قراءات نقدية

سامي البدري: الزمن صفر لكتابة الرواية

لطالما تساءلت لم لا نكتب رواية (بلا مشاكل) أي لا تبعث الغم في نفس القارئ. ماذا يعني هذا، وهل يمكن كتابة رواية بلا مشاكل؟ كيف سيكون شكل الرواية بلا مشاكل؟ ماذا ستعرض وماذا ستعالج، لكي تستوفي عناصر السرد واشتراطاته لتكون رواية وتستهوي القارئ وتشده لقراءتها؟ الإجابة ببساطة ستعرض للجانب الثاني من الحياة، جانب اللامشاكل! وهنا سيواجهنا السؤال: هل هناك وجه بلا مشاكل للحياة؟ أين يكون هذا الوجه، ما هي صفاته، ولمن يظلل بنعيمه أو من يعيش فيه؟ على أي أسس أو وفق أي اشتراطات يقوم؟ ما هو شكل الحياة فيه ووفق أي تضاريس يسير؟ حياة بلا مشاكل؟ ما طعمها يا ترى وبأي حواس ووعي سيتلقاها الإنسان؟ والأهم من كل هذا، هل ستحتاج حياة بلا مشاكل للرواية؟ عم ستكتب الرواية في دورة حياة بلا مشاكل؟ عن الجانب الثاني منها، كما أسلفنا.. نعم، ولكن ما شكل وصفات الجانب الذي بلا مشاكل من الحياة؟ والإجابة البديهية على هذا السؤال محكومة بسؤال (الجنحة) الفلسفية: ومن قال أو فرض أن الحياة يجب أن تكون بمشاكل لتكون حياة؟ لا أحد… نحن فقط نعمم وضع ما ألفنا.. إذن ما هو شكل الحياة في الجانب المشرق منها، الجانب الذي بلا مشاكل؟ الإجابة البدهية هي إنه بلا مشاكل! بلا مشاكل على الإطلاق أم بلا مشاكل من النوع الذي ألفنا؟ سنفترض أن السؤالين وجهان لعملة واحدة، بحكم أننا نعجز عن تصنيف ما نجهل، وعليه سنسلم أن الوجه الثاني من الحياة صافٍ ولا تكدره المشاكل. عم سنكتب في حياة بلا مشاكل إذن، لنخرج للمتلقي برواية ممتعة؟ ومن قال أن الرواية الممتعة يجب أن تكون عن مشاكل أو تعرض لها؟ ماذا تعرض الرواية إذن أو عم تكون، إن لم تعرض لإحدى مشاكل الإنسان في الحياة؟ الأديان اقترحت الجنة (كمكان للنعيم وخالي من أي شكل من أشكال التعب) كوجه ثانٍ لوجه مشاكل الحياة، وقد قبل أغلب البشر هذه الرؤية، رغم بساطتها، كتصور محدود السقف وبأفق ضيق، لكون أثره لا يتعدى عملية إشباع الغرائز. في حين يقترح التصور الفلسفي امتلاك كل ما هو أصيل وعصي على الفقد. ولكن ما هو الشيء أو الأشياء التي لا يمكن فقدها أو لا يجب أن تزول أو تتبدد؟ هو أو هي كل ما ينحصر بالجانب الاعتباري طبعاً ولا يحكمه زمننا الوجودي المرهونين له، أي هو كل ما يطفو بنا على الجوانب المادية - الغريزية، التي تمثل مشاكلنا التي نكتب الرواية (حالياً) من أجل عرضها والبحث عن حلول لها.

إذن هل كل الأمر يتعلق بزمننا الوجودي الذي نعيشه ونعيش عبر حسابه؟ وبعبارة أدق، هل هذا المقترح يتعلق بالتحرر من طوق وحصار الزمن الفيزيائي الذي يحكمنا أي يحكم وجودنا أو دورة حياتنا القصيرة؟

في أعماق كل منا صوت محتج ومتلهف يسعى للتحرر وكسر قيد زمننا الوجودي القصير الذي ولدنا تحت سقفه. وهذا مرده حس عميق وأصيل أن زمننا الذاتي (الزمن الذي تعيشه ذواتنا في الحياة) ضيق، مبتسر، وبسقف واطئ لا يسمح لنا برفع رؤوسنا إلى المدى الذي نصبو إليه. ومن نافلة القول أن نذكر أن أغلبنا يصبو بالفعل، وبحس عميق وكثيف، لكسر حدود زمنه الذاتي والتمدد في زمن أعمق و(أكبر)، يناسب حسه بأهميته، أي بأنه محور هذا العالم، على أقل تقدير، وليس مجرد ترس صغير قابل للعطب في أي لحظة، لأن أكثر ما يثير غضب الإنسان هو ألا تكون دورة ذاته ووجهتها بلا أهمية، بل وبالأهمية الأولى، فيي حسابات الحياة.

زمننا الذاتي (زمن كل ذات) غامض وملتبس، وكل همه أن يقنع كل منا (على حدة) بأنه فرصتنا المثالية والكافية، في حين أن كل جزء في تركيبنا الداخلي المعقد، لا (يفكر) ولا يسعى لغير كسر طوقه والتحرر من قيده لدخول عالم الزمن المفتوح الذي نملكه نحن ولا يملك دورة حياتنا، كما هو الأمر مع زمننا الوجودي الراهن الذي ينتهي بنا إلى الموت.

أي زمن إذن الذي يجب أن تكتب عنه الرواية وتكون فيه خالصة لمتعة القارئ؟ وهذا يسحبنا لسؤال هل ثمة زمن بلا مشاكل؟ متى يعيشه الإنسان؟

إنه زمن التحرر من كل ما هو حسي، أي زمن الحرية المطلقة التي يطفو عبرها الإنسان على كل ما هو غريزي وحسي.

والسؤال الآن هو.. وعم يمكن الكتابة حينها، أعني في زمن اللحظة صفر، أي اللحظة النقية وغير المحدودة؟

عن كل ما هو أصيل وعصي على الفقد، وبالتالي يليق بكبرياء الكيان الإنساني وحرمة ذاته الفردية.

هل يعني هذا أن نحصر الجهد الروائي في ما هو ثقافي (أي الزمن الثقافي، إذا جاز التعبير) ونهمل ما هو تاريخي، أي الزمن المعيشي أو اليومي؟

برأيي هذا ما وجدت الرواية لأجله، ببساطة لأنها أول ما كتبت فإنما كتبت (في أوربا) للمتعة وتبديد ثقل ليالي الشتاء الطويلة والقارسة البرودة.. الجلوس أمام نار موقد النار والاستغراق في قراءة ما ينسجه الخيال…. ومن لا خيال له فما هو بروائي! وعلى هذا الأساس ولدت المدارس النقدية الأوربية، من أجل ملاحقة وتحليل البناء الفني والإشاري للرواية، وليس للقبض على رسالتها ومحاكمتها على أهدافها.

وربما تهويمة الروائية الفرنسية، جورج ساند، تضيء لنا هذا الجانب، وملخصها (الإنسان طيب وشرير، لكنه أيضاُ شيء آخر…).. ما هو هذا الشيء الآخر؟

هذا ما يجب أن تقام وتكتب من أجله الرواية (شيء الإنسان الآخر…)… وربما هو بحثه عما لا يمكن فقده… مدفوعاً بحسه العميق بأصالته الذاتية وإنه محور الحياة الذي لا يجب فقده!

هل يجب أن يُفقد الإنسان؟

على الأقل لا إنسان يقول هذا وهو غير هرم وبصحة جيدة!

هل ثمة صوت (يقول، أي يفكر بعمق ويسأل) غير صوت الإنسان في هذا الوجود؟

أنا لم أسمع صوت ثانِ!

***

سامي البدري

في المثقف اليوم