قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: قراءة نقديّة في البنية اللغوية والجمالية والفكرية لقصيدة "بلدتي"
تندرج قصيدة «بلدتي» للشاعر توفيق أحمد ضمن النصوص الشعرية التي تتجاوز حدود التعبير الوجداني المباشر لتتحوّل إلى خطابٍ كينونيّ مركّب، تتشابك فيه الذات الفردية مع الجغرافيا والذاكرة والتاريخ. فالبلدة هنا ليست موضعاً جغرافياً فحسب، بل كياناً أنطولوجياً يتماهى مع الدم واللغة والوعي، ويغدو الوطن ــ عبر اللغة ــ بنيةً رمزية تتداخل فيها الأسطورة باليومي، والذاكرة بالوجود.
أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية
1 ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب:
تقوم القصيدة على لغة عربية رصينة ذات جذور فصيحة، تتكئ على المعجم التراثي دون الوقوع في الجمود. فالشاعر يستثمر ألفاظاً ذات كثافة إيحائية مثل:
«دمي المرابط خلف أضلاعي»
«السنديانات الذهولة»
«بيت الطين»
نلحظ هنا انزياحاً تركيبياً ودلالياً واضحاً؛ فالدم لا يكون «مرابطاً»، لكن إسناد فعل الرباط إليه يحوّله إلى جنديّ وجودي يحرس الهوية. وهذا انزياح ناجح لأنه لا يخلّ بالوضوح بل يوسّع الدلالة.
كما يعتمد الشاعر على الجملة الممتدّة المتدفقة، حيث تتراكم الصور دون انقطاع نحوي حاد، وهو ما يمنح النص صفة التدفّق الشعوري المتواصل.
ومن جهة الدقة اللغوية، يظهر إحكام في اختيار المفردة؛ إذ لا نجد ترادفاً زائداً، بل اقتصاداً تعبيرياً يوازن بين الشعرية والوضوح.
2 ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير
ينجح النص في تحقيق توازن بين اللفظ والمعنى؛ فاللغة لا تتضخم على حساب الدلالة.
مثلاً:
«يغسلها براحتِهِ الصباح»
الصباح يتحول إلى كائن حميمي ذي يدٍ راعية، وهو انتقال بلاغي من الطبيعة إلى الإنسان (تشخيص)، يمنح البلدة بعداً أمومياً.
اللغة هنا ملائمة للموضوع؛ لأن الحديث عن القرية والذاكرة يستدعي لغة عضوية قريبة من الأرض لا لغة تجريدية باردة.
3 ـ الإيقاع والمعمار الصوتي
القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة الحر، حيث يعتمد الإيقاع على:
التكرار الصوتي.
الجمل الطويلة المتدفقة.
الوقفات الداخلية.
نلاحظ موسيقى داخلية عبر الأصوات الرخوة:
«قُبلاً قُبل»
التكرار يخلق جرساً حميماً يشبه الهمس.
كما تتكرر أصوات اللام والنون والميم، وهي أصوات رخوة توحي بالحنين والاحتواء.
الإيقاع لا يعتمد القافية الصارمة بل «القافية النفسية»، وهو اتجاه يذكّر بتجارب شعرية عربية حديثة سعت إلى تحرير الموسيقى دون فقدانها.
ثانياً: الأسس الجمالية والفنية
1 ـ البنية الفنية للنص:
القصيدة ليست سرداً زمنياً بل حركة دائرية بين:
١- الماضي (القرية).
٢- الحاضر (الذات الشاعرة).
٣- الزمن الحضاري.
فالبلدة تتحول إلى «شخصية مركزية».
«هي الحبيبة والحقيقة»
تتعدد وظائفها:
١- الأم.
٢- الحبيبة.
٣- الحضارة.
وهذا يمنح النص بنية درامية غير مباشرة.
2 ـ الرؤية الفنية:
العالم عند الشاعر ليس مفككاً؛ بل وحدة عضوية.
«هي جزء هذا الكل»
الجزء هنا يحمل الكل، وهي رؤية قريبة من التصورات الفلسفية الكلية التي ترى الإنسان جزءاً من نظام كوني.
الشكل يخدم المضمون؛ فالتدفّق اللغوي يعكس امتداد الذاكرة نفسها.
3 ـ الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:
من أجمل الانزياحات:
«عصافيراً تطير بلا جوانح خلف أسيجة الوطن»
صورة مفارقية تجمع الحرية والمنع معاً.
الطيران بلا أجنحة - إرادة الحرية رغم القيد.
هنا يتحقق عنصر الدهشة الشعرية.
ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية
1 ـ الموقف الفكري
النص يطرح أسئلة:
١- ما الوطن؟
٢- هل هو مكان أم ذاكرة؟
٣- هل الحضارة استمرار الأرض؟
٤- البلدة تصبح أصل الهوية.
2 ـ الأفق المعرفي
يظهر تفاعل مع:
١- التراث الزراعي.
٢- رمزية الشرق.
٣- مفهوم الحضارة.
«تنام على سرير الشرق واقفة»
صورة تجمع النهوض والسكون.
الشرق هنا ليس جغرافيا فقط بل رمز حضاري.
3 ـ البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)
القصيدة تحمل طبقات متعددة:
الطبقة الأولى:
وصف قرية.
الطبقة الثانية:
حنين شخصي.
الطبقة الثالثة:
نقد اغتراب الإنسان الحديث.
البلدة - مركز المعنى.
ويمكن قراءة النص وفق تصور وجودي قريب من أسئلة الانتماء التي ناقشها فلاسفة مثل مارتن هايدغر حول «السكن في العالم».
رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية
1 ـ سياق النص
النص يتولد من بيئة الريف والذاكرة الجمعية في بلاد الشام، حيث القرية تمثل مركز الهوية في مواجهة التحولات الحديثة داخل سوريا.
2 ـ تطور النوع الأدبي
يقع النص ضمن تيار شعر التفعيلة بعد الحداثي:
صورة مركبة.
لغة رمزية.
غياب السرد المباشر.
وهو امتداد لتجارب الحداثة العربية.
3 ـ ارتباط النص بالتراث
يحضر التراث عبر:
بيت الطين.
الأشجار.
الخصوبة.
رمزية الخصوبة تعيدنا إلى الأساطير الزراعية القديمة حيث الأرض أمّ كونية.
خامساً: الأسس النفسية
1 ـ البنية الشعورية
النبرة الأساسية:
حنين.
خوف من الفقد.
دفاع عن الذاكرة.
الدم «مرابط» لأن الذات تخشى الانقطاع.
2 ـ تحليل الشخصية الشعرية
الشاعر:
١- عاشق.
٢- محارب.
٣- شاهد.
«وأنا المتيم والمحارب والبطل»
تعدد الأدوار يدل على صراع داخلي بين الحساسية والواجب.
3 ـ النبرة النفسية
يمتزج:
١- الاحتجاج.
٢- العشق.
٣- القلق الحضاري.
فالقصيدة مقاومة للنسيان.
سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية
1 ـ علاقة النص بالواقع
النص يدافع عن القرية بوصفها:
١- هوية اجتماعية.
٢- ذاكرة جماعية.
٣- في مواجهة التحول المدني والاقتلاع.
2 ـ الخطاب الاجتماعي
الأسيجة في:
«خلف أسيجة الوطن»
قد تُقرأ كرمز للحدود السياسية أو القيود الاجتماعية.
3 ـ الكاتب فاعلاً اجتماعياً
الشاعر هنا شاهد ثقافي يحاول إعادة الاعتبار للجذور.
سابعاً: الأسس السيميائية
1 ـ الرموز
السنديانة - الثبات.
الصباح - الولادة.
البابونج - الشفاء.
2 ـ الشبكات الدلالية
النص قائم على تقابلات:
١- الحياة / الموت.
٢- الطيران / الأسوار.
٣- الوقوف / النوم.
3 ـ النظام الرمزي:
الفضاء الطبيعي يتحول إلى لغة:
الغيم - التاريخ.
المطر - الاستمرار.
ثامناً: الأسس المنهجية
القراءة هنا تعتمد:
١- المنهج الأسلوبي.
٢- التحليل الرمزي.
٣- التأويل الهيرمينوطيقي.
مع التركيز على النص لا على السيرة الشخصية.
تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا
1 ـ قيم الحرية والجمال:
النص يحتفي بالإنسان من خلال الأرض.
الحرية ليست شعاراً بل تجربة دم.
2 ـ الانفتاح التأويلي
يمكن قراءته:
١- كنص حب.
٢- كنص مقاومة.
٣- كنص وجودي.
3 ـ البعد الإنساني:
البلدة هنا نموذج لكل أمكنة الإنسان الأولى.
ولهذا ينجح النص في تجاوز المحلي نحو الإنساني العام.
خلاصة:
«بلدتي» نصّ يمتلك كثافة شعرية عالية، يجمع بين البلاغة التراثية والانزياح الحداثي، ويحوّل المكان إلى كائن حيّ يشارك الإنسان مصيره. قوته الكبرى تكمن في:
اقتصاد لغوي مشحون بالدلالة.
موسيقى داخلية رفيعة.
شبكة رمزية متماسكة.
رؤية حضارية تتجاوز النوستالجيا السطحية.
إنه نصّ لا يصف القرية بقدر ما يستعيد الإنسان وهو يبحث عن بيته الأول داخل اللغة نفسها.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
............................
بَلْدتي
شعر: توفيق أحمد
لو فَتَّشوا دميَ المُرابطَ خلفَ أضلاعي
وتلكَ السندياناتِ الذَّهولَةَ
تَزْدهي قُدَّامَ بيتِ الطينِ
يَغْسِلُها براحتِهِ الصَّباحْ
وأنا كآخِرِ شُرْفَةٍ يَرْمي عَلَيَّ
الورْدُ نَكْهَتَها ،
ويَشْرَبُ قَهْوةَ الأيّامِ منْ فنجانِها
الموتُ الُمتاحْ
هي جُزْءُ هذا الكُلّ
وجْهٌ في تضاريس الزَّمَنْ
هي شُعْلةٌ مِنْ بعضِ هذي النَّارِ
كنّا قَدْ رميناها .. ونَرْميها...
عصافيراً تَطيرُ بلا جوانحَ
خَلْفَ أَسْيِجَةِ الوطنْ
مَنْ ذا رآها
وهيَ تَلْبَسُ زَهْوةَ الأشجارِ
في عُرسِ الخُصوبةِ
تُنْجِبُ البابونجَ المَلَكيَّ
مِنْ وجَنَاتِهِ قَطَفَ الصًَباحُ نهارَهُ
قُبَلاً قُبَلْ
ظَلَّتْ تنامُ على سرير الشرقِ واقفةً
وتلكَ هي الحضارةُ
غيمُها يَروي الزمانَ إذا هَطَلْ
هيَ قريتي ...
ميدانُ معركةِ الطبيعةِ قريتي
وهي الحبيبةُ و الحقيقةُ
والحديقةُ والنّدى
هي سيفُ ملحمتي وتاجُ قَصيدتي
وأنا المُتَيَّمُ والمُحارِبُ والبَطَلْ
هي هذه الأفكارُ في جَسَد الكلامِ
تُريْدُ وَأْدَ قصيدةٍ برَمادِ أُخرى
ليس أكثرَ - يا تباريحَ الغمامِ- ولا أَقَلّْح






