قراءات نقدية
جمعة عبد الله: صرخات احتجاجية على العالم المتوحش في ديوان "دخان لجمرٍ قديم"
للشاعر بن يونس ماجن
يقدم الشاعر المغربي نصوص بلا عناوين، هي خلاصة مسيرة حياته وعمره الطويل في دروب النضال المتعثرة، المليئة بحفر الزمن، انها مسيرة شاقة في معاناتها وعبئها الثقيل، كأنه يتكوى على جمر من النار، خلال مسيرته الحياتية والنضالية، حتى بلوغه الثمانين عاماً، شاهد على فظائع، الظلم والطغيان وجبروت الطغاة، وضعفهم واذلالهم امام اسيادهم، تجار الحروب، هذه النصوص هي شاهد اثبات على جرائم عصرنا الحالي، بكل الجوانب الغطرسة والوحشية، هذه النصوص هي عرق جبينه الكفاحي الطويل، سطرها شعراً، لذلك اهداها الى نفسه لبلوغه ثمانين عاماً، هي خلاصة بما تواجهه الشعوب العربية، من الحروب، وانتهاك، والدوس بالاقدام على القيمة الانسانية، المهدورة والمنكوبة في عالمنا العربي، في دخانها المتصاعد من كل الميادين الحياتية، واقع يواجه وحشية ونذالة الحكام العرب وخنوعهم الذليل أمام وحشية العالم المتغطرس في جرائمه، رغم الاعوام الطويلة التي عاشها في المهجر (بريطانيا) لكنه ظل مرتبطاً روحياً وعضوياً في معاناة الشعوب العربية، بأن يكون صوتاً احتجاجياً، متمرداً، ورافضاً الواقع العربي الميؤس، كأنه داخل سجن، بأغلال حديدية، تخنق صوته وارادته واختياراته، يفتقد ابسط شروط الحرية والكرامة، لهذا يصرخ بالرفض المتمرد، يصوغها في بيانات شعرية ملتهبة من لهيب الجمر، وبصيغة أسلوبه الخاص، الذي تميز به في تجربته الشعرية الطويلة، في تناول الشعر في الاتجاه والاسلوب السريالي المتمرد، رداً على سريالية العالم المتوحش، أو التبادل بالمثل، لان الاوطان العربية مكبلة بالظلم والاضطهاد والتعسف، الانسانية فيها مغدورة أو مفقودة، يعرض قضايا الشعوب العربية من المنصة الدفاع عنها، يتعامل مع الإنسان العربي عامة والفلسطيني خاصة، من منطلق الدفاع عن حرية الشعوب المفقودة، ورفض اغتصاب الاراضي المغتصبة في فلسطين، وكذلك الجرائم الوحشية في غزة المدمرة، عن اطفال غزة الذين يواجهون الموت المدمر، والحرمان من ابسط حقوق الطفولة، يجري هذا الدمار هذا الدمار الوحشي، على صمت الحكام العرب، وصمت العالم كأنهم لا يسمعون الصرخات والانين شعوبهم، يضعهم هذا الصمت المريب، في موقع المسؤولية لهذه الجرائم، ويضعهم في موضع العار والتخاذل، نصوص هي صوت احتجاجي مدوية، تثقب طبلة الاذن. النصوص هي تمثل مرآة حقيقية بما يجري من غرائب في عالمنا العربي، في الانتهاك والحرمان للإنسان العربي المظلوم. والشاعر يتعامل مع القصيدة من منطلق المسؤولية والالتزام، ان يقدم شيء مفيد للقضايا الناس والأوطان. لذا فأن القصيدة لديه مسؤولية والتزام، ان لا تكون تافهة وفارغة من المضمون و فارغة وتافهة، وكذلك ينبغي ان تملك الإبداع والتعبير، لذا فإنه يحمل قدسية تجاه القصيدة، يخاف منها وتستفزه، عندما يهاجمه الالهام، وينزوي في بيته المعتم، في طقوس القصيدة (أخاف من القصيدة / تستفزني / على خلفية ثأر قديم / لم أعد أحتمل الكتابة / السطور التفاهة / الفارغة من فحوى / التعبير والابداع / وعندما يهاجمني الالهام / انزوى الى ركن في بيتي المعتم / وارفع رايتي البيضاء / واستسلم للهذيان).. كوابيس القصيدة والواقع تطارده، لذلك يده تبقى على زناد حروف القصيدة، توجعه وتؤلمه، أن يرميها في منابر الساحات، وهو يرى اكياس الجثث ترمى في المقابر (علقت أكياس الجثث / على سياج مقبرة / في انتظار صلاة الغائب / الجمر الكامن تحت الرماد / يسخر من شمعة تحتضر في ليلة عاصفة).. وحنظلة حاضر في القصيدة (ابداع رسم حنظلة، الرسام الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي)، لكي يعبر عن المعاناة والمحنة العربية، ضد الحروب واغتصاب الأرض، بأن يحمل غصن الزيتون على جنح حمامة بيضاء (كان حنظلة / يرسم على جدران سجن الطغاة / حمامة بيضاء وغصن زيتون / سأتبرع بكفني / الذي قُدَّ من ثياب الديكتاتور / وألفه حول شاهدة قبره / ليس لدينا جيش نعتمد عليهم / وعساكر في سبات عميق).. ولا ينسى السخرية والاستهزاء والتهكم بحكام العرب (الحكام العرب / لصوص ليس ظرفاء / الوطن العربي / بلد طارد أهله وشبابه / شعب يحاول البقاء مستيقظاً / بعد نوم حاكمه / هل سمعتم صراخ وأنين / المفقودين تحت الانقاض ؟).. والسخرية من الأناشيد الوطنية التي تسبح في الخيال والوهم في الانفصال التام عن الواقع، كلمات غامضة وضبابية في تراجيديا الكوميدية (طوق حول العنق / وكمامة على الفم / و خنجر مغروس في الظهر / وتمساح أليف / يتدرب على البسمة الصفراء / ونشيد وطني مبهم / يكتنفه الغموض / كلماته ضبابية / وموسيقاه غير متناغمة).. الحكام العرب حولوا هزائمهم الكبرى الى انتصارات عظيمة، فقد اختلفت المعايير بين النصر والهزيمة (في بحر متلاطم / يقف الصقر الجريح / ويغرف حفنة من الملح / ليذرها على جراحه العميقة / ميداليات الشجاعة / لجندي عربي / هارب من الحرب).. ونحن نتجرع انتصاراتنا الوهمية من حكام العرب المتخاذلين، اسود ضارية وفتاكة على شعوبهم، وارانب مذعورة امام اسيادهم، ونحن نتجرع علقم الهزائم والانكسارات منهم، ونسجلها في دفتر أيامنا الهاربة والخائبة (سنكون معاً / في وقت لاحق / لنعد انتصاراتنا الوهمية / ونسجل في دفتر / الأيام التي هربت من قبضتنا).. الصراع الشرس قائم ومستمر لم يتوقف، رغم الارهاب والتنكيل واعواد المشانق والمقابر الجماعية (زوال الطغاة / يرجم الشيطان / شعب مثقل بالاضطهاد / مقيد الاغلال / في كل درب وبيت / نصبت له اعواد المشانق / موجات القمع والتصفية / شبح الموت / يحوم حول المقابر الجماعية).. خيانات الحكام العرب كثيرة، لا تعد ولا تحصى، بالخذلان والخيانة، لكنهم يتسلون على مشاهد حرب الابادة ضد ابناء جلدتهم (يتسلى العرب / بمشاهدة حرب الابادة / انفاسهم تضيق / من فرط الخيانة الكبرى).. ويحصي حصاد عمره، وهو على مشارف الثمانين عاماً، يمشي ويتعثر في حفر الزمن، ويختلط عليه الربيع والخريف، وشعر رأسه يشتعل بياضاً، وهو يحمل عبء وتعب السنين (ها أنا الآن / على مشارف الثمانين / أحمل شيخوختي / المثقلة بعبء السنين / وامشي بين حفر الزمن / كم تخبطت / بين الربيع والخريف / رأسي يزيد بياضاً / ويشتعل شيباً).. ولا ينسى أطفال غزة المنكوبة بالوحشية والدمار، الطفولة المدمرة من الكيان الصهيوني (غزة مذبحة العصر / رضع تحت الأنقاض / اشلاء مبعثرة / اطراف مبتورة / يتامى / ارامل / جياع / عطشى / / حصار / والعالم اصم واخرس / لقد أصيب بجلطة دماغية / ونوبات البكم / أمام المجازر اليومية)..
***
جمعة عبدالله







