عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عبد النبي بزاز: الكشف عن بعض الجوانب المستورة في علاقة المرأة بالرجل

في قصص: "مضاجع ملغومة"

لعل ما يميز المجموعة القصصية " مضاجع ملغومة " للقاصة المغربية نعيمة القضيوي الإدريسي هو لغة الكشف والفضح بنبشها في خبايا وخفايا تندرج ضمن المسكوت عنه خصوصا فيما يربط علاقة المرأة بالرجل في جوانبها الحميمية، وما يحيط بها، ويطوقها من علائق تدخل ضمن خانة العادات والتقاليد بحمولاتها الراسخة التي تشكل قاعدة وقناعة لدى فئات عريضة من أفراد العائلات والمجتمع. وهو ما يطالعنا منذ النص الأول " سرير مقعر"، الذي كشف عن علاقة متخيلة بين الرجل الأنيق الذي تُدَوِّخ رائحة عطره، ومظهره المبهر الكثير من نساء الإقامة التي يقيم بها، مما جعلهن ينسجن خيوط علاقة تجمعه بأرملة شابة تقطن في نفس الإقامة، وما تتميز به من جمال، وهو ما لاحظته من خلال ما راج حول علاقته بها من إشاعات: " أمشي بزهو، أعرف أنهن يخفن جمالي، اتسعت رقعة الإشاعات عني حكاياتهن عن علاقتي بجاري الذي بابه قبالة بابي، جاري الذي من كثرة الإشاعات تمنيت رؤيته وشكره، لأنه جعلني محطة تلوكها لكالألسن، بعد أن كنت في مقبرة النسيان.. " ص12، وهو أمر استحسنته لأنه أخرجها من دائرة التهميش إلى أضواء الاهتمام، وقد راقها ذلك أكثر حين جمعهما سرير واحد في علاقة حميمية لتغدو الإشاعة حقيقة أسعدتها كثيرا: " جرني من يدي وبصمت دخلنا غرفة ثالثة، قارعنا نخب لقائنا، من يومها أخرست الإشاعات، لكن لا أحد يعلم أننا شاركنا سريعا مقعرا..." ص13، فتتوالى الحكايا تباعا داخل متن المجموعة كما في قصة " سر الوجع " التي تروي حكاية فتاة عانت من السلوكات الشاذة لزوج أمها كما تحكي ذلك: " وأنا صغيرة كان زوج أمي يقوم بتحميمي، ودوما أشعر بأصابعه تتمادى.. في يوم وأنا نائمة أحسست بجسد يلامسني استيقظت مذعورة، وجدته بجانبي.. " ص23، قصة فتاة هي ضحية لتفكك أسري ابتعدت بسببه عن والدها الذي تفارق مع والدتها عقب مشاكل اختزلتها في إقباله على شرب الخمر: " لا تسأليني عن السكير لو تذكرك لسأل عنك. " ص24، هذه الأم التي وضعتها بين أحضان زوج عديم الأخلاق قادها إلى التيه في عالم الدعارة والضياع: " قررت التحرر من زوج أمي الذي مارس علي كل أشكال الغواية وعلمني كيف أخرج لدرب الدعارة من بابه الواسع.. ولا أعرف لي قريبة، أعرف أمي التي لا تلزم البيت كثيرا وتتركني مع الحمار الوحشي ينهش لحمي ويلقنني فنون العهر.. " ص25، إلى أن أصيبت بمرض عضال قربها من موت وشيك: " وسأموت قريبا، دفعت ثمن خطيئة لم أخترها بإرادتي ولم أحاول الانعتاق من مسار حياتي، يكفي الآن دائي مميت سيريحني من هذا العالم القذر بكل أدرانه.. " ص27، فتنتقل لتصوير جوانب أخرى مثل حالة دون جوان يعاني من عجز فند كل ادعاءاته لحظة عاشتها بين أحضانه بعد أن كان يشنف مسامعها بحلو الكلام ومعسوله: " كان لا يتوانى في إسماعها من تيسر من الكلام المعسول وتقديم الهدايا.. " ص30، لتتأكد من خطل أقواله، ووهم الصورة التي شيدها كلامه عن نفسه حين قالت: " بدا أن الدنجوان، مجرد سكير وعاشق للعاهرات، ينام على صدورهن ليحكي حكاياته الخيالية، تنتهي بالبكاء على نهودهن وبعدها يخر نائما كالحيوان ليستيقظ صباحا مفتخرا بفحولة واهية.." ص31، بناء على تجربتها معه والتي باءت بالفشل، وآلت إلى الخيبة والخدلان: " وما أن هم بها حتى خذلته فحولته، فأجهش بالبكاء، مثل طفل افتقد أمه، ونام.. بينما هي باتت تندب خيبنها !" ص31. والمفارقة التي جسدتها قصة فتاة السادسة عشرة وجليستها الضيفة عن العلاقة بين صديقين في قصة " أرجوحة " حين سألتها عن صديقها، وإحساسها حين تجالسه وتختلي به: " ـ تكلمي عن صديقك المقرب، وسيم، عصبي، هادئ كيف هو؟.. كيف تقضيان الوقت بم تشعرين حين يقبلك؟ ويدغدغ نهديك؟.. دعينا نتشارك الأسرار سأحكي لك عن صديقي أيضا.. " ص33، إلا أنها لم تعش أي تجربة من هذا النوع حسب ردها: " ـ لكن ليس لدي صديق، ولم يكن لدي يوما، ما زلت صغيرة على هذا؟!" ص 34، مشجعة إياها على فضح المستور، وكشف علاقتها مع صديقها: " ـ ما تحشميش حنا بنات. " ص34، إلا أن الرد كان حاسما وقاطعا: " القضية وما فيها لا حشمة ولا هم يحزنون، أكون رفقة أختي، ولا أهتم بماذا سأسبح، فإن أغوتني المياه فقد أرتمي بملابسي، لا يشكل الأمر إحراجا لدي. " ص34، بل مستنكرة تدخلها في خصوصياتها، وأمورها الشخصية والذاتية: " ـ وأنت مالك؟، لِمَ كل التحقيق في خصوصياتي؟ " ص 34،ولم يردعها ذلك من الاسترسال في الحديث عن علاقتها بصديقها بشكل سافر ومكشوف قائلة: " لدي صديق أمس نمت عنده في البيت، واو كان رائعا.. / ـ في ماذا؟ / ـ في الفراش، في قبلاته، في ممارسته، في دغدغته.. " ص35، فتؤكد صديقتها، بعد سماع ما حكته عن الضيفة، أنها تدخل ضمن خانة العهر والدعارة: " حكيت لصديقة ما جرى بيني وبين الضيفة، فقهقهت عالية، وقالت: ـ لا بد أنها عاهرة.. " ص 35، وهي حكاية أطلقت فيها الضيفة العنان لرغباتها العاطفية والجنسية التي خاضت في الحديث عن تفاصيلها بجرأة مكشوفة لجليستها التي لم تعش مثل هذه التجارب، ولم تفكر في ذلك لصغر سنها أولا، وربما طبيعة محيطها الأسري وما يحكمه، ويتحكم فيه من مواضعات وثوابت أخلاقية، وهو ما يؤسس لمفارقة محددة المعالم والأركان. وتطرقت كذلك القاصة لموضوع الخيانة في قصة " أمل... لم يولد بعد "، وما خلفه في نفسية الزوجة من آثار مهينة كما عبرت عن ذلك: " وأعزي النفس بما تفعله تصرفاتك اتجاهي، حين تحط من قدري وتهين وجودي، وتلغي ذاتي كأنثى، وهبت حياتها لإسعادك.. " ص37، حين تتأكد من ذلك، وتستنكر استبلاد الزوج لها: " حين ترتكب جرما في حقي تظن أني بلهاء، تعود وعطر أخرى يفوح منك، أو بقايا أحمر شفاه على ياقة قميصك.. " ص37، فكان رد فعلها انتقاما تمردت فيه على حالة الخضوع والاستسلام، وطوقته بإحساس مرير من الغيرة التي اكتوت بنيرانها قبله: " تركت زميلي ينفث سيجارته بالمكتب وأتعمد الاقتراب منه حتى تطال شعري رائحة التبغ، لم تكن تجرؤ على الكلام، مجرد شك يصيبك بنزيف داخلي، أستشعره بضغطك على الفراميل، وابتسم تذوق من نفس الكأس يا حبيبي.. " ص39. وضمن الحكايات التي تعج بها الأضمومة، والتي تصور معاناة المرأة في سياقات ومواقف تجمعها بالرجل ما ورد في قصة " عانقت خيبتها " بخصوص وضع المرأة العاملة، وما تبذله من جهد مضاعف موزع بين العمل داخل البيت وخارجه: " كانت كلما عادت من العمل تجد نفسها أكثر تأففا وتذمرا لأن بالبيت عمل آخر ينتظرها، تطبخ تكنس، تضع الغسيل في الغسالة تجهز العشاء، وتعد غذاء اليوم التالي وتضعه في الثلاجة، وترضع الصغير وتنومه. وحين ولج المدرسة تذهب وتأتي به.. " ص43، بينما ينعم الزوج بحياة هادئة موزعة بين مشاهدة التلفاز، وملاعبة ابنه: " في خضم انشغالاتها يكون زوجها أمام التلفاز أو يلعب مع صغيره.. تبتسم باستهزاء، وتتمنى لو كانت رجلا لو لو.. " ص44، بل لا تقف الأمور عند هذا الحد بحيث يتضاعف منسوب التعب بمجهود آخر في سرير النوم الذي يجمعهما: " تدلف إلى الغرفة تجد زوجها قد رمى بجسده الثقيل على السرير وتجرد من ملابسه.. " ص44، وفي خضم زحمة المعاناة، وضغط إكراهات المهام تقتنص لحظات تستلها من أيام العطلة: " كم كانت تفرح ليوم العطلة أو أيام إجازتها السنوية.. وساعة فرحها حين ترى الصغير يلعب مع والده وكلاهما مسرور، تعرف بأن لها طفلان بحاجة إلى رعايتها.. كانت تحس بسعادة زوجها وهي تدعوه إلى الفراش.. " ص44، لحظات انفراج عابرة ما تفتأ تنقضي بسرعة لتفاجأ بمستجدات مكلفة ومؤثرة كحملها غير المتوقع رغم ما اتخذته من احتياطات واحترازات: " لم تصدق خبر حملها مرة أخرى، الوقت غير مناسب، كيف حدث ذلك رغم احتياطها، قررت الإجهاض لكن الزوج كان سعيدا بإنجازه.. " ص45، وساهم ذلك في تغير بارز بخصوص زوجها الذي لم يعد يبخل عن مساعدتها، ومد يد العون لها فيما يتعلق بصغيرهما: " في هذه الفترة ترى تغيرات من زوجها، أضحى يساعدها ويلاطف الصغير كثيرا، بل بات طفله شغله الشاغل، وخفف من عبئها التغير المفاجئ.. " ص45، إلا أن وفاته المباغتة، إثر نوبة قلبية، أوقف بداية تحول لافت على مجريات حياتهما، واجتث إرهاصاته، وأجهز عليه: " قيل لها فيما بعد من طرف زملائه في العمل أنه أحس بتغير مفاجئ لذلك غادر باكرا، وكشف التقرير الطبي أنه مات بسكتة قلبية مفاجئة.. " ص46، ومن المواقف التي تضمنتها قصص المجموعة موقف التنكر لأيام زمن عشق ولى زرع بذوره في قلب العاشق كما صرح بذلك في بداية الأمر: " ـ حبيبتي أنت نور عيني وستظلين شجرتي الوارفة. / ـ أنت زهرتي الوحيدة التي لن تذبل، لهذا اخترتك شريكة لحياتي." ص 50، موقف سرعان ما تبدل، فانقلب عما كان يحس به اتجاهها، وتنكر لكل مشاعر الود التي غرستها في وجدانه وإحساسه بخلفية عدم قدرتها على الإنجاب: " ـ لا يمكنك أن تبقي في عصمتي، هذا شرط عروسي الجديدة. " ص51، تنكر فتح بداخلها جرحا غائرا لتصدع بمرارة ما استشعرته من خيانة وجحود: " ـ أي سكين ذبحتني به، لم تجد صيغة أفضل، لتبرر هجرانك؟ " ص 51، متحسرة على ثقتها به، وتصديق عبارات حب قائم على الخداع والخذلان.

وإذا كان موضوع المرأة في علاقتها بالرجل هو الطاغي على جل نصوص المجموعة، والذي عمدت القاصة إلى اختراق غشاوته السميكة، والنفاذ إلى خباياه، وخفاياه لاستجلائها، وكشف ما يترسب في قيعانها من محظور ومسكوت عنه بلغة تنم عن جرأة وجسارة غير مألوفتين فهناك ذكر لبعض العادات والتقاليد المرتبطة بالزواج، وما يصاحبها من طقوس كليلة الدخلة التي تختبر فيها عذرية العروس: " سروال ليلة الدخلة الذي يجب أن يكون ملوثا بالدم ليدل على عذرية الفتاة " ص 53، وما يعرف، في نفس السياق، ب " التقاف " وهي حالة تلم بالعريس فيعجز معها بالدخول على العروس، فيتم اللجوء إلى طرق معروفة للتخلص منه بارتداء جلباب مقلوب، ويتم تبخيره داخل أجواء من الشعوذة والخرافة. ولجأت القاصة كذلك، في كتابة قصصها، إلى عنصر الاستيحاء كما جاء في قولها: " وقالت الصباح رباح.. وسكتت عن الكلام المباح... " ص21، هي صيغة وردت في قصص ألف ليلة وليلة حين تنهي شهرزاد قصتها. وفي قولها أيضا: " ولم يستيقظ فينيقها بعد.. " ص52، في استحضار لطائر الفينيق الأسطوري الذي حين يشعر باقتراب موته يحترق ليولد من رماده، وهي نماذج من التراث القصصي والأسطوري القديم غنية بحمولاتها الرمزية والدلالية التي أسهمت في إثراء المتن القصصي وتنويع أبعاده ومعانيه. كما تميزت لغة المجموعة باستعمالات مختلفة من الدارجة كما ورد في قصة " سرير مقعر: " كيدخل ويخرج في العيالات.. أش منك يا السمرا يا لبيضا، العريضة، الطويلة القصيرة.. " ص9، وما تتضمنه بعض العبارات العامية من أقوال مأثورة مثل: " إلى مشى الزين تبقى حروفه.. " ص20، وفي: " خرجوا رجليها الشواري.. " ص10، وما تحيل عليه من معاني حِكَمية ووعظية في الغالب، وعبارات فصيحة ذات مسحة مجازية كما في قولها: " ظلت تغذيه من رحيق شهدها.. " ص51، وقولها كذلك: " ويتجدد مجرى نهر الوصال وربما صبيب الحب يرتفع.. " ص52، وتوظيف لعبارات بالفرنسية: " تتذكر وعوده، وأنشودة جاك بريل..Ne me quitte pas -: " ص 52.

وقد استوفت قصص المجموعة أهم العناصر والضوابط القصصية من شخصيات، وحوار، ووصف.. وإن كانت تفردت بميزة الجرأة في فضح، وكشف ما ظل مستورا، وغير معبر عنه في علاقة المرأة بالرجل، وما يجللها من سلوكيات شائنة حينا، ومجحفة أحيانا لا يتم التعبير والإعلان عنها فتبقى حبيسة السر والكتمان.

***

عبد النبي بزاز

...............

- مضاجع ملغومة (قصص قصيرة) نعيمة القضيوي الإدريسي / سليكي أخوين ـ طنجة2014.