عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: حروف الجر الأصلية والزائدة والشبيهة بالزائدة

دراسة نحوية ودلالية في ضوء آراء البصريين والكوفيين

تُعَدُّ حروف الجر من أكثر الأدوات النحوية أثرًا في بناء المعنى العربي؛ فهي الجسور الدقيقة التي تصل بين أجزاء الكلام، وتُحدِّد العلاقات الدلالية بين الأسماء والأفعال، حتى غدت من أهم أبواب النحو التي تكشف عن عبقرية العربية في الاقتصاد اللفظي والإحكام التركيبي. غير أن النحاة لم يقفوا عند الحروف التي تؤدي معنى الجر على وجه الأصالة، بل تجاوزوا ذلك إلى دراسة ما سُمِّي بالحروف الزائدة والحروف الشبيهة بالزائدة، فدار حولها جدل طويل بين مدارس النحو والتفسير والبلاغة، وتباينت مواقف البصريين والكوفيين في تفسير وظائفها وأثرها في المعنى والإعراب.

أولاً: مفهوم حرف الجر الأصلي

حرف الجر الأصلي هو الذي يؤدي معنى جديدًا في التركيب، ولا يستقيم المقصود بدونه، ويحتاج إلى متعلَّق يرتبط به من فعل أو شبهه.

نحو:

١- سافرتُ إلى دمشق.

٢- مررتُ بزيدٍ.

٣- جلستُ في البيت.

فكل حرف من هذه الحروف أضاف معنى خاصاً؛ فـ«إلى» أفادت انتهاء الغاية، و«الباء» أفادت الإلصاق أو المصاحبة، و«في» أفادت الظرفية.

وقد أجمع البصريون والكوفيون على أن الأصل في حروف الجر أن تكون عاملةً معنىً وإعراباً معاً، وأن الجر فرع عن الدلالة التي يقتضيها الحرف.

ثانياً: مفهوم حرف الجر الزائد

لا يعني وصف الحرف بالزيادة أنه عبث لغوي أو فضلة يمكن الاستغناء عنها دون أثر، كما قد يتوهم بعض المبتدئين؛ فالزيادة عند النحاة مصطلح فني يراد به أن الحرف لم يأت لإحداث معنى نحوي جديد بين ركني الجملة، وإنما جيء به لتوكيد المعنى وتقويته أو لتحقيق غرض بلاغي.

قال علماء العربية: «الزيادة لا تعني انعدام الفائدة، وإنما تعني عدم الاحتياج إليها في أصل الإسناد».

فالاسم بعد الحرف الزائد يكون:

مجروراً لفظاً.

مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً محلًّا بحسب موقعه الأصلي في الجملة.

- موقف البصريين من الزيادة:

كان البصريون أكثر تحفظاً في إطلاق مصطلح الزيادة، ورأى كثير منهم أن الحرف الزائد لا يخلو من فائدة معنوية، وأن وصفه بالزيادة لا يعني خلوَّه من الدلالة.

وقد نُقل عن سيبويه وأتباعه أن الزيادة إنما تكون للتوكيد وتقوية الكلام، لا لإلغاء المعنى.

- موقف الكوفيين من الزيادة:

أما الكوفيون فكانوا أوسع مذهباً في إجازة الزيادة، وأكثر تساهلًا في عدِّ الحروف زائدةً، حتى إنهم أجازوا زيادة بعض الحروف في مواضع أنكرها البصريون.

ومن هنا كثرت في كتب الكوفيين الشواهد التي يُحكم فيها بالزيادة، بينما يميل البصريون إلى تأويل الحرف على معنى أصلي متى أمكن ذلك.

أشهر حروف الجر الزائدة

1- «مِنْ» الزائدة

تُعَدُّ أكثر الحروف وروداً في باب الزيادة.

شروط زيادتها عند جمهور النحاة

أن تُسبق بنفي أو شبهه.

أن يكون الاسم بعدها نكرة.

ومن أمثلتها:

﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾

﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾

﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾

فكلمة «بشير» و«خالق» و«إله» مجرورة لفظاً بـ«من»، لكنها في الأصل مرفوعة أو بحسب موقعها الإعرابي.

ويرى البلاغيون أن «من» هنا أفادت استغراق أفراد الجنس كله، فكأن المعنى: ما جاءنا أيُّ بشيرٍ قط.

٢- الباء الزائدة

من أشهر مواضعها:

أ- في خبر «ليس»

قال تعالى:

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾

وقال العرب:

«لستُ بمهملٍ واجبي».

فـ«كافٍ» و«مهملٍ» خبران لـ«ليس» مجروران لفظاً بالباء.

ب- في فاعل «كَفَى»

قال تعالى:

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾

وقال:

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾

فلفظ الجلالة فاعل في المعنى، مجرور في اللفظ.

ويرى النحاة أن دخول الباء هنا يفيد تعظيم الفاعل وتقوية الحكم.

٣- الكاف الزائدة:

وهي أقل الحروف وروداً.

ومن أشهر شواهدها قوله تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾

وقد اختلف العلماء في توجيه الآية:

- رأي البصريين:

ذهب كثير منهم إلى أن الكاف زائدة للتوكيد، والمعنى:

«ليس مثله شيء».

رأي آخر

ذهب بعض المفسرين واللغويين إلى أن الكاف ليست زائدة، بل جيء بها للمبالغة في نفي المماثلة، فيكون المعنى أبلغ من مجرد قولنا: «ليس مثله شيء».

وهذا الاتجاه ينسجم مع منهج كثير من العلماء الذين يتحرجون من إطلاق لفظ الزيادة على ألفاظ القرآن الكريم.

ثالثاً: حرف الجر الشبيه بالزائد

إذا كان الحرف الزائد لا يضيف معنىً جديدًا في أصل التركيب، فإن الحرف الشبيه بالزائد يختلف عنه؛ لأنه يفيد معنىً دلاليًا واضحاً، لكنه لا يحتاج إلى متعلَّق.

وأشهره بل يكاد يكون الوحيد:

«رُبَّ»

لماذا سميت شبيهة بالزائدة؟

لأنها:

لا تتعلق بفعل أو شبهه.

لكنها تؤدي معنىً خاصاً.

وتؤثر في الإعراب.

فهي تشبه الحرف الزائد من جهة عدم التعلق، وتخالفه من جهة إفادة المعنى.

دلالتها

اختلف النحاة فيها:

رأي البصريين

غلب على البصريين القول بأنها للتقليل.

مثل:

«رُبَّ رجلٍ كريمٍ لقيتُ.»

أي قليل من الرجال تتوافر فيهم هذه الصفة.

- رأي الكوفيين:

ذهب كثير منهم إلى أنها قد تكون للتقليل وقد تكون للتكثير بحسب السياق.

ومن شواهد التكثير قول الشاعر:

ربَّ يومٍ بكيتُ منه فلما

صرتُ في غيره بكيتُ عليه

فالمقصود هنا كثرة الأيام لا قلتها.

وهذا الرأي هو الذي استقر عليه أكثر المتأخرين؛ لأن الاستعمال العربي يشهد للأمرين معًا.

شروطها

تدخل على النكرات غالبًا.

تجر الاسم بعدها لفظًا.

لا تحتاج إلى متعلَّق.

نحو:

«رُبَّ أخٍ لم تلده أمك.»

فـ«أخٍ» اسم مجرور برب.

«رب» مع «ما» الكافة

إذا دخلت عليها «ما» كُفَّت عن العمل غالبًا.

مثل:

«ربما ينجح المجتهد.»

فدخلت حينئذ على الجملة الفعلية.

الفرق بين الحرف الأصلي والزائد والشبيه بالزائد

الحرف الأصلي: يفيد معنى جديدًا ويحتاج إلى متعلق، مثل: ذهبتُ إلى المدرسة.

الحرف الزائد: لا يفيد معنى إسناديًا جديدًا، وإنما يفيد التوكيد، ولا يحتاج إلى متعلق، مثل: ما جاءني من أحد.

الحرف الشبيه بالزائد: يفيد معنى خاصًا، ولا يحتاج إلى متعلق، مثل: ربَّ أخٍ وفيٍّ.

بين النحو والبلاغة: هل توجد زيادة حقيقية في العربية؟

هذه المسألة من أعمق المسائل التي ناقشها اللغويون والمفسرون.

فقد ذهب فريق من العلماء إلى أن وصف بعض الحروف بالزيادة اصطلاح نحوي محض، أما من جهة البلاغة فلا يوجد في القرآن ولا في فصيح الكلام ما هو خالٍ من الفائدة.

وكان من أشهر القائلين بذلك طائفة من المفسرين والبلاغيين الذين رأوا أن كل حرف في العربية يؤدي وظيفة معنوية أو إيقاعية أو تأكيدية، وأن «الزيادة» تعني زيادة في المبنى لخدمة المعنى، لا عبثًا ولا حشوًا.

ومن هنا اشتهرت القاعدة البلاغية:

«زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.»

خاتمة

تكشف دراسة حروف الجر الأصلية والزائدة والشبيهة بالزائدة عن دقة الصناعة النحوية العربية وعمق الصلة بين الإعراب والدلالة. فالحرف الأصلي يبني العلاقات المعنوية بين أجزاء الكلام، والحرف الزائد يقوي المعنى ويؤكده دون أن يغيّر أصل الإسناد، أما الحرف الشبيه بالزائد فيقف منزلةً بين المنزلتين؛ إذ يحمل دلالة خاصة مع استغنائه عن التعلّق. وقد أظهر الخلاف بين البصريين والكوفيين ثراء التراث النحوي العربي، حيث لم يكن اختلافهم تناقضًا بقدر ما كان تنوعًا في زوايا النظر إلى أسرار اللغة العربية، تلك اللغة التي جعلت من الحرف الواحد عالمًا من الدلالات والإيحاءات.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين