في ذروة الصراع.

ب-التكثيف بالقطع والوصل: نجد الجمل تقصر لتتحول إلى ضربات شعورية متلاحقة، كما في قصة "ابتلاء" ص16: «ماتت ابنته الوحيدة، فقال لأصحابه: تعلق قلبي بها، فأراد الله قلبي له». الكلمات هنا محسوبة ومصوغة بأسلوب محكم يجلب الأثر النفسي المباغت في أقل مساحة لغوية ممكنة.

ثالثا: البنية الأسلوبية  (النفي والاستفهام والشرط)

تحرك البنية الأسلوبية في المجموعة عبر توظيف أدوات أسلوبية محددة تعمل كأدوات صدمة وخلخلة لأفق انتظار القارئ، وتسهم بأسلوبها الخاص في تمرير الموضوعات الجريئة:

أ- أسلوب الاستفهام والإنكار: يشتغل الاستفهام في المجموعة لتعميق الحيرة والنقد الساخر للواقع، كما في قصة"من قال لها؟")ص70: «من قال لها؟ أنني أتقبل ثوبها الملطّخ بفرشاة ماسح الأحذية؟!!». وفي قصة "يد القاضي": "فلماذا اليسرى سيدي القاضي؟! ولماذا الظلم سيدي القاضي؟!». يتحول الاستفهام هنا من طلب الفهم إلى صرخة إدانة أخلاقية ووجودية صارمة تفتح الفراغ النصي للتأويل.

ب-أسلوب النفي وعلامات الصد الحكائي: يُشغل الكاتب النفي للتعبير عن الأبواب الموصدة أو التحولات الدائرية التي لا فكاك منها، مثل قصة "الجب"): لكنني لم أجد نفسي في نفسي»، وقصة "حدث مألوف" ص87: «كالمعتاد، لم يتحرك أحد من سكان الحارة». النفي هنا يرسخ "بلادة التكرار" والاعتياد الروتيني الذي يعريه الكاتب.

ج‌- بنية الشرط والتعليق: نجد التلازم الشرطي يوظف لبناء مفارقات قاسية تكشف زيف المظاهر، كما في قصة “المرة

الحادية عشرة " ص40: «- زواج شرعي ... هذا شرطها الذي تقوله بتعال وثقة»؛ حيث تحرك البنية الأسلوبية النص نحو مأزق نفسي تنهار أمامه شروط الشخصية وتوقيعاتها المتعالية.

رابعًا: تراسل الحواس (Synesthesia) كرافعة أسلوبية

يعمد الكاتب إلى تذويب الحدود الفاصلة بين المدركات الحسية (السمع، البصر، اللمس، الشم) لشحن المشهد اليومي بطاقة شعورية ونفسية مكثفة تؤثر في المتلقي مباشرة. ويتجلى ذلك في نصوص المجموعة وفق الآتي:

أ- مزيج السائل بالحركي والسمعي: يظهر هذا التراسل الحسي الباذخ في قصة "بإيجاز"ص27 في العبارة الاستهلالية: «اعتاد أن يسكب في أذنيها العشق تغريدا، والحميمية ترنيما». هنا استعار الكاتب فعل اللمس والتذوق المادي الخاص بالسوائل (يسكب) وجعله واقعاً على قيم معنوية وصوتية سمعية (العشق تغريداً، والحميمية ترنيماً) صُبّت في جارحة السمع (أذنيها)، مما جسّد تجربة الغزل وجعلها ملموسة ومذوقة ذات إيقاع حركي رشيّق.

ب-الصوت المرئي (تحويل السمعي إلى حركة بصرية): يتجلى في قصة (جدران) ص19 عند وصف لحظة إفاقة الزوجة من غيبوبتها وعودة الحياة إلى البيت: «فتراقصت الجدران - في عينيه - مع أنغام صوتها». في هذا المشهد، يتداخل السمع بالبصر؛ إذ لم تكتفِ الأذن بسماع "أنغام الصوت"، بل إن العين رأت ذبذبات هذا الصوت السمعي متجسدة في حركة بصرية مادية راقصة تجاوبت معها "الجدران الصماء"، مما يعكس الفرحة النفسية الداخلية التي أخرجت المكان من جموده.

ج-تجسيد المعنوي وتطايره البصري: يبرز تراسل الحواس عبر نقل الإثم المعنوي إلى مادة مرئية تتطاير في الفضاء الحركي، كما في قصة "مكاشفة") ص86 على لسان إمام المسجد: «الزنا يتطاير من عينيك». فالزنا فعل معنوي/سلوكي غيبي، لكن لغة النص جعلت منه مادة بصرية مرئية ذات كثافة حركية (يتطاير) تخرج من بؤرة العين البصرية، محققةً صدمة شعورية بالغة التأثير تخدم ركن الجرأة ودهشة القفلة الختامية للموقف.

د-المزيج الحسي الشهواني (اللمسي والبصري والشمي): نلحظه في قصة "ندم" ص38 عبر عبارة: «يعود ليلاً، مُفعمًا برائحة النساء»، وقصة"جدران"ص19: «ليونة جسدها تدغدغ أحاسيسه»، وقصة "فتنة" ص62: «تمسح وجهه بفوطة باردة معطرة، تمص وهج قيظ الصيف... وابتسامات أنثوية متتابعة»؛ حيث تتضافر حواس اللمس والشم والبصر لإنتاج مشهد شعوري ونفسي متكامل يقبض على نبض اللحظة الإنسانية وهي في حالة توهج وانبثاق كاملين.

خامسًا: الخصائص المعجمية والدلالية

تتسم مفردات المعجم السردي عند الدكتور مصطفى عطية جمعة بالسهولة الممتنعة والتركيز البالغ؛ فالألفاظ منتقاة من القاموس اليومي المعيش (حافلة، محطة وقود، شركة، بقالة، هاتف محمول، ماسنجر، واتساب) لتعكس فكرة "المألوف" السطحي. إلا أن هذا المعجم البسيط في ظاهره يتشظى سطحياً ليتعاضد في العمق الدلالي نحو إنتاج دلالات رمزية وإنسانية باذخة تخرج بالشيء المادي إلى أفق الأنسنة والترميز (كأنسنة الجدران، وترميز المظلة والظل المشترك، والدهان الأحمر الفاقع كعلامة نرجسية).

سابعاً: أثر المقاربة البينية (Interdisciplinarity) في تفتييت الشفرات النصية لم تكن "البينية" في هذه الدراسة مجرد شعار نظري مضاف، بل كانت هي "العين الراعفة" والآلية الإجرائية التي سمحت بالعبور فوق الحدود الفاصلة بين الحقول المعرفية لاستنطاق النص. وتجلى أثر البينية في تفكيك بنية المجموعة عبر ثلاثة مسارات:

1. التواشج بين البصري (السيميائي) واللغوي (السردي): حيث تم التعامل مع لوحة الغلاف (الخيط، الساعة، الظلمة) ليس بوصفها زينة خارجية، بل باعتبارها "بنية دالة" وشفرة بصرية سيميائية سابقة تضيء عتمة النصوص وتوجه حركة القارئ داخل المتن.

2. التقاطع بين علم النفس والجماليات (تراسل الحواس وسيكولوجية النرجسية): من خلال استثمار علم النفس في تحليل قصة (نرجسية)، حيث لم يُدرس اللون الأحمر الفاقع وحركة الصعود بوصفهما زخرفة بلاغية، بل كعقيدة سيكولوجية متكاملة تفسر تضخم الذات والأنانية الإنسانية، فضلاً عن إذابة الحدود الفاصلة بين الحواس (تراسل الحواس) الذي نقل النص من خانة الوصف التقريري إلى خانة التجسيد النفسي الحي.

3. التكامل بين السوسيولوجيا (علم الاجتماع) والتشكيل البنيوي: عبر تفكيك أسلوب النفي، وعلامات الصد الحكائي، ومفارقات الازدواجية القيمية (في قصص مثل "عقوق" و"شهوة")؛ إذ تحولت الأدوات اللغوية المحايدة إلى مجاهر سوسيولوجية تعري التشوهات الأخلاقية والبلادة الروتينية في المجتمع العربي المعاصر.

خاتمة

تثبت مجموعة «حدث مألوف» للدكتور مصطفى عطية جمعة المقاصد الجوهريّة والنتائج التي انتهى إليها النقد المعاصر للقصة القصيرة جداً؛ فالعمل يؤكد أن "المضمون المتميز يخلق شكلاً خاصاً به"، وأن هذا الفن قائم بذاته، له أركانه وتقنياته التي يجب تلقيها من ذاتها دون خلط أجناسي.

وعبر تلاحم الاقتصاد اللغوي، وجرأة التناول، وعمق القفلات، وتنوع التناصات، وتوهج المفارقات، وتراسل الحواس؛ استطاع الكاتب صهر هموم الإنسان العربي المعاصر وتجسيد أعمق لحظاته الإنسانية، محولاً الحدث المألوف السطحي إلى نص معرفي وثقافي يحث على إعادة المساءلة وتفكيك بلادة التكرار.

وتتأكد القيمة المضافة لهذه الدراسة في اعتمادها على المنهج البيني؛ إذ نجحت القراءة في هدم الجدران العازلة بين النقد النصي الضيق، وسيميائية البصريات، وعلم النفس السلوكي، والسوسيولوجيا الثقافية. هذا التمازج المعرفي هو الذي سمح بتحويل "الفراغات النصية" ونقاط الحذف عند (إيسر/إيريز) من مجرد علامات ترقيم صامتة إلى مساحات مشحونة بالدلالات الوجودية والنفسية، وأتاح فهم "هندسة القفلة" ليس بوصفها نهاية فنية مباغتة فحسب، بل باعتبارها نقطة انفجار دلالي ومعرفي تتشابك فيها أبعاد الوعي الإنساني، وتتحرك من خلالها استجابة المتلقي لإعادة إنتاج النص وتأويله.

إن مصطفى عطية جمعة يبني مجموعته على معادلة فنية دقيقة: حدث يومي صغير، سرد مقتصد ومكثف، وقفلة مباغتة ومدهشة، تفضي في النهاية إلى دلالة إنسانية واسعة؛ ليؤكد أن هذا الجنس الأدبي ليس فناً لرصد العادي، بل هو التقاط بليغ للعميق والمدهش المستتر في قلب العادي والمألوف.

***

د. نجلاء نصير

..................

المصادر والمراجع

1. الملفات المستند إليها في التوثيق النصي والسيميائي:

1- ملف متن المجموعة القصصية: "حدث مألوف-متن.pdf".

2- ملف غلاف المجموعة: "حدث مألوف-غلاف.jpg.jpg".

2. المراجع النقدية والأكاديمية المعاصرة:

المراجع النقدية والأكاديمية المعاصرة (بعد التنسيق وإضافة المراجع البينية بصيغة "يُنظر"):

1- الحسين، أحمد جاسم. (2000). القصة القصيرة جدًا. دمشق: دار الأوائل للنشر والتوزيع.

2- خلف، جاسم إلياس. (2010). شعرية القصة القصيرة جدًا. دمشق: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع.

3- حطيني، يوسف. (2004). القصة القصيرة جدًا بين النظرية والتطبيق: الجذور، الواقع، الآفاق. دمشق: الأوائل للنشر والتوزيع.

4- النية، بوبكر، وبن خليفة، مشري. (2018). القصة القصيرة جدًا وأدبية تمثيل المحتوى: قراءة في كتاب القصة القصيرة جدًا لأحمد جاسم الحسين نموذجًا. مجلة الباحث، المجلد 10، العدد 03، ص 77–91.

5- يقطين، سعيد. (1997). تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير. الدار البيضاء/بيروت: المركز الثقافي العربي، ط3.

6- يُنظر: زيتون، علي. (2010). الدراسات البينية والتحليل الثقافي للأدب. بيروت: دار النهضة العربية.

7- يُنظر: عز الدين، يوسف. (2005). تداخل المناهج النقديّة والعلوم الإنسانية في تحليل النص الأدبي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

 

في المثقف اليوم