قراءات نقدية
عدنان عويد: رأي الشافعي في علم الكلام
علم الكلام برأي هو علم يدخل في مجال الفلسفة، أي في مجال العقل والفكر والرأي الحر، أو بتعبير آخر، هو يدخل في المجال الذي يؤكد على دور ومكانة العقل البشري في البحث عن سعادة الإنسان وعدالته وحريته وكل ما يحقق إنسانيته بعيداً عن أيّة سلطة فكريّة أو عقديّة او أيديولوجيّة مسبقة من خارج تاريخ حياة الإنسان، وذلك من خلال استخدام وسائل وأساليب معرفيّة تقوم على البحث والاستقراء والاستنتاج والتحليل والتركيب وأخيراَ البرهان. وإذا كان علم الكلام قد وجد ما له وما عليه في العصور الوسطى من التاريخ الإسلامي، من حيث تأثره في الفكر أو المنطق الفلسفي اليوناني، ومحاولة حملته من الفلاسفة العرب والمسلمين تفسير قضايا لاهوتية من خلاله، من منطلق مادي يؤمن بالحقيقة العيانيّة، ويحاول إقصاء كل ما هو غيبي وأسطوري من عالم هذا اللاهوت، أو التفسير من منطلق فلسفي مثالي يتناول (وجود الله ووحدانيته وصفاته .. الخ)، وهذا ما اشتغل عليه في الحقيقة معظم الفلاسفة المسلمين، وحتى ذوي النزعة الماديّة لم يستطيعوا تجاوز هذه المسأل العقديّة في طروحاتهم، ومع ذلك لم يسلم هؤلاء الفلاسفة ذوي النزعة الماديّة من حملات الإقصاء وحرق كتبهم والتنكيل بهم، التي كان يقودها رجالات ومشايخ (الفكر السلفي)، بل والأكثر غرابة هو استمرار حملة أصحاب الفكر السلفي هذا في ملاحقة أصحاب الفكر التنويري العقلاني حتى اليوم، من المنطلق ذاته الذي حورب به أصحاب هذا الفكر من المعتزلي في العصور الوسطى. وبناءً على ذلك تأتي أهميّة هذه المقالة في كشف أبعاد هذا الفكر ومن الذين يحاربونه حتى اليوم. وبالتالي ما هي أهمية علم الكلام إذا ما ربطناه بالفلسفة العقلانيّة التي نحن بأمس الحاجة لها اليوم لتجاوز تخلفنا المعرفي والمنهجي الذي فرضه علينا أصحاب النقل وثقافة الفم لا العقل وحرية الإرادة. هذا وقد وقفنا هنا عند المواقف الفكريّة للشافعي الذي أسس لمحاربة العقل أنموذجا.
على العموم: سُمي علم الكلام "كلاماً" لكثرة البحث والكلام في "كلام الله" وصفاته، أو لاعتماده على الجدل والمنطق. ويُعتبر عند أصحابه كـ (الأشاعرة والماتريديّة) وسيلة لإثبات العقائد المتعلقة بالله ووحدانيته وصفاته والقديم والمحدث من جهة، بينما حذر منه بعض السلف وكفروا دعاته من جهة ثانية.
يقول السلفيون بأن "علم الكلام" علم دخيل على الإسلام، استمده أوائل المتكلمين من فلسفة اليونان وحكمة الفرس للإعراض عن ظاهر النصوص، كما يقول "الإمام أحمد بن حنبل" (1).
إذن إن علم الكلام هو أحد أبرز العلوم الإسلاميّة الذي اهتم بدراسة إثبات العقائد الإيمانية (أصول الدين) والدفاع عنها، باستخدام الأدلة العقليّة والبرهانيّة وفقاً للمنطق الصوري، أو الاستنتاج المنطقي، إلى جانب علوم النقل (الكتاب والسنة)، وذلك للرد على الشبهات والفرق المخالفة. وهو يبحث في الذات الإلهية، الصفات، الأفعال، التوحيد، العدل الإلهي، النبوة، المعاد، والإمامة. والعمل أيضاً على حماية العقيدة الإسلاميّة كما يراى دعاة السلفيّة ما أصابها من الانحرافات والشبهات، وتثبيتها بالحجة والبرهان. وذلك من خلال منهج دمج العقل والنقل معاً، في الوقت الذي بقي فيه دور العقل هنا هو النظر والبرهان لتثبيت ما ورد في هذا النص ولس الحكم عليه.
هذا وتأتي أهميّة علم الكلام في الخطاب المعاصر برأيي، كضرورة من أجل تجديد مناهج علم الكلام، ليصبح "علم كلام جديد" قادراً على مواجهة التحديات الفكريّة والفلسفيّة والعمليّة الحديثة الوضعيّة والدينية منها.
رأي السلفيين في علم الكلام:
إن طريقة علماء الكلام، في الحديث عن الجواهر والعراض، والحادث والقديم، هي طريقة مبتدعة برأي علماء السلفيّة، وهي طريقة لم يكن عليها سلف الأمّة الصالح، لذا هم – أي مشايخ السلفيّة - يؤمنون بأن علم الكلام لا يصلح لاستنباط أصول الدين ومعرفة الله. وإن النصوص الإسلاميّة من قرآن وسنة نبويّة فيها ما يكفي من الحجج العقليّة والبراهين المنطقيّة لمجادلة المخالفين ودعوتهم إلى الإسلام. فالمنهج السلفي في مسألة موقفه من علم الكلام، يقر بأن المنهج السلفي لديه مجموعة قواعد يستند إليها وهي:
1- رفض التأويل بغير دليل.
2- كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث والإقلال من الرأي الشخصي عند الكلام عن الدين.
3- هذا وإن هناك أقوالاً رواها الإمام "الشافعي" في موقفه من علم الكلام كما ذكر "الذهبي" في ترجمته عن الإمام "الشافعي" حيث وجد جملة نصوص تدل بوضوح على موقف الشافعي من علم الكلام وهي نصوص اعتمد عليها معظم أئمة ومشايخ الفكر السلفي سابقا ولاحقا، بل حتى تاريخنا المعاصر ومنها قوله:
آ- لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد.
ب - ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح.
ج - والله لأن يفتي العالم فيقال أخطأ العالم، خير له من أن يتكلم فيقال: زنديق ! وما شيء أبغض إلي من الكلام وأهله !
د - وقال يا ربيع إقبل مني ثلاثاً: لا تخوضن في أصحاب رسول الله فإن خصمك النبي غدا، ولا تشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم، ولا تشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل!
هـ - وسئل الشافعي عن شيء من علم الكلام فقال: سل عن هذا (حفص الفرد) وأصحابه أخزاهم الله !. وحفص الفرد من المتكلمين المعتزلة.
ح - وقال: حُكْميَ في أهل الكلام، أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر، ينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام!
ك - وقال: مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط وتشريدهم في البلاد ! قال الذهبي: لعل هذا متواتر عن الإمام!
وقال المزني: كان الشافعي ينهى عن علم الكلام. وذكر أنه كان يطالع في علم الكلام قبل أن يقدم الشافعي، فلما قدم سأله عن مسألة في علم الكلام فغلظ له القول حتى ترك الكلام وأقبل على الفقه!
ل - وقال الشافعي: لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصيّة لأنه ليس من العلم!
م - وقال: ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرّة وأنا أستغفر الله من ذلك!. (2).
ومن يتتبع كلام الأئمة السلفين في العصور الوسطى من الخلافة الإسلامية، سيجد لمثل هذه الأقوال الشافعيّة المعاديّة للعقل ومنطق العصر نظائر كثيرة، في تاريخنا المعاصر لا زالت سائدة في الخطاب الإسلامي، وتشكل عقبة أمام انطلاقة الفكر العقلاني النقدي.
***
د. عدنان عويد
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.
.......................
1- كما ورد عند محمد عماره في كتابه (السلف والسلفيّة).
2- يراجع في ذلك – موقف الإمام الشافعي من علم الكلام – موقع ملتقى أهل الحديث.







