عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

كريم الاسدي: إن أردتم الحقيقة.. فرانتز كافكا أديبٌ فاشل بل انه كذبةٌ في عالَم الأدب!!

قبل بضعة أعوام كتبتُ موضوعاً أدبياً عن طرق تثمين الأدب والأدباء، والموضوع كان بعنوان: (وقفة وسؤال عن المقياس العادل الذي تُقاس به الأعمال الأدبية)..

لم يكن الحديث عن ظاهرة فرانتز كافكا (Franz Kafka) هو أساس الموضوع ولكنني تطرقت الى الظاهرة الكافكوية كمثال على أثر قوّة الدعاية والتفخيم والترهيب في تسويق اسم الأديب ومن ثم نتاجه الأدبي..

قبل هذه الأثناء وبعدها كنت قد علَّقت ورددت على الكثير من آراء زملاء وزميلات في مواضيع تخص كافكا نشروها في صحف ومجلات أدبية ومنابر ثقافية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي..

احاول اليوم نشر آرائي وقناعاتي وأفكاري عن أدب فرانتز كافكا مثلما قرأته وعرفته، وأنا على استعداد للحوار حول الموضوع وتقبّل النقد الأدبي الموضوعي والعلمي ضمن أجواء الاحترام وتبادل الآراء.

لدي قناعة بنيتها على أساس قراءة متأنية وخبرة أدبية خبرة شاعر وكاتب وأديب وأكاديمي مختص في الأدب العام والأدب المقارن بأن كافكا أديباً لم يكن بالمستوى الذي صنَّفته فيه الدعاية على أساس من انه أديب عالمي فذ وروائي خارق ومؤسس مدرسة في الأدب الروائي والقصصي..

درستُ رواية كافكا المعنونة ب (المحاكمة) أو (Der Prozess) في منهاج دراسة الماجستير في قسم الأدب العام والأدب المقارن في جامعة برلين الحرّة والمسماة Freie Universität Berlin، وكانت دراستنا للرواية في اللغة الألمانية وللنص الألماني الأصل..

من أول ملاحظاتي عن لغة كافكا الألمانية في هذه الرواية انها لغة فقيرة، مُهلهلة، مُملَّة، جافة، تفتقد الى التدفق والتجدد، مثلما تفتقد الى ذكاء الأديب في جعل لغته حيوية جذّابة تؤثر في القارئ وتدعوه لاكتشاف خبايا النص والابحار معه، ويأتي الى جنب فقر هذه اللغة وجدبها جمود الاسلوب الروائي وتكرار مشاهده ومواضيعه بشكل مقرف ومضجر حقاً وافتقاده الى روح الابتكار والتجديد الى الدرجة التي استحال معها النص الى نص طويل متشابه حتى ان من الممكن ترحيل مقطع من صفحة في الثلث الأول من الرواية الى صفحة في الثلث الثاني أو الثالث في الرواية ودمجها في مكان جديد دون ان يحس القارئ اذا عاد لقراءة الرواية مرَّة ثانية..

في يوم ما ـ وبينما كنت أزور احد الصالونات الأدبية في برلين ـ قرأ أحد الأدباء الألمان نصاً أدبياً له يحاكي فيه من بعيد أو قريب نصوص كافكا، وكان من تقاليد هذا الصالون ان يقرأ الأديب نصّه أو قصيدته ثم يستمع لآراء الحاضرين ويناقشهم، وحين انتهى الأديب من قراءة نصه عبَّرتُ عن رأيي الناقد للنص، وذكرت أيضاً ان كافكا نفسه لم يكن أديباً موفقاً فلغته فقيرة مملة لا ترقى الى لغة أديب، واسلوبه جامد يفتقر الى الحركة والحيوية ومشاهده مكررة..

يبدو ان رأيي كان صادماً للجمهور الحاضر فكافكا قد كُرِّس كأديب كبير ووُضع في خانة القداسة فبدأ البعض بمهاجمتي، بيد ان أديباً المانيا مثقفاً من الحضور اسكت الجمهور الغاضب حين أخبرهم بأنني لست الوحيد في هذا الرأي، فالأديب الألماني المعروف توماس مان (Thomas Mann) كان له رأي مشابه في أعمال كافكا..

وفي الحقيقة انني لم أكن أعرف رأي توماس مان بكتابات كافكا من قبل لكن رأي الزميل الأديب خفف من حدَّة الهجوم، فتوماس مان أديب كبير، والجمهور يخشى آراء الأدباء المعروفين كأدباء كبار..

أعتقد شخصياً ان كافكا المنتشر والمقروء هو من صنع صديقه تاجر الكتب ماكس برود (Max Brod) وهو صديق قريب لكافكا، وقد تجاوز على وصية كافكا الذي أوصى بعدم نشر نتاجه بعد موته، وفي اعتقادي ان وصية كافكا هذه تنم عن عدم قناعته بكتاباته الشخصية وشكوكه في مستواه الأدبي واللغوي، وهذه الشكوك في محلها تماماً.. لكن ماكس برود تاجر كتب ولديه عقلية تاجر قبل عقلية الأديب أو الشاعر، وأعتقد انه فكَّر مع معارف له في عمل موجات دعاية لكافكا قبل وبعد نشر كتبه لترويجه في عالم سوق الكتب والمكتبات، ثم أتت الى جنب هذا اسباب تاريخية سياسية تتعلق بتاريخ أوربا وأوضاع المجموعات اليهودية الأوربية التي ينتمي اليها كافكا في براغ حيث ولد وفي النمسا حيث عاش..

حُسب أدب كافكا على الأدب المهم والغامض وعلى انه أدب النخبة المثقفة التي ترتاد الصعاب، مما جعل أي مشكك فيه يتردد في اعلان شكوكه خشية اتهامه بأنه ليس من قراء النخبة أو انه ينتقد كافكا لأسباب لا تتعلق بالأدب، وقد تذهب هذه الاتهامات الى حد اتهام المنتقد الألماني أو الأوربي بالعنصرية وهذا أكثر ما يخافه الألمان والأوربيون..

هكذا تخطى كافكا الحواجز ودخل الى رحاب الجامعات وفُرضت كتبه كمناهج دراسية على مئات الآلاف من الطلبة والأكاديمين عبر العصور، وبيعت منها ملايين النسخ في مكتبات وجامعات العالم، ووصلت أرباحها الى مئات ملايين الدولارات، أو ربما المليارات اذا ما اعتبرنا ان كتب كافكا تُباع في كل أنحاء العالم وخصوصاً في اميركا وأوربا ومنذ حوالي ثمانين سنة، والى الآن!!

***

كريم الأسدي